الرئيسية » التاريخ » سلسلة دراسات في التاريخ الكردي( الحلقة الرابعة عشرة )

سلسلة دراسات في التاريخ الكردي( الحلقة الرابعة عشرة )

جوهر التاريخ
التاريخ أحداث وقعت في كنف الجغرافيا.
وأركان تاريخ البشرية ثلاثة: مصالح، ثقافات، سياسات.
والبحث في أيّ حدث تاريخي، بمعزل عن هذا الثلاثي المتحالف منذ فجر الوجود البشري، وبعيداً عن علاقة هذا الثلاثي بالجغرافيا، لا يكون بحثاً صائباً، ولا يمكن أن يؤدي، بأية حال من الأحوال، إلى نتائج منطقية وواقعية.
أما المصالح فهي اقتصادية في الدرجة الأولى، وتتفرّع جميعها عن محور واحد؛ هو (الاحتفاظ بالبقاء)، وأول متطلّبات (الاحتفاظ بالبقاء) هو امتلاك (المكان الأفضل)؛ أقصد امتلاك الجغرافيا التي تتوافر فيها مقوّمات الحياة على النحو الأفضل (مُناخ مناسب، تربة خصبة، مياه كافية)، وليس هذا فحسب، بل من الضروري أن يكون (المكان الأفضل) ذا قيمة جيوسياسية أيضاً.
وأما الثقافات فهي، من حيث الأصل، نتاج علاقة الإنسان بالبيئة، وهي تظهر في شخص النخبة على شكل أديان، وعقائد، وفلسفات، ومُثُل، ومفاهيم، ومبادئ، وقيم، ودساتير، وتشريعات، وقوانين، وضوابط، وموجِّهات، وبتعبير آخر: الثقافات تجلّيات معنوية (روحية/فكرية/شعورية) للمصالح، لكنها تمتاز بأنها تمتلك خاصية التحوّل من موقع (المنتَج) بفتح التاء إلى موقع (المنتِج) بكسر التاء، من حالة (التأثّر) إلى حالة (التأثير).
وأما السياسات– سواء أكانت سياسات سِلم أم سياسات حرب- فهي تجلّيات عملية (ميدانية) للمصالح، إنها فن التنافس والتصارع بين أصحاب المصالح، وكل موقف سياسي هو تكريس لخطوة نحو الهدف (المصلحة)، وترتكز السياسات على الثقافات لغرضين اثنين:
– الأول: تحشيد المجتمع، وتجنيد الأفراد، وتوظيف جميع الطاقات، للسير نحو الهدف (المصلحة).
– والثاني: تبشيع صورة العدو (من يحول دون الهدف)، وإضفاء طابع الأبلسة عليه، إقناعاً للرأي العام بحتمية محاربته، وتبريراً لضرورة إزاحته جانباً، أو القضاء عليه بصورة كلية.
ولكم أن تختاروا أيّ حدث من أحداث التاريخ، قديمها أو حديثها، صغيرها أو كبيرها، شرقيها أو غربيها، وتفكّكوا مفاصله الأساسية، وتحلّلوا ظروف نشأته، والنتائج التي تمّخضت عنه، ستتضح لكم في طيّاته العلاقة الوثيقة بين الثلاثي المتحالف (مصالح، ثقافات، سياسات). وقد يُظن أن الأديان- مثلاً- لا تخضع لهذه القاعدة، وأنها مشاريع روحانية مكرَّسة لمصلحة واحدة فقط؛ هي الإيمان بالله وعبادته، وأن الثمن الذي يقبضه المؤمنون لقاء ذلك هو الفوز بمُلكية جزء من جغرافيا العالم الآخر (الجنة/الفردوس).
والحقيقة أن النصوص الموثَّقة في الديانات السماوية الثلاث تؤكد خلاف ذلك، وتدلّل على أن الترغيب في ملكية جزء من جغرافيا الأرض كان يمشي بموازاة الترغيب في ملكية جزء من جغرافيا العالم الآخر (الجنة)؛ وإلا فبماذا نفسّر قول الرب للنبي أَبْرام (إبراهيم)، بعد أن استقر في أرض كنعان (فلسطين بعدئذ): ” ارْفَعْ عَيْنَيْكَ، وَانْظُرْ مِنَ الْمَوْضِعِ الَّذِي أَنْتَ فِيهِ شِمَالاً وَجَنُوبًا وَشَرْقًا وَغَرْبًا، لأَنَّ جَمِيعَ الأَرْضِ الَّتِي أَنْتَ تَرَى لَكَ أُعْطِيهَا وَلِنَسْلِكَ إِلَى الأَبَد “. (العهد القديم، سفر التكوين، الأصحاح 13، الآية 14 – 15)؟ وبماذا نفسر قول النبي عيسى: ” طُوبَى لِلْوُدَعَاءِ، لأَنَّهُمْ يَرِثُونَ الأَرْضَ “. (العهد الجديد، سفر مَتّى، الأصحاح 5، الآية 5)؟ وبماذا نفسر قول الله تعالى في القرآن:{وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ}؟ (سورة الأنبياء، الآية 5)، وقول الله للمسلمين بمناسبة انتصارهم على يهود يَثْرِب (المدينة): {وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَّمْ تَطَؤُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا}؟ (سورة الأحزاب، الآيات 25 – 27).
تلك هي الحقيقة فيما أرى، وعلى ضوئها ينبغي البحث في التاريخ قديمه وحديثه، وأذكر أننا أثرنا، في الحلقات السابقة، عدداً غير قليل من التساؤلات حول مشروع أبلسة الكرد (المؤسسون، الأهداف، الآليات، النتائج)، وتمهيداً للبحث عن إجابات واقعية ومنطقية، وكي يكون القارئ شريكاً في هذه المهمة- فلعله يستخلص ما قد يفوتني استخلاصه- أستعرض في هذه الحلقة أبرز الأحداث التاريخية التي دارت في العالم القديم عامة، وفي غربي آسيا على نحو خاص.
العالم القديم جيوسياسياً
حينما نتفحص جغرافيا العالم القديم نخرج بالحقائق الآتية:
ـ الحقيقة الأولى: ثلاث قارات فقط كانت معروفة قبل الربع الأخير من القرن (15 م)، هي آسيا وأوربا وإفريقيا، ويطلق المؤرخون عليها مصطلح (العالم القديم)، وما كان قارتا أستراليا وأمريكا معروفتين.
