الرئيسية » شؤون كوردستانية » ” أبو مازن ” في كردستان

” أبو مازن ” في كردستان

قبل أيام حطت طائرة الرئيس الفلسطيني محمود عباس في مطار أربيل الدولي مترجلا منها ليعانق رئيس اقليم كردستان العراق مسعود بارزاني على أنغام النشيدين الكردي والفلسطيني الذي استقبله وصحبه على رأس وفد يمثل القيادة الكردستانية السياسية والحكومية والبرلمانية وقد كانت زيارته التي دامت يوما واحدا حافلة بالنشاطات فالى جانب المحادثات الرسمية بين وفدي السلطة الوطنية الفلسطينية في رام الله وادارةسلطة الاقليم الفدرالي في أربيل قام الوفد الزائر بجولة استطلاعية للتعرف على معالم العاصمة أربيل وزيارة بعض المؤسسات واللقاء بالمواطنين ثم توجت الزيارة بحفل استقبال مقتصر على عدد من الشخصيات أقامه نيجيرفان بارزاني رئيس حكومة الاقليم في منزله دام لساعات عديدة تخللته محادثات ودية صريحة وحوارات كردية فلسطينية تتعلق بماضي وحاضر ومستقبل العلاقات بين الشعبين الصديقين .
– * –
بداية التعارف أو بكلمة أدق التفاعل الانساني الكردي الفلسطيني تتجاوز ثمانية قرون عندما التأم شمل المحاربين الكرد من هكاري ورواندوز وأربيل وآمد والجزيرة ووان والموصل تحت راية صلاح الدين الأيوبي لمواجهة الحملات – الصليبية – العدوانية على المنطقة بدأ من أورفة وحران وملاذكرد والاسكندرون وانتهاء ببيت المقدس بفلسطين وقد أبلى المدافعون من كرد وترك وعرب ومماليك بلاء حسنا في ملاذكرد وعكا وتوجوا النصر في معركة حطين على مشارف بحيرة طبريا بقيادة مباشرة من صلاح الدين ومن حوله قادته الميدانييون من أبنائه واخوته ومن الأمراء الهكاريين والشيروانيين حيث واصلوا الزحف نحو القدس ودخلوها فاتحين وتجد هناك الآن في مختلف المناطق والبلدات الفلسطينية آثار وشواهد حية تدل على المرحلة الأيوبية بل وأكثر من ذلك هناك عائلات وأفخاذ وجماعات تستمر في حمل اللقب الأيوبي ولاتتنكر لأصولها الكردية في مدن الخليل والقدس وغزة ونابلس ومن بينهم ساسة ومثقفون ومسؤولون في السلطة ومناضلون في الحركة الوطنية الفلسطينية وقسم آخر من الجالية الكردية استقرت في فلسطين والأردن خلال العهد العثماني وخصوصا من عائلات القادة العسكريين والموظفين الاداريين .
– * –
الكثير من أوجه الشبه يجمع الشعبين فقد استثنيا من حق تقرير المصير عندما تنعمت به الغالبية الساحقة من الشعوب والقوميات التي كانت رازحة تحت نير الامبراطورية العثمانية في الشرق الأوسط والبلقان وحرما من الفرص التي مهدت لقيام كيانات ودول بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية وتضررا بتقسيم وطنيهما كنتيجة لموازين القوى الدولية ولعبة المصالح وتمتع أعداء الشعبين بحظوة لدى القوى العظمى والغرب عموما وأصبحا ضحية المعادلات الاستراتيجية والصراع على النفوذ خلال حقبة الحرب الباردة بين الشرق والغرب حيث وضعت قضية تحررهما في – ثلاجة – مساومات القوى الدولية وهما الشعبان المناضلان اللذان يتم اعادة وتكرار ترحيل قضيتيهما من سنوات القرن التاسع عشر الى بدايات القرن الحادي والعشرين الذي نحن فيه .
– * –
كنت المشارك في بناء أولى العلاقات السياسية بين الحركتين التحرريتين الكردية والفلسطينية في العصر الحديث خلال سنوات ستينات القرن الماضي والتي قامت أولا مع حركة التحرير الوطني الفلسطيني – فتح – بعد عام من اعلان قيامها ومع اليسار الفلسطيني لدى انبثاق الجبهتين الشعبية ومن ثم الديموقراطية وكانت للتاريخ علاقات فريدة من نوعها تميزت بالحميمية والاعتراف بحقوق الآخر والاحترام المتبادل فقبل لقائنا بهم واتخاذنا الاستعدادات والتفكير في كيفية طرح قضيتنا للمرة الأولى على أسماعهم وكسب ودهم كنا نتفاجأ – وهذا حصل مع الوطنيين اللبنانيين أيضا – بأن محاورونا الفلسطينييون على اطلاع ودراية بقضيتنا ومتفهمون لحقوقنا وبالتالي يتلخص اللقاء بموقف سريع واضح ودود مؤيد منفتح من دون الحاجة الى دخولنا بالتفاصيل وكانت ميزة الموقف الآخر أنه ينبع من تصور ايجابي مسبق قبل حصول اللقاء وبعد عقدين من وضع اللبنة الأولى من جانبنا في العلاقات الكردية الفلسطينية توسعت في الطرفين لتشمل منظمات وفصائل وأحزاب ان كانت من ضمن منظمة التحرير الفلسطينية أو من أجزاء كردستان الأخرى في العراق وتركيا وايران وكنا نساهم في تعزيزها وتوسيعها ونتابعها بقرار سياسي وحسب تصور مدروس كجزء من علاقات الصداقة والتعاون بين حركتي الشعبين الكردي والعربي خاصة أن القضية الفلسطينية كانت ومازالت المسألة المركزية في القضايا العربية .
