الرئيسية » مقالات » الموصل بين ترسيخ الآليات الديموقراطية واستغلال مثالبها؟

الموصل بين ترسيخ الآليات الديموقراطية واستغلال مثالبها؟

في الموصل مشكلات تقليدية قديمة مذ مرحلة تأسيس الدولة العراقية، مرورا بتأثيرات قوى القومجية التي جرّتها باتجاه تعقيدات عنفية بُعيد ثورة تموز 58 وامتدادا نحو تلك العقد التي خلَّفها نظام الطاغية بتدخلاته الديموغرافية على أرض الحدباء تنفيذا لمآرب في نفسه، فضلا عن أذرع التجاذبات الإقليمية المعروفة التي ما زالت تتبدى بين الفينة والأخرى بطرائق ملتوية متخفية…
كل هذا يجري بمعزل عن أبناء الموصل ومكونات مجتمعها تاريخيا وحاضرا. فالجهات التي تقدِّم مصالحها ومطامعها لا يعنيها لا استقرار المحافظة ولا مصالح أبنائها، بقدر ما تبتغي نيل مآرب مرضية باتت معروفة لكل مواطن يعي الخفايا المحركة بل المُشعِلة للأزمات…
لقد جرت انتخابات مجالس المحافظات في أنحاء الموصل الكبرى في ظروف وتداعيات ليست منزوعة الضغوط وحالات الابتزاز التي دفعت بنسبة مهمة من بناتها وأبنائها للعزوف عن التصويت بخاصة في الأقسام العربية منها وهو ما ينبغي التفكير به مليا استجابة لحق هؤلاء في إعلانهم وإن كان سلبيا من مسيرة الأمور في المحافظة…
كما يلزم التنبّه إلى حجم مشاركة الآخر الذي أتى بنسبة تقترب من الثلث من مقاعد المجلس لصالح قائمة قدَّمت برامجها لا تمثيلا لمجموعة قومية بل لـ (تآخي) بين مجموعات قومية على أساس من التعددية والإخاء بينها وعلى أساس من روح وطني يعرض معالجاته على وفق وحدة أبناء المحافظة وتفاعلهم إيجابيا…
بخلاف برامج عزفت على أوتار الانقسام والتشظي من جهة وعلى أوتار إثارة نعرات الاختلاف وفرض رؤية جهة بعينها الأمر الذي يستعيد أحابيل الجهات التي طالما أوقعت الموصل في مطبات أزمات خطيرة في ماضيها المعاصر والحديث… ومن المفيد أن نشدّد هنا على أن الطبيعة الوطنية العراقية طبيعة تعددية سجلها الدستور والموصل واحدة من أبرز الأمثلة على هذه التعددية التي مثلتها قائمة التآخي والوجود الحقيقي لمشهد التآخي المعبر عن التعددية…
ومع الأخذ بنتائج الانتخابات (مشروطا باحترام التعددية وتطمين تطبيع العلائق) تبقى قضية التعاطي مع تسيير إعادة البناء في المحافظة وعلى المستوى الوطني العراقي بحاجة لتوظيف حال تعاضد الجهود وتكوين مؤسسات العمل بطريقة تشرِك المكونات الأساس بل لا تغفل أيّ مكون حيث يلزم في هذه المرحلة الانتهاء من لغة التهميش والإقصاء؛ والتخلص من خطاب التعالي على مجموعة أو أخرى من منظور استغلال (موقع الأغلبية) التي جاءت بها آلية ديموقراطية غير مكتملة؛ لتتحول إلى (استبداد) هذي الأغلبية بخلاف جوهر الديموقراطية وفلسفة مقاصدها بكونها لا تقف عند حدود تمكين الأغلبية من السلطة بل تحافظ على حقوق القوى الأخرى وتحميها من الانتهاك ومن فلسفة استبداد الأغلبية وقمعها أحيانا…
والحال بسلوك جهة قيادة (الحدباء) وحديثها عن التفرد بمسؤوليات لإدارة المحافظة في ضوء (استغلال) موقع الأغلبية – وتحديدا في هذه المرحلة من عمليات تطبيع الأوضاع والتأسيس للانتقال إلى أوضاع ديموقراطية مستقرة تعتمد استكمال البنى التحتية وتحديث الأطر وتطبيعها في البنى الفوقية – في مثل هذه الحال يجري لا التفرّد على وفق منطق آليات العمل الديموقراطي ولا الاستبداد على وفق منطق شوفيني مطبوع بفلسفة الدكتاتورية وآلياتها بل في مثل هذه الحال يؤكدون عملية اعتداء سافرة على جوهر الدستور ومستهدفاته في حماية العراقيين جميعا بلا استثناء وفي تعريض أقسام منه لأسباب مختلفة للتمييز والتهميش والإقصاء بما يعتدي على الديموقراطية نفسها التي أتت بهذه القائمة!
إنَّ اللغة المناسبة لخطاب اليوم ينبغي ألا تخرج عن الأداء الوطني القائم على إشراك جميع العراقيين بلا استثناء في عمليات تطبيع الأوضاع فنحن في مرحلة مبكرة من الحديث عن نضج الأوضاع لاستقبال العمل الديموقراطي بكل آلياته وهذا يعني أننا ما زلنا في لحظة إعداد وتهيئة وتطبيع تتطلب مشاركة الجميع على أساس من المساواة والتعاضد والتعاون بالضبط كما ورد في جوهر مواد الدستور والقوانين التي تعكس مشهد التعددية وتعتمدها تطمينا للمساواة والتآخي…
