الرئيسية » مقالات » عندما يترنّح اليسار، ثقافة البطش هي الوسيلة

عندما يترنّح اليسار، ثقافة البطش هي الوسيلة

في الثامن عشر من شهر آذار 2009 نشر الكاتب صائب خليل مقالة تحت عنوان “الحوار المتمدن والتقييمات المزورة -2- مقالات المعاهدة” على موقع صحيفة المثقف الالكترونية والتي يبدو انها كانت سلسلة فاتتني متابعتها، الاّ هذه الحلقة وبالصدفة المرة ايضاً.

صائب خليل الذي كان دائم الحضور بمقالاته وكتاباته على موقع الحوار المتمدن والذي كان حسب حدود علمي احد محرري الموقع وواحد من ادارييها، لفت انتباهي انقطاعه المفاجئ عن الكتابة في الموقع منذ فترة طويلة!! لكن سرعان ما اكتشفت بان الرجل قد انسحب من الموقع وبدأ ينشر مقالاته في مواقع اخرى، ولم اكن اعرف سوى الصدفة التي وضعت ما كتب امام شاشة حاسوبي، لاُصدم بالفعل واُصاب بخيبة امل جديدة من احد اعمدة كتاب اليسار، كيف لهم ان يتهجموا بهذا المنطق المغلوط على الموقع وعلى كتاب آخرين يختلفون معه في آرائه وتوجهاته؟
ليس جديداً ان قلت بان كل فكر في العالم مهما ادعى من حيادية او مرونة في التعاطي مع افكار الآخر، يعاني مساحة ً من التطرف تظهر احياناً في فلتات اللسان او زلات القلم، ومهما كان هذا الفكر راقياً او متدنياً، فلابد ان يحوي ضمن تياره مَن هو منفتح او متطرف او حتى معتدل باتجاه الجديد من الافكار والطارئ من المستحدثات .. فهو امر منطقي وطبيعي لدى تلامذة المدارس الفكرية والسياسية المختلفة ما دامت الغاية هي ايصال الانسان والمجتمع الى مرحلة التكامل في ادراته وقيادته للحياة.
ولاشك ان اليسار بفلسفاته المتقاطعة والمتوازية احدى هذه المدارس التي تريد لافكارها ان تطبق على الارض بما يخدم وجود الانسان واموره الحياتية سواء في نظرياتها السياسية ام الاجتماعية ام السياسية.
المشكلة التي اريد عرضها من خلال هذه الاسطر هي الآفة المقيتة التي تسمى التطرف والتشدد، حيث ما ان اصابت فكراً ما، الاّ وحولته الى آلة جارحة تشهر ضد الآخر بمناسبة وغير مناسبة، في الوقت الذي يفترض ان يكون الفكر وسيلة قابلة للتجديد والاضافة او حتى التغيير طالما غايتها الوصول بالانسان والمجتمع على حد ٍ سواء الى اعلى درجات التكامل والتأهيل .. وكما هو مُعيب ان يكون الاسلاميون متطرفين، مُعيب ايضاً ان يكون غيرهم كذلك .. والاّ ما الداعي وراء هجمات مَن يدعي اليسار على الاسلام والليبرالية وكل ماهو للآخر واتهامهم بشتى الاوصاف والتهم المخجلة في حين يتناسى تطرفه ورفضه ضد المخالف لفكره!!
يعترض صائب خليل وهو الذي لايزال اعتبره صديقاً ايميلياً لي (رغم انه وضع خدمة سبام على رسائلي مؤخراً بعد ان كنا نتبادل الرسائل بين الحين والآخر خصوصاً في المناسبات والتهنئات)، على تقييمات الحوار المتمدن ويذهب في خلاصة مقالته المذكور عنوانها اعلاه الى ان الموقع قد انحاز الى المواقف المُضادة للفكر اليساري، بل وانجر الى ان يكون صوت المؤيدين (للاحتلال)، وقد ذكر امثلة ً من بينها، ان كل مَن كتب ضد الاتفاقية الامنية لم ينل سوى تصويتات ضعيفة وتقييمات متواضعة، لعبت هيئة ادارة الحوار المتمدن في نتائجها وزيفت نسبها .. بينما كانت تصويتات وتقييمات مَن كتبوا مؤيدين للاتفاقية الامنية عالية لا تتناسب وحجم الرافضين لها انطلاقاً من تصوّره بان جميع العراقيين يرفضون الاتفاقية ومحتوياتها كما سياتي لاحقاً.