ـ الحقيقة الثانية: كانت آسيا هي مركز الثقل الحضاري الأكثر أهمية في العالم القديم، ففي أقصى الشرق ظهرت الحضارة الصينية حول هوانغ هي (النهر الأصفر) ونهر يانغ تسي، وفي الجزء الجنوبي ظهرت الحضارة الهندية حول نهر الغانج، وفي غربي آسيا ظهرت أقدم الحضارات على سفوح جبال زغروس (كردستان حالياً)، وفي جنوبي بلاد الرافدين (سومر) يحث يمر نهرا دجلة والفرات، وفي آسيا الصغرى (غربي تركيا حالياً)، وفي شرقي المتوسط، وخاصة سوريا وفلسطين.
أما المناطق الشاسعة الواقعة في وسط آسيا فكانت موطناً للقبائل البدوية الطورانية، في حين كانت مناطق شمالي بحر قزوين موطناً لقبائل بدوية تعيش في حالة شبه بدائية، أبرزها قبائل شعب (سكيث).
ـ الحقيقة الثالثة: كان شمالي إفريقيا، ومصر تحديداً، يشكل مركز الثقل الحضاري الآخر، وصحيح أن مصر هي جزء من إفريقيا جغرافياً، لكنها كانت قد أدارت ظهرها لإفريقيا السوداء، وأقصى ما كان يهم الدول المصرية المتعاقبة من إفريقيا هو السيطرة على مناجم الذهب في بلاد النُّوبَة وإثيوبيا، والتمدد نحو منابع النيل، وعلى الساحل الغربي للبحر الأحمر، باتجاه مضيق باب المندب، في حين أنها كانت متوجّهة باهتمام إلى الدخول في علاقات اقتصادية وثقافية مهمة مع غربي آسيا (سوريا، فلسطين، الأناضول، كردستان، بلاد الرافدين) من ناحية، ومع جنوبي أوربا (اليونان، إيطاليا) من ناحية أخرى.
ـ الحقيقة الرابعة: كانت أوربا تشكل مركز الثقل الحضاري الثالث بعد كل من آسيا والجزء الشمالي الشرقي من إفريقيا (مصر)، وكان الجزء الجنوبي من أوربا، وهو المطل على الساحل الغربي للبحر الأبيض المتوسط، ولا سيما بلاد اليونان، هو الذي يمثّل مركز الثقل الحضاري لأوربا، أما وسط أوربا وشماليها فكانت تموج بقبائل هندو أوربية تعيش في حالة شبه بدائية.
ـ الحقيقة الخامسة: كانت العلاقات الاقتصادية بين مكوّنات العالم القديم نشيطة، كما هي الحال الآن، وكان ثمة طريقان تجاريان عالميان رئيسان يربطان جنوبي أوربا، وآسيا الصغرى، ومصر، بجنوبي آسيا ووسطها وشرقيها:
• الأول- طريق الحرير: كان ينطلق من الصين شرقاً، ويتجه غرباً، فيمر بشمالي أفغانستان، فالهضبة الآريانية، فجنوبي كردستان (جنوبي ميديا قديماً)، فجنوبي بلاد الرافدين (العراق حالياً)، ويتفرع بعدئذ غرباً باتجاه سوريا، وشمالاً باتجاه آسيا الصغرى. وكان فرع من هذا الطريق يمر بشمالي ميديا (على التخوم الجنوبية لبحر قزوين)، حيث تقع مدينة رغه (رگه) Ragae، أي (الطريق)، باعتبارها كانت تقع على واحد من أهم فروع طريق الحرير، وتسمى في مصادر التراث الإسلامي (رَيْ)، ونُسب إليها كثير من العلماء بلقب (الرازي)، منهم الرازي الطبيب، والرازي المفسِّر، وتقع آثارها جنوبي (طهران) حالياً.
• الثاني- طريق البخور والتوابل: كان ينطلق من جنوب شرقي آسيا، ويتجه غرباً، فيمر بجنوبي الهند، ثم جنوبي شبه الجزيرة العربية (اليمن)، ويتوجّه شمالاً عبر الحجاز (غربي شبه الجزيرة العربية)، حيث تقع الطائف ومكّة ويَثْرِب (المدينة)، ويصل إلى موانئ سوريا وفلسطين على البحر الأبيض المتوسط، ويتوجّه فرع منه إلى مصر عبر سِيناء، وكان فرع آخر منه يتوجّه عبر الخليج نحو جنوبي بلاد الرافدين.
ـ الحقيقة السادسة: كان غربي آسيا- وما زال- يقع في قلب العالم القديم، ونقصد بغربي آسيا (بدءاً من الشرق إلى الغرب): بلاد فارس، وكردستان، وأذربيجان، وأرمينيا، وبلاد الرافدين (العراق)، والأناضول، وآسيا الصغرى (غربي تركيا حالياً)، وسوريا، والأردن، ولبنان، وفلسطين، وشبه الجزيرة العربية. وفي غربي آسيا كانت تلتقي الشبكتان الاقتصاديتان الرئيستان في العالم: شبكة طريق الحرير، وشبكة طريق البخور.
ـ الحقيقة السابعة: على ضوء الأهمية الاقتصادية لكل من طريقي الحرير والبخور يمكن تفسير التحوّلات الثقافية في العالم القديم، ولا سيما ظهور الأديان الكبرى؛ أقصد الكونفوشيوسية في الصين، والبراهمية والبوذية في الهند، ويصبح الأمر أكثر وضوحاً إذا دققنا التفكير في الأديان التي ظهرت في غربي آسيا: فالميثرائية (لعلها الأزدائية) ظهرت على حوافّ طريق الحرير المار بهضبة آريانا، وظهرت سليلتها (الزردشتية) قرب أُورميا (في شمالي ميديا)، ونجد أن حركة النبي إبراهيم (الجد الأعلى لأنبياء اليهودية والمسيحية والإسلام) انطلق من حرّان (حُوران = هاران= أوران) واتجه جنوباً نحو فلسطين، ومنها انحدر إلى مصر، ثم عاد ثانية إلى فلسطين، وباختصار: ظهرت الزردشتية في ميديا (شمال شرقي كردستان حالياً)، واليهودية والمسيحية في فلسطين، والإسلام في غربي شبه الجزيرة العربية.
