الرئيسية » مقالات » ساكا شفيلي جورجيا ومحرقة غزة

ساكا شفيلي جورجيا ومحرقة غزة

« قبل يومين من عيد ميلاد السيد المسيح، ارتفعت الإعلام الإسرائيلية في العاصمة الجورجية تبليسي، سارت المظاهرات الطلابية لتأييد العملية العسكرية المزمعة ضد قطاع غزة… ضد الإرهاب..، إسرائيل دولة صغيرة وهي مضطرة للدفاع عن نفسها.. لا يوجد فرق بين الحرب في اوسيتيا الجنوبية وجورجيا وبين قطاع غزة وإسرائيل، كما بين روسيا وجورجيا وبين الإرهاب والديمقراطية..»
هذه المفردات وغيرها هي من مقالة نشرت في صحيفة «جيروزاليم بوست» الإسرائيلية، إبان العدوان الصهيوني على قطاع غزة، وتحت عنوان: « جورجيا تؤيد إسرائيل» بقلم خاتونا مشفيدوبادزة، أما الأهم فهو صفة كاتبة المقالة والمذيل: «مركز التحليل الأمني الجورجي» والصحيفة الاسرائيلية فقد أخذته من الموقع الرسمي للخارجية الجورجية كما أشارت بذلك.
لقد أدلى ساكاشفيلي بدلوه في العدوان على غزة، من موقعه واستتباعه وتماهيه، موقعه من النضالات الحقيقية ضد العنصرية ومن أجل التحرر وضد التمييز العنصري، في حالة قطاع غزة كأكبر معتقل إنساني في العالم، حين تكون محرقة المدنيين من السكان هي مجرد خلفية أو ديكور، وهو ذاته الهامشي العائد للتو من مغامرة خائبة وتشردية إنسانية في اوسيتيا الجنوبية، قد التبس عليه أن يستخلص العبرّ من قسوة الدرس، ومن إغراءات الارتزاق، الحالة العزيزة على قلب الاستعماريين المعاصرين، تماماً ما يذكرنا بما يجري في جنبات هذا العالم من وقائع مشؤومة، تماماً مثل حكومات الدمى في سيراليون أو ليبيريا التي تتاجر بالماس الدموي، وتبقى بفضل المساعدات المسماة «قوات حفظ السلام» التابعة للنظام الدولي، عملية انقاذ ساكاشفيلي الذي هو أحد تلقيحات وسيناريوهات جورج بوش وكابوسه النيو ليبرالي الطويل وبعد حملته الدموية الاوسيتية.
هنا يمكن أيضاً تتبع العامل الإسرائيلي في« ميثاق الشراكة الإستراتيجية الأميركية ـ الجورجية»، الذي سارعت إدارة بوش الجمهورية المنصرفة يوم 9 كانون الثاني (يناير) الماضي إلى توقيعه، وقبل أيام قليلة من تنصيب اوباما وادارته الديمقراطية الجديدة، حيث سارعت وزيرة الخارجية السابقة كونداليزا رايس إلى توقيعه مع نظيرها الجورجي غريغول فاشادزه، في سياق المخططات المشتركة لتلعب جورجيا ساكاشفيلي دور إسرائيل في القوقاز، وإقامة قواعد جوية أميركية وإسرائيلية تستخدم الأراضي الجورجية كمنصة للعدوان التقليمي، وقواعد بحرية أميركية على سواحل البحر الأسود، تُستخدم للاستقطاب السياسي والابتزاز وللتوترات الإثنية في القوقاز والإقليم.
سبق وأن كشفت حرب القوقاز الكثير عن حجم التغلغل الإسرائيلي، وعن العديد من الإسرار في جورجيا إثر عدوانها على اوسيتيا الجنوبية، خاصةً على الصعيد العسكري والأمني والاقتصادي، ولم تمنع نتائج الحرب والهزيمة الماحقة لجورجيا من استمرار التعاون بينهما، وتصعيده لا يتوقف عند تزويدها بالسلاح الأميركي المتطور عبر إسرائيل تفادياً للإحراج المباشر لواشنطن، وتدريب الجيش الجورجي في جميع التخصصات، إلى جانب إعادة التنظيم والتسليح لهياكله وأجهزة مخابراته، وأجهزة إمداده اللوجستي، وهذا كله هو ما تكشف عنه التقارير الإسرائيلية ذاتها.
ففي تقرير نشرته صحيفة « يديعوت احرونوت» الإسرائيلية بتاريخ (21/11/ 2008)، تناول حجم التعاون المشترك والعلاقات الوثيقة بين جورجيا وإسرائيل، أنه قد وصل إلى نسبة « 300 من بين 400 مستثمر أجنبي في جورجيا هم إسرائيليون، وبنسبة 35 بالمئة من جميع المشاريع»، ويتحدث التقرير عن الدور الإسرائيلي الكبير هناك، باعتباره «نافذة الفرص»، وعن انتشار الشركات الأمنية الإسرائيلية وخدماتها وشركات السلاح العديدة، إلى جانب الوجود المكثف لأجهزة استخباراتها وممثليها الأمنيين الرسميين.
ويحمل الموقف الجورجي من قضية الشعب الفلسطيني ومحرقة غزة جملة من المعطيات في سياق الشراكة الإستراتيجية مع إسرائيل، منها ارتباط الدور ببرامج الإخلال بتوازنات الأوضاع الإقليمية في مناطق القوقاز الشمالي والجنوبي والبحر الأسود، ربطاً بمنطقة شرق المتوسط، وعليه دأبت إسرائيل على تمهيد المسرح الجورجي من موقعه على البوابة القوقازية، ولأعمال معادية ومخططات وسيناريوهات تتعدد عناوينها وتتوحد مضامينها.
ساكاشفيلي صلة الوصل كليّ الحضور، معتدياً محتلاً في العراق، وقحاً إلى صف مجرمي محرقة غزة، متضامناً مع العدوان الصهيوني الفاشل على لبنان صيف 2006، وسيتطوع لذات المهمة في أماكن أخرى، الوضع الذي يملي على العرب تأمين مصالحهم وأهدافهم وغاياتهم الموحدة، عبر إستراتيجية الرد المناسب، فوحدها القدرات الذاتية هي الأساس لأمنهم.

كاتب فلسطيني