الرئيسية » مقالات » النخبة , السلطة , المجتمع , و النهضة و الحرية

النخبة , السلطة , المجتمع , و النهضة و الحرية

منذ بداية ما يسمى عصر النهضة و النخبة مستنفرة تحاول أن تكتشف أو تخلق الطريق الذي يؤدي إلى هذه النهضة , لكن الغريب أنه كلما بدا لهذه النخبة أنها أقرب ما يكون من هذا الطريق اكتشفنا فجأة أننا ما زلنا بعيدين جدا حتى عن معرفة اتجاه هذا الطريق نحو النهضة و قد تطور نتيجة ذلك اتجاه آخر في الإنتاج الفكري للنخبة , اتجاه إجباري هذه المرة , يتمثل في سعي النخبة الدائم لتبرير هذا العجز و نسبته إلى هذا السبب أو ذلك , في نفس الوقت تعتبر النخبة أن كل محاولات النهضة هذه كانت نتيجة لفعلها هي , أو على الأقل مشاركتها الضرورية , و بالتالي فإذا ما تمكنا ذات يوم من اكتشاف ذلك الطريق المؤدي إلى النهضة فهي ستكون نتيجة لهذا الفعل النخبوي , سيفيدنا هنا أن نعود إلى التاريخ لنرى كيف كان دور النخبة في الإنتاج الحضاري في الفترة التي تعتبر العصر الذهبي للحضارة العربية الإسلامية في القرون الوسطى , لم يكن دور النخبة رئيسيا في الأحداث التي أدت إلى الانقلاب الأموي و تشكيل الدولة الأوتوقراطية , بدا كل شيء و كأنه كرة ثلج تستمر بالتدحرج من غزوة إلى أخرى و من فتح إلى آخر دون أن يستطيع أي كان أن يدعي أنه صاحب الفضل في كل ما جرى , إن حالة الصعود هذه هي مثال كلاسيكي على التفسير الخلدوني لصعود الدول أو القوى الحضارية , في وقت لاحق مع ترسخ السلطة المطلقة للسياسي و توفر حالة عالية من الرفاه الاقتصادي نتيجة الفتوحات بدأت النخبة إنتاجها الفكري و الثقافي , تشكلت النخبة أولا من رجال الدين و الأدباء خاصة , لم يكن بعد المشتغل بعلم الكلام أو الفيلسوف قد ظهر بعد , و قد لعبت في بداية تطور المجتمع العربي الإسلامي القروسطي دورا هاما في التعبير عن المجتمع و عن التيارات التي تضطرم داخله , فقد شكل رجال الدين و الأدباء جزءا هاما من المعارضة للسلطة الأموية , رغم أن دورهم لم يكن أيضا مركزيا في تشكيل الفرق الإسلامية مرة أخرى , الذي حددته الأحداث داخل الأرستقراطية القبلية المتنافسة على السلطة , كان الخوارج و الشيعة الأوائل ذا اهتمام محدود بالإنتاج الفكري , بل يمكن القول أن الكتلة الأساسية من تلك النخبة , رجال الدين , شعراء , كانت تقف إلى جانب المعارضة , يكفي أن نذكر الحسن البصري و سعيد بن المسيب و أبا حنيفة النعمان و أن نذكر أن أقرب أفراد النخبة للسلطة , إذا استثنينا بعض الأزلام المباشرين , كانوا القائلين بموقف سلبي من استبداد و ظلم السلطة كعبد الله بن عمر مثلا , عمليا كانت كل الفرق الإسلامية في المعارضة , حتى المرجئة كانوا في صف المعارضة , بينما نجد أن المعتزلة التي تطورت عن القدرية تقف إلى جانب الانقلاب الذي قام به الأمير الأموي الوليد بن يزيد داخل القصر و الذي هدف إلى تأسيس سلطة جديدة تماما متناقضة بالكامل مع ماضي السلطة الأموية , بعد هذا بدأ التراجع فورا , كان عمرو بن عبيد , المؤسس الثاني للمعتزلة إلى جانب واصل بن عطاء , قد عبر عن الانتقال إلى المعارضة السلبية للسلطة , العباسية هنا , عندما أكد رفضه للسيف و رفضه دعم خروج ذو النفس الزكية على الخليفة العباسي الثاني المنصور , على العكس مثلا من مرجئي كالإمام أبي حنيفة النعمان , سنبدأ بملاحظة أنه كلما أوغل المعتزلة في الإنتاج الفكري المعقد فيما يخص مواضيع أكثر تجريدا كصفات الله و خلق القرآن كلما أصبح المعتزلة يقتربون أكثر فأكثر من السلطة القائمة التي كانت تبحث عن قاعدة فكرية عقيدية لتبرير وجودها و وضعيتها المطلقة , أي كفكر رسمي للدولة كما يسمى حاليا , و كان سعيهم لعقلنة النص المقدس وراء واحدة من أقسى المحاولات لفرض فكر رسمي تبريري “عقلاني” تولوا هم خلق جانبه النظري , هذا لا يعني أن القسم الرافض لأية عقلنة من المؤسسة الدينية وقف ضد السلطة , فقد أصر ابن حنبل , الخصم الرئيسي للمعتزلة , على أن يوجه نقده ضد خصومه الفكريين المقربين من السلطة دون تلك السلطة , و رفض ابن حنبل رفضا قاطعا حتى فكرة الخروج على السلطان , و تبعه في ذلك ابن تيمية و ابن الجوزية و غيرهم من طلابه الهامين , و عندما انقلب المتوكل على المعتزلة أصبحوا هم مكانهم , في إخضاع الفكر , الرافض للعقلانية