ـ الحقيقة الثامنة: على ضوء الأهمية الاقتصادية لكل من طريقي الحرير والبخور يمكن تفسير الأحداث السياسية الكبرى في العالم القديم، ولا سيما الحروب الكبرى، وكان من أهم الأهداف الستراتيجية لأية قوة سياسية (دولة، إمبراطورية) تظهر في العالم القديم أمور خمسة:
1. شمالاً وغرباً: السيطرة على شرقي المتوسط، حيث تتجمع فروع شبكتي طريق الحرير وطريق البخور، وحيث تقع الموانئ التي تربط تَيْنك الشبكتين بجنوبي أوربا، ومن ثَمّ بوسط أوربا وشماليها.
2. غرباً: غرباً السيطرة على البحر الأحمر، وعلى الطريق البرية الموازية له في غربي شبه الجزيرة العربية، حيث تقع واحة تَيْماء، ويَثْرِب، ومَكّة، والطائف.
3. جنوباً: السيطرة على موانئ اليمن وساحل عُمان.
4. جنوباً وشرقاً: السيطرة على رأس الخليج العربي (خليج فارس).
5. شرقاً: السيطرة على معابر جبال زغروس في كردستان.
مصالح وصراعات
وكانت السيطرة على شبكتي طريق الحرير وطريق البخور تتخذ شكلاً سلمياً، من خلال عقد الاتفاقيات، وإلا فإن القوة العسكرية كانت هي السبيل إلى تحقيقها، وإليكم بعض الأدلة التاريخية:
• في الألف الثالث قبل الميلاد كانت بلاد سومر (من جنوبي بغداد حالياً إلى الخليج) تتألف من دول- مدن، وبسبب الصراعات الحادة بينها لم تستطع التمدد والهيمنة على غربي آسيا. لكن سرعان ما تغيرت الحال عندما أسس لوگال – آنّ – مُندو Lugal- Anne – Mundu مملكة قوية في (أدب)، وسيطر على بلاد الرافدين جنوباً وشمالاً، ثم توجّه بفتوحاته شرقاً، ففتح عِيلام (لُورستان حالياً) في الجنوب، وبلاد سُوبار في الشمال (سُوبارتو، وكانت تقع في الجزء الشمالي من إقليم كردستان- العراق حالياً). (عبد الحميد زايد: الشرق الخالد، ص 42).
• بين سنتي (2350 – 2294 ق.م) أسس سَرْجُون Sharruken الإمبراطورية الأكادية على أنقاض دول- المدن السومرية، وكان أول ما قام به أنه مدّ نفوذ دولته جنوباً حتى وصل إلى ساحل الخليج (البحر الأسفل)، ثم قاد حملة، براً وبحراً، نحو الشرق ضد عيلام، وسيطر عليها، ثم توجّه شمالاً وشرقاً ليسيطر على شعب لوللو الجبلي (من أجداد الكرد) في جبال زغروس، ثم توجّه غرباً نحو الأموريين (العموريين) في سوريا الحالية، رغم أنهم كانوا حلفاءه ضد السومريين، وسيطر على بلادهم، إلى أن وصل إلى الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط (توفيق سليمان: دراسات في حضارات غرب آسيا القديمة، ص 121 – 123).
• بين سنتي (1728 – 1686 ق.م) قاد حمورابي المملكة البابلية، وبسط سيطرته في الاتجاهات الثلاثة التي سارت فيها الحملات الأكادية؛ أقصد جنوباً نحو الخليج، وشرقاً وشمالاً نحو عِيلام وجُوتيوم (كردستان)، وغرباً نحو سوريا والساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط. (توفيق سليمان: دراسات في حضارات غرب آسيا القديمة، ص 169 – 171).
• حينما ظهرت الإمبراطورية الحثية القديمة بين سنتي (1600 – 1380 ق.)، والإمبراطورية الحثية الحديثة بين سنتي (1379 – 1190 ق.م)، في الأناضول (وسط تركيا حالياً)، حاولت بإصرار التمدد شرقاً باتجاه الخليج وممرات زغروس، والتمدد جنوباً للسيطرة على سوريا، ولا سيما الساحل الشرقي للمتوسط، وكان ذلك سبب الصدام العنيف بينها وبين مصر الفرعونية. (توفيق سليمان: دراسات في حضارات غرب آسيا القديمة، ص 268 – 278).
• بين سنتي (1500 – 1330 ق.م)، أسّس الحوريون (من أجداد الكرد) المملكة الحُورية (المِيتّانية) في أعالي بلاد ما بين النهرين (دجلة والفرات)، وتحديداً في شرقي تركيا حالياً، وامتد نفوذهم من مقاطعة (أرابخا (أرابشا= كركوك) شرقاً، حتى إمارة موكيش (ألالاخ) غرباً، من المفيد الأخذ في الحسبان هنا أن مقاطعة كركوك تقع قرب السفوح الغربية لجبال زغروس، وأن إمارة موكيش كانت تقع غربي حلب في شمالي سوريا، وكانت حدودها تصل إلى البحر الأبيض المتوسط، واصطدم الحوريون نتيجة لذلك بمصر الفرعونية. (جرنوت فلهلم: الحوريون تاريخهم وحضارتهم، ص 59. توفيق سليمان: دراسات في حضارات غرب آسيا القديمة، ص 312 – 313).
• بين سنتي (934 – 744 ق.م) ظهرت الإمبراطورية الآشورية القديمة، ثم ظهرت الإمبراطورية الآشورية الحديثة بين سنتي (743 – 612 ق.م)، وفي كلا العهدين حرص الآشوريون على التمدد في الاتجاهات الثلاثة المعهودة (جنوباً نحو الخليج، وشرقاً نحو زغروس، وغرباً نحو سوريا، بل إن الملك الآشوري أسرحدون (حكم بين 680 – 669 ق.م) لم يكتف بالسيطرة على سوريا، وإنما غزا مصر نفسها سنة (671 ق.م)، لأن الدولة المصرية كانت تتدخّل باستمرار في فلسطين وسوريا، وكانت تعدّ المنطقة الواقعة بين المتوسط ونهر الفرات عمقاً ستراتيجياً لها، وكانت تقف ضد كل قوة إقليمية تسيطر عليها. (عامر سليمان، أحمد مالك الفتيان: محاضرات في التاريخ القديم، ص 162. عبد الحميد زايد: الشرق الخالد، ص 83 – 97).
