الرئيسية » بيستون » عبد المحي البصام لم يتغير

عبد المحي البصام لم يتغير

من شاهد جلسة الاربعاء من المحكمة، والتي قامت قناة العراقية بنقل بعض مشاهدها، لابد ان يقف امام حقيقة غائبة عن عيون القوميين العروبيين في العراق، جسدها الاستاذ عبد المحي البصام، احد المشتكين من الكرد الفيلية المتضررين في عهد النظام العروبي السابق.
الرجل لا يجيد من اللغة الكردية ولا كلمة، واوضح في افادته انه لم يسمع ابيه يتحدث الكردية يوما، كون العائلة تعيش منذ مئات السنين في وسط عربي.
وقد افادت احدى الوثائق الامنية التي كشف عنها بعد سقوط النظام السابق، وهي رسالة موجهه الى دائرة الامن في قضاء النعمانية بواسط، ان عائلة البصام قد وفدت الى هذه المدينة قبل ما يربو على القرن من ناحية تابعة لمحافظة بابل.
فحوى الشكوى، وهنا العجب، ان الحكومة العراقية قد اسقطت عن السيد البصام جنسيته العراقية بحجة انه من اصول ايرانية، وصادرت شهادة جنسيته العثمانية، قبل ان تمنحه شهادة اخرى كتجنس، وكأنه مقيم اجنبي.
لماذا؟ سأله القاضي، المعروف بجلادته، وهو نفس القاضي الذي اصدر الحكم باعدام صدام حسين قبل اعوام، فبدت الحيرة على وجه المشتكي، فعلا، لماذا؟
لاحظت حركة عينية تسارعت في التلفت يمينا ثم يسارا، وكانه يبحث عن جواب بين الاوراق ووجوه المجرمين الجالسين في القفص، فلم يجد جوابا اكثر قناعة من
– سيدي القاضي لانني كردي!
وصمت لحظة كأن الجواب لم يكتمل، ولن يكتمل ابدا، فقد بدت على عيني القاضي رؤوف عبد الرحمن الدهشة، بل والسخرية، فلم تفلح كل الاجراءات العنصرية التي اتخذتها الحكومات العراقية منذ نشأة الدولة في 22 اب 1921 الى اليوم في تغيير قومية الرجل الكردي، لا بالاغراءات العشائرية، لا بقوانين التجنس الجائرة والتي تنم عن روح عنصرية قروسطائية تسربت في غفلة من الزمن الى بواكير القرن الواحد والعشرين، لا بالتضييق على اللغة ومنعها من التدريس والصحافة في وسط وجنوب العراق، لا بالصاق تهمة “الاجنبي”، لا بنهب الدور والممتلكات، ولا بالتهديد المستمر بالتهجير من البلد.
فشلت كل تلك الممارسات العنصرية في صهر عبد المحي البصام، وفي تغيير قوميته، لانه لايستطيع استبدالها كما قال رغم محبته لمحيطه العربي، ولصداقاته الجمة، وهو وجه اجتماعي وعشائري معروف في المنطقة.
والممارسات التي جربتها السلطات القومية المتعاقبة في العراق، نادرا ما تحدث في بلدان العالم الاخرى، واجراءات التطهير العرقي، والتهجير الجماعي، ومصادرة القرى والاحياء السكانية الكاملة لو حدثت في اوربا لوقف العالم على اطراف اصابعه، ولفاقت الهولوكوست في صيتها، ولجمعت اصدقاء الانسانية حول قضية تخذش الضمير الانساني. لكنها لم تكن كافية لتهز رجل!

وفشل الممارسات التعسفية والعنصرية في صهر ابناء القومية الكردية هو درس للقوميين العروبيين العنصريين، الذين عبثوا بسلطة هذا البلد في العقود الماضية، والذين ينهشون الكراسي اليوم.
وهو دعوة لنبذ كل هذه الاجراءات اللا مجدية، دعوة لبناء عراق جديد متمدن وخال من الترهيب المنظم المبني على اساس قومي عنصري او طائفي، عراق لابنائه بغض النظر عن الانتماءات الفرعية، عراق يشبه بلدان العالم المتطورة الاخرى.

ووقوف السيد عبد المحي البصام امام العدالة العراقية هو بمثابة دعوة لكل القوى العنصرية لاعادة النظر في حساباتها، ونبذ العنصرية، التي اثبت السيد البصام انها لا تقدم ولا تؤخر، ولم تستطيع ان تغير رجل.