– * –
لم يكن الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات صديقا للكرد فحسب بل كان قريبا من قضيتهم ومتواصلا مع قادتهم في مختلف المراحل ولم يدخر وسعا في دعم نضالهم بسبل متعددة فالرئيس مسعود بارزاني يذكر في كتابه ويردد في مناسبات عديدة أنه تلقى الدعم والمساندة من الرئيس الفلسطيني عندما جرى محاولة اغتياله من جانب الأجهزة العراقية في – النمسا – وأوساط الاتحاد الوطني الكردستاني تشير الى دعمه خلال ثورة كولان والشيوعييون العراقييون من عرب وكرد يشهدون بدعمه المتعدد الأوجه عندما تركوا العراق وتوزعوا في لبنان والبلدان العربية كما أنه تضامن مع كرد العراق خلال الهجرة المليونية ببيان معلن وقدم الهلال الأحمر الفلسطيني مساعدات انسانية بهذا الخصوص وقد تجاوب الراحل مرتين مع طلب الحركة الكردية في العراق المتمثلة آنذاك في الجبهة الكردستانية للتوسط بين الكرد والحكومة العراقية كما استقبل الشيخ عزالدين الحسيني وقادة حزبي ديموقراطي كردستان ايران لمرات عديدة ووقف الى جانب كرد ايران وقدم دعما سياسيا وفنيا لعدد من منظمات الحركة التحررية الكردية في كردستان تركيا وقبل وفاته أشرف على اقامة جمعية الصداقة الفلسطينية – الكردية في رام الله كأول جمعية صداقة بين الكرد والعرب وكان خلال لقاءاته الكردية لايخفي اعجابه الشديد بالزعيم الراحل مصطفى البارزاني مرددا أن هناك من ظلموه وغدروا به .
– * –
خلف الراحل عرفات الرئيس محمود عباس – أبو مازن – كان في اطار العلاقات الفلسطينية الكردية ومتابعا لها الى جانب القيادات التاريخية في فتح مثل الراحلين أبو أياد وأبو جهاد ومنظمات اليسار وسار أبو مازن على درب سلفه في سياسته الكردية مواصلا العلاقات والتنسيق والتشاور مع أطراف الحركة التحررية الكردية في العراق وخارجه وقد حاول مرارا زيارة كردستان العراق وتم له ذلك وكانت زيارة تاريخية بكل المقاييس سترسخ نهجا متوازنا في العلاقات العربية الكردية ومن دلالاتها التاريخية كون أربيل ورام الله يشكلان آخر عناقيد حركات التحرر وتجربتان جديدتان قيد التشكل والانجاز في مطلع القرن الجديد تواجهان تحديات متماثلة في انتزاع حق تقرير المصير وتحقيق السلم والاستقرار ومواجهة العنصرية ومخاطر الارهاب والاسلام السياسي وزيارته كانت الأولى لرئيس عربي مفندة ادعاءات بعض الشوفينيين الحاقدين على الكرد الزاعمين بتحول كردستان الى ساحة لأعداء العرب خاصة وقد أعلنت في هذه الزيارة عن قرب افتتاح القنصلية الفلسطينية في اربيل كأول قنصلية عربية وهنا أحسن الرئيس مسعود بارزاني صنعا عند مخاطبة مضيفه : نحن مع فلسطين وحركة فتح .
– * –
الرئيس أبو مازن رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية لم يطلب من القيادة الكردستانية سابقا وفي زيارته الأخيرة توطين فلسطينيي العراق في كردستان بل شكرها على موقفها الداعم والمتعاطف في معاناة الفلسطينيين في بغداد وعلى الحدود العراقية مع سوريا والأردن وبادر رئيس اقليم كردستان في بادرة انسانية صادقة بابلاغ الرئيس الفلسطيني عن استعداد حكومة الاقليم لاستقبال الكفاءات العلمية من فلسطينيي العراق للعمل في المؤسسات الكردستانية عبر قنوات السلطة الوطنية وتزكية الرئاسة اسوة بعرب العراق وغيرهم .
من الواضح هناك ارادة كردية فلسطينية مشتركة لتمتين وتطوير العلاقات والتواصل وهناك أيضا مجالات عديدة في هذا السياق : دبلوماسية واقتصادية وثقافية وعلمية وسياسية قد تؤسس فاتحة لعلاقات كردية عربية أشمل على قاعدة الصداقة والشراكة والمصالح المشتركة .