• منذ حوالي منتصف القرن (9 ق.م) برز الميديون (من أجداد الكرد) كقوة إقليمية في غربي آسيا، وعمل الآشوريون- وكانوا قوة عظمى حينذاك- لطمس الظهور الميدي، لكن الميديين حاربوهم بعناد، وقضوا على الإمبراطورية الآشورية سنة (612 ق.م)، بعد أن تحالفوا مع الدولة البابلية الحديثة (الدولة الكلدانية)، وتقاسم الحليفان مناطق النفوذ الآشوري السابق، فشمل النفوذ الميدي- إضافة إلى ميديا- فارس، وعيلام، وأورارتو (أرمينيا بعدئذ)، والقسم الشرقي من الأناضول حتى نهر هاليس (قيزيل إرماق). وامتد النفوذ الكلداني من الخليج شرقاً إلى البحر الأبيض المتوسط غرباً؛ الأمر الذي أغضب دولة ليديا (في غربي تركيا حالياً) ودولة مصر، وكانت الدولتان قد تحالفتا مع الآشوريين للوقوف في وجه الحلف الميدي- البابلي، ودارت صراعات مريرة بين الفريقين انتهت بعقد اتفاقية صلح بين ميديا وليديا، وانكفاء المصريين جنوباً. (هيرودوت: تاريخ هيرودوت، ص 77- 80 . طه باقر وآخران: تاريخ إيران القديم، ص 40. أحمد فخري: دراسات في تاريخ الشرق القديم، ص 214).
وهذا يعني أن الحلف الميدي – البابلي سيطر على طريق الحرير شرقاً، وعلى فرع طريق البخور الممتد من رأس الخليج، والمار في وسط بلاد الرافدين وسوريا، باتجاه موانئ البحر المتوسط، بل إن الملك البابلي نابونيد كان قد سيطر على منطقة تَيْماء (في شمالي غربي المملكة العربية السعودية حالياً، على بعد حوالي 100 ميل شرقي خليج العقبة)، لوقوعها على طريق البخور الرئيسي الممتد من اليمن جنوباً باتجاه الموانئ السورية ومصر شمالاً، حتى إنه أراد أن يتخذها عاصمة جديدة لإمبراطوريته، وذلك إبّان سيطرة كورش Cyrus الأخميني على دولة ميديا، وتأسيس الدولة الأخمينية حوالي سنة (550 ق.م) (عبد الحميد زايد،: الشرق الخالد، ص 599 – 600، 603).
صراع فارسي – إغريقي
والحقيقة أن واحداً من أكثر الصراعات شراسة وطولاً بين آسيا الغربية وأوربا الجنوبية، بسبب المصالح الاقتصادية، وتحديداً بسبب خطوط التجارة العالمية، دارت بين الفرس والإغريق، فعندما سيطر الفرس الأخمينيون على إمبراطورية ميديا، حوالي سنة (550 ق.م)، كان ذلك يعني أنهم سيطروا على طريق الحرير وفروعه في جبال زغروس وفي الهضبة الآريانية فقط، ولذلك لم يلبث كورش الأخميني أن هاجم الإمبراطورية البابلية سنة (539 ق.م)، وورث ممتلكاتها من الخليج شرقاً إلى ساحل البحر الأبيض المتوسط.
ولم يكتف كورش بإخراج البابليين (الكلدان) من الساحة الإقليمية، وإنما هاجم دولة ليديا في آسيا الصغرى (غربي تركيا حالياً) ، وهزم ملكها كرويسوس Croesus (قارون)، ودخل عاصمته سارديس Sardis، وأخذه أسيراً، وبسط النفوذ الفارسي على موانئ الساحل الشمالي للبحر المتوسط، وهذا يعني أن كورش صار سيّد المنطقة التي تلتقي فيها فروع طريقي البخور والحرير، وصارت تجارة آسيا مع أوربا في أيدي الإمبراطورية الفارسية. (هيرودوت: تاريخ هيرودوت ص 70 – 72. هـ. ج. ولز: معالم تاريخ الإنسانية، ج 2، ص 353 عبد الحميد زايد: الشرق الخالد، ص 602 – 603).
وقد استكمل خلفاء كورش تمدد النفوذ الفارسي، فغزا ابنه قَمْبَيز Cambyses مصر، وسيطر عليها، ثم تولّى داريوس Darius (دارا الأول) ابن هيستاسب Hystaspes حكم الإمبراطورية الفارسية، وكان معنى ذلك أن يتولّى إدارة مشروع التمدد الفارسي على شبكتي طريق الحرير وطريق البخور، وهذا ما قام به حقاً، ووصل المشروع في آسيا وإفريقيا إلى أوسع درجة، وبات النفوذ الفارسي يمتد من جبال هندوكوش (في أفغانستان) شرقاً إلى البُوسفور والدَّرْدَنيل غرباً، وإلى مصر غرباً وجنوباً، ومن البحر الأسود وبحر قزوين شمالاً إلى الخليج وشمالي شبه الجزيرة العربية جنوباً. (هيرودوت: تاريخ هيرودوت، ص 405. عبد الحميد زايد، الشرق الخالد: ص 609 – 611، 622 – 623).
وبقيت الخطوة الأخيرة لفرض السيطرة الفارسية على الاقتصاد العالمي حينذاك؛ وتتمثل تلك الخطوة في السيطرة على دول- المدن اليونانية، وإزاحة القوة الإغريقية التي كانت تشكّل رأس الرمح الأوربي في العالم القديم. وقد تولّى داريوس بنفسه تنفيذ ذلك المشروع، فعبر بجيوشه مضيق البوسفور على جسر من القوارب سنة (512 ق.م)، وسيطر على تراقيا (القسم الجنوبي الشرقي من البلقان)، ووصل إلى نهر الدانوب شمالاً، ثم اتجه غرباً، وبسط سيطرته على مقدونيا، وأصبح القسم الشرقي من شبه جزيرة البلقان ولاية فارسية. (هيرودوت: تاريخ هيرودوت ص 536. دياكونوف: ميديا، ص 51، 297. عبد الحميد زايد: الشرق الخالد، ص 599 – 600، 603، 616 – 618).
وكانت قيادة الإمبراطورية الفارسية تعرف أنه ما لم يتم القضاء على دول- المدن الإغريقية في بلاد اليونان، ولا سيما دولة أثينا ودولة إسبارطا، فلن ينعم النفوذ الفارسي في البلقان وفي آسيا الصغرى بالهدوء، ولن يصبح البحر الأبيض المتوسط- وهو الجسر البحري الذي يربط شبكة طريقي الحرير والبخور بأوربا- واقعاً في قبضة السلطة الفارسية؛ لذلك قرر داريوس إزالة العقبة الأخيرة من طريق التمدد الفارسي عالمياً، أقصد السيطرة على دول- المدن الإغريقية، من خلال ضرب القوة البحرية الإغريقية.