هنا , لخدمة مصالح و مآرب السلطة , الأشكال الأكثر جذرية من العقلانية , كالفلسفة المشائية , نشأت عموما في قصور السلاطين , ابن سينا , الفارابي , ابن رشد , كان من الواضح أنه مع تعقيد مستوى الإنتاج الفكري للنخبة كانت هذه النخبة تصبح طبقة أشد عزلة عن المجتمع , ذات مصالح و أفكار خاصة بها , تتعلق بمحاولة قيادة المجتمع أو توجيهه , و لو من وراء و في ظل السلطة المستبدة , بالنسبة للمفكرين العقلانيين كان تحويل هذه السلطة إلى سلطة متنورة هو هدفهم السياسي الفعلي , و بالنسبة للمنكرين لهذه الاتجاهات العقلانية كان تحويل السلطة عن تلك الاتجاهات و قمعها هو هدفهم السياسي المعلن , المحاولة الأخيرة لتكوين معارضة , أو بديل , حقيقي للسلطة تمثلت في حركة إخوان الصفا , و امتدادها في الحركة الإسماعيلية , لقد أنشأت هذه الحركتان أكبر منظمة هرمية شديد التنظيم لبناء بديل عن الخلافة العباسية , لكنها استندت إلى أشد موقف تسليمي من الجماهير تجاه النخبة , عندما اعتبرت الإمام المعصوم هو مصدر الحقيقة عن الواقع و هو الحاكم المطلق الجدير هذه المرة , هناك مفاهيم وضعها اليسار اللا ستاليني في أواسط القرن العشرين و هي المادية و المثالية النقديتين , و المادية و المثالية غير النقديتين , السلطة , لا مشكلة لديها مع المثالية و لا حتى المادية غير النقديتين , بل إن هذه الخطابات تشكل عادة أساس الخطابات السلطوية , في المادية و المثالية غير النقديتين تصبح النخبة جزءا عضويا من بنية السلطة , التي يمكن أن تتغير من “اليسار” إلى “اليمين” و بالعكس وفقا لمصالحها الخاصة , دون أن يعني هذا تغييرا جديا في بنيتها الفعلية , انقلاب المتوكل على المعتزلة , انقلاب بيروقراطية الدولة الناصرية على “الناصرية” نفسها , إن تمايز النخبة يقوم على واقع هو أنها أكثر تطورا من الجماهير , أنها تملك القدرات لإنتاج فكري ذا معنى , و السلطة تستخدمها عادة بسبب هذه القدرات الحصرية التي تمتلكها , لكن الشرط الأول و الدائم لهذا التمايز هو في إبقاء الجماهير بحالة تخلف سياسي و فقر فكري , هذا يضع مصالح النخبة كنخبة في مواجهة الناس العاديين , في مواجهة البشر الآخرين , الذين يجب أن يبقوا مادة للانقياد , في أفضل أحوالها أرادت النخبة أن تحكم الجماهير بنفسها على شاكلة جمهورية أفلاطون – الفارابي التي يقودها الفلاسفة و اعتبرت هذا هو أفضل حالة ممكنة للسلطة , و لكنها على الأغلب اكتفت بدور “مفكري”السلطة , في حالة النهضة العربية المعاصرة فإنها تمثل قدرة مجتمعية أكثر منها حالة سلطوية أو نخبوية , إن قراءة النهضة الغربية أو صعود الإمبريالية ( و من ثم الإمبراطورية ) الأمريكية يمكننا من تحديد العوامل الموضوعية , و الذاتية دون شك , في عملية النهضة هذه , حيث لعبت النخبة دور الناطق و خالق الخطاب الفكري للطبقات الموجودة , و غالبا للطبقات السائدة , لكن من السخف الزعم بأن النهضة كانت نتاجا لفعل النخبة , وحده على الأقل , انتقلت النخبة من الترويج لمثالية غير نقدية إلى مادية غير نقدية و بالعكس , في عالمنا العربي انتقل ولاء النخبة من الليبرالي القومي في مطلع القرن العشرين إلى القومي الاشتراكي في منتصفها و أخيرا الليبرالي الغربي أو المركزي الأوروبي في نهايته دون أن يعني هذا أكثر , أو دون أن يؤدي , إلى أكثر من تغيير في خطابات الأنظمة السائدة , بقيت بنية الأنظمة القائمة شبه ثابتة و بقيت البنى الاقتصادية و الاجتماعية تدور في دوائر مغلقة تعيد إنتاج التخلف الاجتماعي باستمرار , إن المادية النقدية ( أي التي تقوم أساسا على نقد الوضع القائم و خاصة علاقات السلطة و الملكية السائدة ) تختلف تماما عن المادية غير النقدية , رغم سعي “الماديتين” لاستنباط أفكارهما من مرجعية فكرية واحدة , في الحقيقة هناك فرق جذري في النهاية بين الماديتين في النظر إلى كل شيء , خاصة قضية الحرية , التي تصبح حرية الناس العاديين في الأولى و خضوعهم لحكم “متنور” أو “رشيد” في الحالة الثانية , في الحالة الأولى تصبح المادية النقدية ناطقة بلسان الجماهير نفسها بالضرورة و في الثانية بلسان النخبة في أحسن الأحوال , و بلسان السلطة في الأغلب , هذا لا علاقة له بالنهضة العامة , إنه جوهر الصراع السياسي و الاجتماعي الدائر في مجتمعاتنا…….