الرئيسية » مقالات » العراق: ديمقراطية (كُلْ مَنْ إيدو إلو)!

العراق: ديمقراطية (كُلْ مَنْ إيدو إلو)!

هناك ما يثير العجب والدهشة والاستغراب في عملية القاء القبض على قتلة المعارض العراقي السابق المرحوم الشيخ طالب السهيل على يد المخابرات العراقية ودور السفارة العراقية ووزارة الخارجية بشخص وزيرها آنذاك محمد سعيد الصحاف وذلك في بيروت نيسان 1994 والتي سمعناها على فضائية الفيحاء وعلى لسان ابنته النائبة في مجلس النواب العراقي الحالي السيدة صفية السهيل. وهو ما يدفعنا الى التساؤل الملح والمهم:
ما هو دور ومهمة السلطات العراقية المسؤولة عن مثل هكذا قضية؟
واين دورها في تنفيذ أمر قضائي قانوني يصدر بالقاء القبض على متهم بالقتل العمد مع سبق الاصرار والترصد؟

القضاء يصدر مذكرة القاء قبض وفق آليات قانونية شرعية. والسيدة ابنته تعمل جاهدة في تطبيقه رسمياً دون جدوى . هناك تلكؤ. فالقضية تدخل في دهاليز واشكالية عملية سياسية كسيحة، لا ناقة لها ولا جمل في أي شيء يجري لا في الفقر ولا في الجهل ولا في المرض ولا في القانون وتطبيقه ولا في الكهرباء ولا في الماء ولا في التخلف ولا في القتل اليومي، إلا في البحث عن مكاسب ومناصب و(اشكَدْ إلكْ واشكَدْ إليْ) ومحاصصة بغيضة التوجه والتأثير، وعشائرية تنتفخ حتى وصل الأمر الى حماية القتلة والمجرمين على اساسها والتستر عليهم وحمايتهم.

وقد سمعنا السيدة صفية السهيل تروي كيف أن بعض الاطراف وبعض الاجهزة كانت تهرّب الجاني وتخفيه وتخبره عن عملية البحث والمطاردة التي كانت تجري من قِبل السهيل نفسها ومن خلال أفراد حمايتها الشخصية حتى تسنى لهم أخيراً القاء القبض عليه في الناصرية وتسليمه الى القضاء. وهو ما يذكّرنا بأفلام جيمس بوند الشهيرة.

بمعنىٍ آخر يبدو إن السيدة النائبة صفية السهيل آمنت بنظرية (حارة كُلْ مَنْ إيدو إلو) وهي المسؤولة المشاركة في العملية السياسية تحت ظل السلطة التشريعية، فشمّرت عن ساعديها القويتين الطويلتين والارادة الصلبة التي تمتلكها مثلما نرى في مواقفها المشرّفة ازاء القضايا العراقية المختلفة، مستندة بالتأكيد الى قوة عشائرية، فقد كان المرحوم أبوها شيخَ عشيرةٍ وسياسياً قويَ التأثير طويلَ الباع كان يثير القلق والخوف لدى النظام السابق بتحركاته المعارضة لذا اغتالوه، اضافة الى امتلاكها امكانية استخبارية أمنية عالية مقتدرة برزت من خلال العثور على مكان القاتل وتتبع خطواته وتحركاته وأماكن وجوده وما كان يقوم به من نشاط والجهات الداعمة له في بعض القوى السياسية ودوائر الدولة الرسمية.

صفية السهيل تمكنت من القاء القبض على قاتل أبيها.
كيف ومنْ سيتمكن من القاء القبض على قتلة الآلاف المؤلفة من ضحايا الاغتيال في الشوارع والمدن والبلدان والدفن أحياءَ والتذويب بالتيزاب والتجارب الكيميائية، وأهاليهم من بسطاء الناس والفقراء الذين لا يمتلكون سلطةً ولا جاهاً ولا كرسياً ولا قوةً سياسية داعمة تقف وراءهم ولا أصحاب مصالح تدعمهم؟!

هذه قصة من قصص ديمقراطية (كُلْ مَنْ إيدو إلو). ولا حاجة أنْ نضربَ مثال محمد الدايني وكيفية هروبه وسط بغداد (عيني عينك) وهو المطلوب للعدالة بشكل علني، بحيث صدّعوا رؤوسنا بقصته، ثم كيف نزل من الطائرة أمام عيونهم ليختفي بعدها، وقد اشاروا باصابع الاتهام الى الداعم والمساعد في عملية الهروب، فماذا اتخذوا من اجراءات قانونية معه؟!
وكذلك من الامثلة الحية العلنية هروب ايهم السامرائي ومشعان الجبوري وعبد الناصر الجنابي وحازم الشعلان وحارث الضاري المطلوب للعدالة والذي يصول ويجول في البلدان والفضائيات… وغيرهم ممن لا نعرف عنهم، وكذا ابناء بعض نواب البرلمان ممن قاموا بعمليات ارهابية في القتل والتهجير الطائفي على الهوية. وكبار الرؤوس المطلوبة للعدالة من سنوات ما بعد الاحتلال.
وبعد كل هذه وغيرها من الكثير مما لا نتذكره ولا نعلمه ألسنا في ديمقراطية حارة (كُلْ مَنْ إيدو إلو)؟!