وشرع داريوس في تنفيذ خطة السيطرة على بلاد اليونان سنة (490 ق.م)، إذ وجّه حملة عسكرية بحرية ضخمة إلى اليونان بقيادة داتيس Datis الميدي، ورست السفن الفارسية في خليج ماراثون Marathon، وتوجه الفرس براً نحو أثينا، فتصدّى لهم الإغريق قرب ماراثون، وألحقوا الهزيمة بالجيش الفارسي. (وليام لانجر: موسوعة تاريخ العالم، ج 1، ص 94. عبد الحميد زايد: الشرق الخالد، ص 620 – 621).
وتوفي داريوس سنة (486 ق.م)، وتولّى العرش الفارسي ابنه إكسركسس الأول Xerxes (أحشويرش = أهاسويروس حكم بين 486 – 465 ق.م)، فكان عليه استكمال مشروع التمدد الفارسي في أوربا، بإخراج القوة الإغريقية من المعادلة الدولية حينذاك، فقاد بنفسه حملة برية وبحرية ضخمة سنة (481 ق.م)، وعبر إلى البلقان براً وبحراً، ووصل إلى أثينا في (17 سبتمبر/أيلول عام 480 ق.م)، واقتحمت قواته المدينة، وفتكت بسكانها، وهدّمت دور العبادة، وأشعلت فيها النيران. (هيرودوت: تاريخ هيرودوت ص 505 – 522. عبد الحميد زايد: الشرق الخالد، ص 632 – 636).
ومع ذلك لم يستسلم قادة الإغريق، وواجهوا الأسطول الفارسي بحراً، وألحقوا به هزيمة كبرى في معركة سالاميس Salamis في (20 سبتمبر/ أيلول سنة 480 ق.م)، وألحق الإغريق بالفرس هزيمة أخرى في معركة بلاتيا Plataea سنة (470 ق.م)، وعجزت الإمبراطورية الفارسية عن استكمال مشروعها التوسعي في جنوبي أوربا، بل إن الإغريق أخذوا زمام المبادرة، وانتقلوا من موقف الدفاع إلى موقف الهجوم في عهد الملك الأخميني الخامس أرتاكسركسس الأول Artaxerxes (أرتحششتا الأول توفي سنة 424 ق.م) (وليام لانجر: موسوعة تاريخ العالم، ج 1، ص 94. عبد الحميد زايد: الشرق الخالد، ص 637 – 640).
ووصلت ستراتيجية الهجوم الإغريقية إلى أعلى مستوياتها في عهد الإسكندر المكدوني (حكم بين 336 – 323 ق.م)، إذ وحّد بلاد الإغريق تحت راية واحدة سنة (535 ق.م)، وأعدّ العدّة لقيادة حملة كبرى على آسيا، في ثلاث مراحل: المرحلة الأولى غزو آسيا الصغرى (غربي تركيا حالياً)، والمرحلة الثانية غزو سوريا وفلسطين ومصر، والمرحلة الثالثة غزو بابل وكردستان وفارس، أو ما يمكن أن نسميه مركز الإمبراطورية الأخمينية الفارسية، ولا يخفى على المتأمل أن مسار الغزو الإغريقي كان يهدف إلى السيطرة على فروع شبكة طريقي التجارة العالميين (طريق الحرير وطريق البخور)، وكان القضاء على النفوذ الفارسي هو السبيل إلى ذلك (عبد الحميد زايد: الشرق الخالد، ص 658 – 660).
وكانت الإمبراطورية الفارسية بدأت تسير نحو الانحدار بعد وفاة إكسركسس (أحشويرش)، وراحت تعاني من الصراعات والاغتيالات بين كبار القادة، وقد تولّى دارا الثالث (داريوس كودومانّوسDarius Codomannus) عرش فارس سنة (335 ق.م)، وعبر الإسكندر بجيشه إلى آسيا سنة (334 ق.م)، ولم يستطع الولاة الفرس في آسيا الصغرى إيقاف الهجوم الإغريقي، وكانت الإدارة الفارسية تدرك أن سيطرة الإغريق على الساحل الشمالي والشرقي للبحر الأبيض المتوسط تعني السيطرة على النهايات الغربية لشبكة طريق الحرير وطريق البخور، وتعني وضع مصير الإمبراطورية الفارسية اقتصادياً تحت رحمة الدولة الإغريقية. (عبد الحميد زايد: الشرق الخالد، ص 662 – 663).
وانطلاقاً من هذه القراءة- وهي قراءة صائبة جداً- تولّى الشاه الأخميني دارا الثالث بنفسه معركة التصدي للإسكندر، لكنه كان أضعف من أن يقف في وجه القوة الإغريقية الناهضة، وفي سنة (333 ق.م)، وبعد سلسلة من المعارك، أبرزها معركة إيسوس (قرب جبال أمانوس الواقعة غربي منطقة عفرين، واسمها بالكردية: جيايى گور ya ê GewrÇ) انتزع الإسكندر آسيا الصغرى من الفرس، وأتبعها بانتزاع سوريا ومصر، وكان ذلك تمهيداً لضرب القوة العسكرية الفارسية، من خلال ضرب منابع مواردها الاقتصادية. (عبد الحميد زايد: الشرق الخالد، ص 665 – 675).
وكانت معركة گوگاملا Gaugamela (في سهل أربيل Arbela خلال شهر أكتوبر/ تشرين أول 331 ق.م) حاسمة؛ فقد سدّد الإسكندر الضربة القاضية إلى القوة العسكرية الفارسية، وألحق الهزيمة بدارا الثالث، وتراجع دارا، ومعه بطانته وكبار قادته، إلى ميديا شرقاً، وأقام في أگباتانا (آمدان = هَمَذان) عاصمة الميديين العريقة، وتحصّن فيها. (دياكونوف: ميديا، ص 415. عبد الحميد زايد: الشرق الخالد، ص 676 – 683).
وجدير بالذكر أن سير تراجع دارا الثالث يثير أكثر من سؤال، فلماذا لم يتوجّه إلى بابل، مع أنها كانت تُعتبر عاصمة الفرس الثانية في بلاد الرافدين؟ بل لماذا لم يتوجّه إلى العاصمة الإمبراطورية پرسيس Persis (پرسيپوليس Persepolis /إصْطَخْر في التراث الإسلامي)، حيث مركز القيادة الإمبراطورية العليا؟ السبب هو أن ميديا كانت تشكل الستراب (الولاية) الثانية بعد ولاية فارس Persia من حيث المناعة والأهمية الستراتيجية، ولوجود قوة قتالية كبيرة فيها، ولأهميتها اقتصادياً، باعتبار مرور طريق الحرير الرئيسي فيها (كان طريق الحرير يمر بأگباتانا). (عبد الحميد زايد: الشرق الخالد، ص 683).