استعرض خليل تقريباً كل الكتاب ذوي الافكار المختلفة عن افكاره، بل وحتى كتاب يساريين كانوا بحق واقعيين في التعاطي مع الاتفاقية العراقية – الامريكية وقضايا البلد الراهنة وهاجمهم بعقلية متعالية متكبرة، معترضاً كيف لمقالات هؤلاء ان تحز على هذه النسبة العالية من التأييد والتصويت فيما حازت مقالات الرافضين امثاله وامثال متشددين يساريين لا يتعاطون مع الواقع الاّ من خلال الورق على نسبة ضئيلة فقط من هذه التصويتات، بعد ان قطع ان جميع العراقيين رافضون لهكذا اتفاق.
اليكم ما قاله الرجل عني وبالحرف الواحد في مقالته (الحوار المتمدن والتقييمات المزورة 2 مقالات المعاهدة):
} وبتعال وتهجم بلا مناسبة على معارضي رأيه في المعاهدة، وكل العراقيين، كتب سليم سوزة (الاتفاقية الامنية وتردّد الكتل السياسية ) يقول “انها مسألة وقت فحسب لتتروض العقلية الهمجية وتدخل قفص التعقل والمعرفة، سيما والعراقي معروف بازدواجيته وتعاطفه مع الاحداث باللحظة، كما يقول شيخ الاجتماع علي الوردي.” ويحصل سليم سوزة على 72 من قرائه لمشاركته في سياسة التحقير الموجهة اليهم! {. انتهى
ارجو ملاحظة (كل العراقيين) التي وردت في النص اعلاه وكيف صادر خليل موقف شريحة واسعة من المجتمع العراقي ايدت الاتفاقية وصفقت للمفاوض العراقي على ماكسبه لبلده وشعبه بعد ان كنا على شفى حفرة انقذنا الله والشعب منها .. يعترض الرجل كيف تحصل هذه المقالة على 72% من التصويتات. (همزين مو 72% من واردات النفط العراقية).
وفي مقطع آخر من مقالته يقول الاستاذ صائب ما نصه:
} سليم سوزه يوضح في مقالة أخرى، (مَن هم الرافضون للاتفاقية الامنية) ، قائلاً ” مَن يرفضها اليوم هو مَن له الذراع الاطول في العبث بأمن العراق واستقراره خصوصاً الجارتان ايران (الاسلام) وسوريا (العرب)” وأيضاً ” لا استعرض موقف الكتل الرافضة لاصل الاتفاق مع امريكا فتبريراتها وحججها واضحة لاي (زعطوط) لا يفهم في السياسة، فهي لم ولن تخرج من اطار الرفض من اجل الرفض والمعارضة من اجل المعارضة، والاّ ماذا يُفسّر موقفها الحالي ضد ارقى واجلى جدولة انسحاب ممكن ان تتضمنها اي اتفاقية”.
والحقيقة أن أي “زعطوط” يستطيع تفنيد هذا الكلام الفارغ، وأي (زعطوط) يستطيع أن يرى أن المعاهدة بنيت على طبقات متتالية من الكذب والسرية والإتفاقات المظلمة، وأي (زعطوط) يستطيع أن يرى أن الشريك في المعاهدة أخطر شريك في التاريخ، وأي (زعطوط) يستطيع أن يرى أيضاً أنه ليس هناك أية مصلحة ممكنة للأمريكان إن هم أبقوا قواتهم لسنتين وخرجوا بعد دفع تكلفة إبقاء هذا الجيش الهائل خارج بلادهم، فمصلحتهم الوحيدة يمكن أن تأتي من التآمر السري ومن إقلاق العراق أكثر لنهب ثرواته..أي (زعطوط) يستطيع أن يرى أيضاً أنه في حالة الخلاف على التنفيذ مع هذا الشريك الجبار فلن يكون لك إلا رحمة الله، ويرى أن الفصل السابع لم يكن إلا خدعة شارك في صنعها جميع محتالي المعاهدة. هناك الكثير مما يستطيع أي (زعطوط) رؤيته، وعجز جميع مؤيدي المعاهدة عن أن يرتقوا إلى مستوى ذلك “الزعطوط”، فهل تستحق مقالة سليم سوزة هذه 80 %؟ { انتهى الاقتباس
ليس ذنبي يا اخي ان يصوت لي 80% من القراء، لكن الذنب هو ذنب مَن حبس نفسه اسيراً لافكار القرون الوسطى وظل حبيس فكر لم يعالج ابسط مقتضيات الحياة المطلوبة .. الذنب ذنب مَن لا يقبل التجديد ويطرح المثالي ويبقى عبداً لنظريات وُجدت في مرحلة ٍ ما، لتُعالج مجتمعاً ما، في ظل فراغ ٍ ما، لم تستوعب جميع الطروحات الاخرى ولم تختلط بفكر الآخر، وأبى عليه الكبر الاّ ان يغالي تطرفاً وتشدداً لكل من صحّح المسار وآمن بان الانسان آلية ديناميكية تنتج المتجدد مع مالديها من متأصل كي تواكب الحياة وتسابق الآخر.