وبخلافه سنزيد الأمور تعقيدا ونؤخر تطبيع الأوضاع كما أننا نتعرض للوحدة الوطنية في تجاريب محلية كتجربة الموصل ونصب الزيت في نيران أزمنة نريد محو آثارها من حاضرنا ومن مستقبل أبنائنا في الغد المشرق بتكاتف جهودنا جميعا..
وفي الإطار فإن زمن الخطابات الديماغوجية التي ترى في المستبد هو الصائب (أو على أقل تقدير تمرر رأيه قسرا) متهمة الآخر بالخيانة أو تنظر إليه بعين الريبة والشك بنيـّاته ومقاصده البعيدة، قد ولى هذا شعبيا إلى غير رجعة وعلى القوى المنتخبة أن تزيل من مفردات معاجمها اجترار المصطلحات الإقصائية حتى وهي تستغل آلية ديموقراطية بجوهر مختلف مع المؤمل المرتجى من وراء تلك الآلية…
كما أن محاولة صبغ قائمة التآخي في الموصل بأنها قائمة لجهة قومية واحدة ومن ثمَّ التذرع بكونها أقلية مقابل أغلبية مناسبة لتشكيل إدارة المحافظة هي مجرد تسويق لرؤى شخصيات متشددة إلى الدرجة التي تؤثر سلبا على مطامح بنات الموصل وأبنائها معيدين التذكير هنا بحجم القائمة من جهة وبحجم الذين حجبوا أصواتهم عن قصد أو مضطرين ما يعني لزوم احترام أكثر من نصف أصوات ناخبي المحافظة في تشكيل الإدارة المشتركة…
ومبدئيا أقترح مراجعة القضية والعمل على تنسيق التشكيل وإدخال عناصر مستقلة من التكنوقراط الذين لا ينتمون إلى المجموعتين الفائزتين في الانتخابات بل إلى تلك الأصوات التي اضطرتها الظروف أن تكون خارج المعادلة..
كما ينبغي إجرائيا لجوء أبناء الموصل للمحكمة الدستورية كيما تـُضبط الأمور في حال استمرار الاستبداد بالرأي وعدم العودة إلى مصلحة شعب المحافظة وإلى مصلحة الشعب العراقي في استقرار تجاريب مجالس المحافظات وإداراتها بطريقة دستورية ملائمة…
كما ينبغي لشعب المحافظة التعبير عن صوته وإرادته بعقد الندوات والمؤتمرات البحثية التي يخرج بها بضغط مناسب ديموقراطيا باتجاه أفضل الحلول التي يراها ملائمة مستجيبة لتطلعات تطبيع الأوضاع في المحافظة…
وفي جميع الأحوال لا يمكن القبول بتنفيذ رؤية زعيم محلي أو شخصية مهما كان موقعها ومكانها.. فحيوات شعب لا يحكمها شخص فرد بل آليات ونظم وقوانين وطبعا اعتماد وتبني جوهر هذي الفلسفة المصاغة بإرادة التصويت الشعبي على الدستور وعلى قوانينه وأدواته للانتقال من زمن العبث بمصير الشعب وبمكوناته ومن زمن وضع هذي المكونات في تعارض واصطراع…
وأجدني بشأن أوضاع الموصل وممارسات بعض الشخصيات أضع الآتي حلا مقترحا متظرا الحوار الموضوعي لإنضاج أفضل الحلول بالخصوص:
1. فأولا ينبغي اعتماد توزيع عادل للمسؤوليات يدخل في إطاره عدد من المستقلين من خارج القوائم، تحجيما لاحتمالات الاستبداد من جهة والإقصاء والتهميش من جهة أخرى..
2. وضع برامج العمل في ضوء قواسم مشتركة لبرامج القوائم الفائزة في الانتخابات تطمينا لمصالح الجميع من دون استثناء ومصادرة…
3. ربط العمل في المحافظة في ضوء معالجات دستورية على مستوى الوطن وبعيدا عن فصم القرارات المتخذة عن الوطني وتحديدها بسمة محلية تمرر فرضا وقسريا رأي جهة أو فرد على مجموع إرادات الفئات الشعبية العريضة وممثليها… أي بمعنى جوهري يكمن في بقاء المرجعية الوطنية ذات تأثير فاعل في حل معضلات أو اختلافات يريد فيها طرف الانفراد بفرض إرادته وتصوره حلا لها طبعا على حساب الآخرين من العراقيين ومن أبناء المحافظة..
ينبغي هنا التذكير بأنَّ صعود جهات أو شخصيات تتعارض ومبادئ الدستور ومصالح الوطن لا يعني تمكينها من فرض وجودها وبرامجها كرها وقسرا ولا يسمح دستوريا بالاعتداء على أي مكون عراقي مثلما لا يمكن الركون للصمت في حال التلاعب للمرور عبر ثغرات قانونية ومن ثمّ تعريض الوضع لتراجعات غير محمودة العواقب..
ومن هنا سيكون على القوى الوطنية وعلى الزعامات أن تكون على درجة جدية من المسؤولية تجاه هذه المواقف المتشنجة ومن الحذر من تمرير هذه الألاعيب ومن الوقوع في أحابيل أخطاء تعرض مسيرة التقدم لتعقيدات غير منظورة ولكنها ستكون إعدادا لهزات خطيرة لسنا في وضع مستعد للقبول بتعريض أبناء شعبنا ومسيرة الوطن لعواقبها…

الدكتور تيسير عبدالجبار الآلوسي
أكاديمي ناشط في حقوق الإنسان

1742009

tayseer54@hotmail.com