ولم تكن القيمة الستراتيجية لمعركة گوگاملا تكمن في إلحاق الهزيمة بالملك الفارسي فقط، وإنما لأنها فتحت الطريق أمام أوربا- ممثلةً باليونان- للتمدد جنوباً نحو الخليج، وشرقاً نحو الهند وأفغانستان، وشمالاً نحو بحر قزوين، وبعبارة أخرى: إن معركة گوگاملا فتحت الطريق لأن يسيطر الإغريق على كامل الدائرة الجغرافية التي تقع فيها شبكة طريقي الحرير والبخور.
ولذلك لم يبدد الإسكندر الوقت هدراً، وإنما توجه نحو مدينة بابل- عاصمة بلاد الرافدين- فسيطر عليها، ثم توجّه إلى كل من سوسه و پرسيپوليس في ولاية فارس، وأمضى الربع الأول من سنة (330 ق.م) في القصور الملكية الفارسية، ثم توجّه إلى أگباتانا، ولما اقترب منها فر دارا شمالاً نحو بحر قزوين، على طريق أگباتانا- رَغَه (رَيْ)، فطارده الإسكندر على المسار ذاته، فتوجّه دارا شرقاً إلى ولاية باكتريا (شمال غربي أفغانستان حالياً) عبر بارثيا، وظل الإسكندر يطارده، لكن رجال دارا سرعان ما قتلوا ملكهم، ووضعوا حداً لتلك المطاردة. (ج. ولز: معالم تاريخ الإنسانية، ج 2، ص 439. عبد الحميد زايد: الشرق الخالد، ص 683 – 684).
والذي يهمنا في هذه المجال أن الصراع بين أكبر قوتين عالميتين حينذاك (الإغريق والفرس) كان يدور في الجغرافيا التي تتوزع فيها شبكة طريقي الحرير والبخور، وكانت ساحة الصدام الأساسية بين القوتين هي آسيا الصغرى، وشرقي المتوسط (سوريا ولبنان وفلسطين)، ومصر؛ أي النهايات الغربية والشمالية لشبكة فروع طريقي الحرير والبخور، فقد كان من مصلحة الإمبراطورية الفارسية السيطرة على تلك النهايات، للقبض على أوربا – ممثَّلة في الإغريق- من خناقها حينما تشاء، وكان من مصلحة الإغريق ألا يُمكّنوا الفرس من ذلك.
وثمة أكثر من دليل على أن هدف الإسكندر لم يكن مقتصراً على إزاحة الإمبراطورية الفارسية من طريقه، والحصول على كنوزها وخزائن أموالها، وإنما كان هدفه الأكبر هو السيطرة على فروع شبكة طريق الحرير في الشرق، فبذلك تضمن الإمبراطورية الإغريقية سيادتها على العالم القديم اقتصادياً.
ومن جملة الأدلة على ذلك أن الإسكندر زحف بجيشه شمالاً وشرقاً حتى وصل إلى سَمَرْقَنْد (تقع في أُوزبكستان) سنة (328 ق.م)، كما أنه زحف شرقاً حتى عبر جبال هندوكوش (في أفغانستان حالياً)، ووصل إلى المنطقة التي تقع فيها كابول Kabul حالياً سنة (327 ق.م)، وهذا يعني أنه وصل إلى مشارف الصين، حيث تقع النهايات الشرقية لطريق الحرير. (عبد الحميد زايد: الشرق الخالد، ص 687 – 689).
وثمة دليل آخر على ستراتيجية الإسكندر، وهو أنه توجّه من منطقة كابول جنوباً نحو بنجاب (Painch Ab = الأنهار الخمسة، وهي مقسّمة بين شمالي الهند وجنوبي باكستان حالياً)، وقرر التوغل شرقاً، لكن الضباط والجنود رفضوا التقدم رغم إلحاحه الشديد، فلم ير بداً من العودة غرباً إلى بابل، وهو يبسط سيطرته على بلوشستان وغيرها من المناطق الجنوبية في إيران حالياً، ولا يخفى أن الموانئ الواقعة على بحر الهند هناك كانت حلقات في سلسلة طريق البخور المتوجّه من جنوبي شرقي آسيا إلى اليمن عبر جنوبي الهند. (عبد الحميد زايد: الشرق الخالد، ص 691 – 697).
صراعات أخرى
ظلت السيطرة على شبكة فروع طريقي التجارة العالميين (طريق الحرير، وطريق البخور) هي الهدف الذي دارت بسببه جميع الصراعات الكبرى في القرون التي تلت الصراع الإغريقي – الفارسي، وتفادياً للإطالة أستعرض تلك الصراعات بإيجاز:
• البارث (برث= فرث= أشگان) شعب آرياني، كان يقيم في منطقة جنوبي بحر قزوين (شمالي إيران حالياً)، وقد ذكر الدكتور جمال رشيد أنهم من أصل سكيثي (قبائل بدوية، تقع مواطنه الأصلية شمالي البحر الأسود، وقد غزوا ميديا المركزية قبل عام (674 ق.م)، وقضى البارث على الحكم السلوقي (ورثة الإسكندر)، وسيطروا على مقاليد الأمور في غربي آسيا- ولا سيما ميديا وبابل- حوالي خمسمئة عام، (بين 250 ق.م – 227 م)، وفي عهدهم كان الرومان قد حلّوا محل اليونان في قيادة أوربا، ودار الصراع بين القوتين الكبريين على شرقي البحر المتوسط، والمناطق العليا من بلاد الرافدين، ملتقى شبكة فروع طريق الحرير وطريق البخور (بونغارد – ليفين: الجديد حول الشرق القديم، ص 487. وليام لانجر: موسوعة تاريخ العالم، ج 1، ص 216 . دياكونوف: ميديا، ص 250. مجموعة من الباحثين: كركوك، ص 165).