سيدي العزيز
مذ عرفت الكتابة والقراءة علمت بان الثقافة والحضارة والفكر هي آليات متحركة غير ساكنة تنطلق من سبات عصرها نحو عصر ٍ يتجلى فيها المستقبل رافضاً سكون وسبات عصره الاول، اي بمعنى لا شيء ما خلا الله مطلق في هذا الوجود وكل شيء نسبي. وان كان اليساريون اول مَن آمن بان النص القرآني نصاً تراثياً تاريخياً غير ميتافيزيقي، اوجده مجتمع البداوة مما يُمكن لهم نقده وتجريحه .. فلابد لهم ان يؤمنوا بان مادون هذا النص، يسارياً كان ام يمينياً، شيوعياً ام ليبرالياً، قابل هو الآخر للنقد والتعديل والتجريح والالغاء حسبما تقتضيه السيبرينتيكا الضرورة والحاجة الماسة لمواكبة التطور الذي تتحسسه الفطرة و يطمئن له الذوق الانساني.
وليس ماهو اعظم مما قاله البنيويون في هذا الصدد، بل ما استنتجوه من موت للانسان داخل بنى افكاره المؤرشفة، وكيف لها ان تنتج كائناً ميتاً لا يسعى الى التمرّد او التجديد في ما آمن به مسبقاً .. فالانسان ومنهم العزيز صائب خليل سيبقى حبيساً لنصّه مهما كان هذا النص بعيداً عن الواقع.
لهذا تراه دوماً ضد كل ما يأتي من الآخر، حتى لو كان الامر في مصلحة بلده او شعبه، طالما لم تكن افكار ذلك الآخر من نفس مدرسته الايديولوجية .. اذن هو حُكم النص المُسبق وليس حُكم العقل والمنطق المستقيم مع الواقع المُعاش.
جميل ان يعتز الانسان بعقيدته وايديولوجيته ويدافع عنها .. لكن لا ينبغي عليه ان يتهم كل مَن يختلف عنها بأنه مؤيد (للاحتلال) ولا يريد مصلحة بلده وبمنطق جبري 1 + 1 = 2 ، وان كنا قد ايدنا الاتفاقية وقتها، ذلك لا يعني اننا لا نحب بلدنا خصوصاً واننا لم نكن نملك اي خيار منطقي آخر .. كما لم ينبطح (الحوار المتمدن) امام مشاريع المحتل بمجرد نشره رأي الآخر بكل امانة وموضوعية.
ليس بالضرورة ان احب الاحتلال او يحبه الدكتور عبدالخالق حسين، عزيز عبد الحسين الرضي، الدكتور مؤيد عبد الستار، سهيل احمد بهجت، سعيد علم الدين، مهند الحسيني، حمزة الجواهري، عادل حبه، علاء الهويجل، باسم صاحب محسن، احسان جواد كاظم، وآخرون كثيرون شملتهم قائمة خليل السوداء، لتضعهم في خانة مؤيدي الاحتلال، ولو بصورة غير مباشرة احياناً، لا لشيء الاّ لانهم نشروا ما يُخالف رأيه (المعصوم).
لماذا البطش بالآخرين وقد قال الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز (لو شاء الله لجعلكم امة ً واحدة ً).
اذا كانت مشيئة الخالق الجبار نفسه قد قبلت بالاختلاف والرأي الآخر، فلماذا ينكرها اذن صائب خليل على الآخرين ويريد طمسها في بوتقة واحدة، لا يمكن لها ان تستوعب الجميع عقلا ً وواقعاً.
كيف لشخص يدّعي بانه قارئ جيد للفيلسوف الالماني نيتشا يعترض على الاختلاف بهذا المنطق!!
واين هي ثقافته النيتشوية التي غرسها نيتشا بموت الاله انتصاراً للافكار المُخالفة والمُضادة!!
ما هكذا تورد الابل يا اخي صائب. 

sminiraq@yahoo.com