• سيطر الساسانيون على غربي آسيا طوال أربعة قرون وربع القرن (226 – 651 م)، وأسسوا إمبراطورية ضخمة شبيهة بالإمبراطورية الأخمينية، وكان الملوك الساسانيون مضطرين- بتأثير متطلبات الجغرافيا السياسية- إلى تنفيذ ستراتيجية الأخمين تنفيذاً دقيقاً، في حين كان منافسوهم الرومان مضطرين بدورهم، وللسبب نفسه، إلى تنفيذ ستراتيجية الإسكندر، وكان من الطبيعي أن يدور صراع طويل ومرير بين القوتين العظميين على الجغرافيا ذاتها التي تصارع عليها الأخمين والإغريق. (وليام لانجر: موسوعة تاريخ العالم، ج1 ، ص 341 – 350. أحمد عادل كمال: الطريق إلى المدائن، ص 122 – 126).
والجديد في ذلك الصراع أنه امتد بشكل واضح إلى البحر الأحمر واليمن، باعتبار أن طريق البخور كان يمر من تلك المناطق، ومعروف أن الأحباش (حلفاء الروم) سيطروا على اليمن بين سنتي (525 – 575 م)، وبنى القائد أَبْرَهة الحبشي كاتدرائية فخمة اسمها القَلِيس (من اكليسيا اليونانية وتعني بِيعة)، وجعل العرب يحجّون إليها بدل الحج إلى الكعبة في مكة، وعمل لتنصير البلاد، فمدّ الساسانيون يد العون للزعيم اليمني سَيف بن ذي يَزَن سنة (575 م)، ودحروا الأحباش، ثم سيطروا على اليمن، وظل الحكم الساساني قائماً في اليمن إلى أن ظهر الإسلام (فيليب حتي وآخران: تاريخ العرب ص 99 – 102).
• بدءاً من حوالي سنة (651 م) حلّ العرب المسلمون محل الساسانيين في السيطرة على غربي آسيا، وكان عليهم- والحال هذه- مواجهة النفوذ الأوربي ممثَّلاً بالإمبراطورية الرومية (البيزنطية)، وكانت عاصمتها القسطنطينية (إستانبول حالياً)، وجدير بالملاحظة أن الجيوش الإسلامية سارت في المسارات ذاتها التي سارت فيها الجيوش الفارسية والإغريقية والرومانية سابقاً، وإليكم بعض الأدلة:
1 – أول ما بدأ به النبي محمد (ع) على الصعيد الإقليمي أنه أزال النفوذ الفارسي عن اليمن، وألحقها بالدولة الإسلامية الناشئة، وهذا هو التمدد على طريق البخور جنوباً، فموانئ اليمن كانت مراكز هامة للتجارة العالمية، ومن غير السيطرة عليها لا تبقى الحركة التجارية في الحجاز (مركز الدعوة الإسلامية) بمأمن من الاختناقات.
2 – الخطوة التالية التي قام بها النبي محمد هي التوجّه إلى جنوبي بلاد الشام، حيث النفوذ الرومي، فوجّه حملة بقيادة زيد بن حارثة إلى جنوبي بلاد الشام (الأردن حالياً) عُرفت بغزوة مُؤْتَة سنة ( 8 هـ = 629 م)، ولما أخفقت الحملة في تحقيق الهدف، قاد النبي بنفسه حملة أخرى عُرفت بغزوة تَبوك سنة (9 هـ = 630 م)، وهذا يعني التمدد على طريق البخور شمالاً باتجاه السواحل الشرقية للبحر الأبيض المتوسط؛ إذ لا تكفي السيطرة على النهايات الجنوبية لطريق البخور في اليمن، وإنما لا بد من تأمين سلامة الحركة التجارية شمالاً باتجاه شرقي المتوسط أيضاً.
3 – استكمل الخلفاء مشروع الفتوحات، على محورين رئيسين:
أ – محور شرقي: باتجاه بلاد الرافدين، فكردستان، ففارس، فبلوشستان، فشرقي آريانا، فأفغانستان، إلى حدود الصين، وهو المسار نفسه الذي سارت فيه جيوش الفرس والإغريق، وقد يبدو غريباً أن الجيوش الإسلامية حسمت الصراع ضد الساسانيين في بلاد الرافدين، وأن الملك الساساني الأخير يَزْدَجِرْد الثالث نقل مركز قيادته إلى أگباتانا (آمدان = هَمَذان) عاصمة الميديين، وتحصّن في جبال ميديا، ثم فر شرقاً في المسار الذي فر فيه الملك الأخميني الأخير دارا الثالث سنة (330 ق.م)، هرباً من الإسكندر المكدوني، وإذا أخذنا المعطيات الجيوسياسية بالاعتبار وجدنا الأمر طبيعياً.
ب – محور غربي: باتجاه سوريا وسواحل البحر المتوسط، وانقسم هذا المحور إلى مسارين: الأول شمالي باتجاه الأناضول، وشمالي كردستان، وأرمينيا. والثاني جنوبي باتجاه مصر وشمالي إفريقيا، وقد مرّ أن الآشوريين والأخمين والساسانيين تحركوا على هذه المحاور والمسارات قبل العرب؛ وإذا أخذنا المعطيات الجيوسياسية بالاعتبار وجدنا الأمر طبيعياً أيضاً.
• سيطر العرب المسلمون على إسبانيا (الأندلس) في الزاوية الجنوبية الغربية من أوربا، وبذلوا محاولات جادّة للسيطرة على قُسْطَنطينية في الزاوية الجنوبية الشرقية من أوربا، وكان الهدف هو السيطرة على جنوبي أوربا من محورين: محور شرقي ينطلق من البلقان، ومحور غربي ينطلق من إسبانيا، ولعل هذا يذكّرنا بمحاولات الملوك الأخمين قبل الميلاد بخمسة قرون.
• ما من دولة قوية نشأت في آسيا الوسطى إلا وكانت تسير مع فروع طريق الحرير باتجاه الغرب، وتحاول السيطرة على ميديا وقرينتها الأبدية بلاد الرافدين، تمهيداً للوصول إلى النهايات الغربية لفروع شبكتي طريق الحرير وطريق البخور؛ أقصد آسيا الصغرى وسوريا وسواحل شرقي التوسط، وكانت السيطرة على سواحل شرقي المتوسط تفرض حتمية السيطرة على مصر، لقطع الطريق على كل تهديد قادم من هناك، ومن الأمثلة على ذلك:
1 – ظهرت الدولة السُّلْجوقية التركية في شمالي أفغانستان وما يجاورها من بلدان آسيا الوسطى حالياً، وتمددت غرباً، فسيطرت على فارس وأذربيجان وشرقي كردستان والعراق، ولم يقر لها قرار حتى سيطرت على شمالي كردستان أيضاً، وقضت على الدولة الدُّوسْتكية (المَرْوانية)، ثم اندفعت من هناك باتجاه كل من آسيا الصغرى غرباً وسوريا جنوباًً.
2 – ظهرت الدولة الخُوارَزْمية التركية في المناطق ذاتها التي ظهرت فيها الدولة السلجوقية، وتمدّدت غرباً، وليس من العبث أن آخر سلاطينها جلال الدين الخوارزمي سيطر على أذربيجان، وغزا جنوبي كردستان، واقترب من مشارف بغداد، وحاول جاهداً السيطرة على شمالي كردستان، تمهيداً للاندفاع نحو آسيا الصغرى وسوريا، لكنه لقي مصرعه على يد أحد الكرد، بسبب ما ارتكبه من مجازر فظائع تقشعر لها الأبدان.
3 – ظهر المغول في آسيا الوسطى بقيادة جنگيزخان، وسيطروا على فروع طريق الحرير في الصين ووسط آسيا، لكن حتمت عليهم الجغرافيا السياسية أن يتمددوا غرباً، للوصول إلى شرقي المتوسط، وكُلّف هولاگو (حفيد جنگيزخان) بهذه المهمّة، وليس من العبث أن زحفهم لم يتوقف إلا في (عين جالوت) بفلسطين، وأن المماليك (حكام مصر حينذاك) هم الذين تصدّوا لهم في معركة (عين جالوت)، وألحقوا بهم الهزيمة؛ لأن الزحف المغولي كان يهدف إلى السيطرة على مصر نفسها (انظر إسماعيل عبد العزيز الخالدي: العالم الإسلامي والغزو المغولي).
• كل تفسير للصراع الطويل والمرير بين الدولتين الصفوية والعثمانية، في القرن (16 م)، يبقى ناقصاً ما لم نأخذ في الحسبان رغبة الصفويين في السيطرة على سواحل شرقي المتوسط، ورغبة العثمانيين في السيطرة على فروع طريق الحرير بجبال زغروس. (انظر عبّاس إسماعيل صبّاغ: تاريخ العلاقات العثمانية – الإيرانية، ص 35- 36).
نتائج ختامية
شملت جولتنا هذه حوالي (4000) أربعة آلاف عام من عمر العالم القديم بشكل عام، ومن عمر آسيا الغربية بشل خاص، ونخرج من هذه الجولة بما يلي:
1. تحت جلد كل ثقافة وسياسة توجد مصلحة ما.
2. الثقافات تجلّيات نظرية (روحية/معنوية) للمصالح.
3. السياسات تجلّيات للعلاقات بين أصحاب المصالح.
4. ترجع جذور المصالح إلى المحور الاقتصادي.
5. يخضع المحور الاقتصادي لغريزة الاحتفاظ بالحياة.
6. الجغرافيا هي الحاضن الوجودي لغريزة الاحتفاظ بالحياة.
7. لفهم أحداث التاريخ لا بد من فهم العلاقة بين الجغرافيا والمصالح.
8. كانت منطقة غربي آسيا في قلب أحداث العالم القديم، لأنها كانت في صميم العلاقة الوثيقة بين الجغرافيا والمصالح حينذاك.
9. بلاد الكرد (كردستان) واقعة جغرافياً في قلب منطقة غربي آسيا؛ ولذلك كانت على الدوام داخلة في حسابات القوى الكبرى التوسعية الأهداف؛ سواء أكانت تلك القوى غرب آسيوية، أم كانت قادمة من الشرق، أم كانت قادمة من الغرب.
والسؤال المهم هو:
– ما علاقة مشروع تبشيع صورة الكرد وأبلستهم بكل ما سبق؟
هذا ما سنحاول الإجابة عنه في الحلقة القادمة.
المراجع
1. أحمد عادل كمال: الطريق إلى المدائن، دار النفائس، بيروت، الطبعة الأولى، 1977.
2. أحمد فخري: دراسات في تاريخ الشرق القديم، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، 1990.
3. إسماعيل عبد العزيز الخالدي: العالم الإسلامي والغزو المغولي، مكتبة الفلاح، الكويت، 1984.
4. بونغارد – ليفين (إشراف): الجديد حول الشرق القديم، دار التقدم، موسكو، 1988.
5. الدكتور توفيق سليمان: دراسات في حضارات غرب آسية القديمة من أقدم العصور إلى عام 1190 ق.م، دار دمشق للطباعة والنشر، دمشق، الطبعة الأولى، 1985.
6. جرنوت فلهلم: الحوريون تاريخهم وحضارتهم، ترجمة فاروق إسماعيل، دار جدل، حلب، الطبعة الأولى، 2000.
7. دياكونوف: ميديا، ترجمة وهبية شوكت، رام للطباعة والتوزيع، دمشق.
8. الأستاذ طه باقر، الدكتور فوزي رشيد، الأستاذ رضا جواد هاشم: تاريخ إيران القديم، مطبعة جامعة بغداد، بغداد، 1979.
9. دكتور عامر سليمان، أحمد مالك الفِتْيان: محاضرات في التاريخ القديم، موجز تاريخ مصر وسوريا وبلاد اليونان والرومان القديم، بغداد، 1978.
10. عباس إبراهيم صباغ: تاريخ العلاقات العثمانية- الإيرانية، دار النفائس، بيروت، 1999.
11. دكتور عبد الحميد زايد: الشرق الخالد (مقدمة في تاريخ وحضارات الشرق الأدنى من أقدم العصور حتى عام 323 ق.م)، دار النهضة العربية، القاهرة، 1967.
12. دكتور فيليب حِتّي، دكتور أدوَرد جرجي، دكتور جبرائيل جبّور: تاريخ العرب، دار غندور للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة الثامنة، 1990.
13. مجموعة من الباحثين: كركوك (بحوث الندوة العلمية حول كركوك) 3-5 نيسان 2001، دار آراس للطباعة ولنشر، أربيل، كردستان العراق، الطبعة الأولى، 2002.
14. هـ. ج. ولز: معالم تاريخ الإنسانية، ترجمة عبد العزيز توفيق جاويد، لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، 1967- 1972.
15. هيرودوت: تاريخ هيرودوت، ترجمة عبد الإله الملاح، المجمّع الثقافي، أبو ظبي، 2001.
16. وليام لانجر: موسوعة تاريخ العالم، أشرف على الترجمة الدكتور محمد مصطفى زيادة، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1959.
وإلى اللقاء في الحلقة الخامسة عشرة
د. أحمد الخليل في 17 – 4 – 2009
dralkhalil@hotmail.com