الرئيسية » مقالات » أوربا والملف النووي الإيراني

أوربا والملف النووي الإيراني

لا يمكن لأوربا أن تسمح لإيران بإمتلاك السلاح النووي ، شأنها بذلك شأن أمريكا وإسرائيل وبعض الدول الأخرى، لأن إمتلاك إيران للسلاح النووي يعني الكثير وأهم ما يعنيه هو إختلال في ميزان القوى العسكرية في منطقة الخليج والشرق الأوسط وتهديد مباشر لوجود إسرائيل. عندما تمتلك إيران القنبلة النووية ستخرج من عنق الزجاجة وتصبح قوة قد تخيف ولا تخاف ويحسب لها ألف حساب أمام كل خطوة تتخذ ضدها. إمتلاك إيران أهمية ستراتيجية بهذا الحجم، وهي تحت مظلة حكومة دينيّة، أمر يقض مضاجع الغربيين بل كل الخائفين من مد الإسلام السياسي.
كيف ستوقف أوربا إذن صناعة القنبلة النووية في إيران؟ وما هي السبل المثلى التي تؤول الى إيقاف إيران نشاطها النووي وتجعل الأوربيين يطمئنون لها؟ وهل سيقتنع الإيرانيون وتحل هذه المعضلة الشائكة سلميّا؟. أسئلة معقدة وصعبة والجواب عنها يتحمل الكثير من النقاش والشك. الأوربيون بشكل عام يتوقون الى أن يصلوا الى الهدف بإسلوب حضاري دون إستعمال القوة أو رفع السلاح، لأنهم واعون كلّ الوعي ما قد تؤول اليه الحروب من ويلات ومضاعفات وتداعيات لا تحمد عقباها والعالم في غنى عنها وعن نتائجها. كما أن لغة القوة التي تكلمت بها أمريكا في كل من أفغانستان والعراق لم يفهمها أحد ولم تأت بأوكلها حتى هذه الساعة، بل على العكس النتائج كانت وخيمة والثمن باهض دون ان يحسم الأمر بعد! هذا من جهة ومن جهة أخرى فأن الإقتصاد العالمي المترنح والأزمات المالية الحادة التي ضربت البنوك وأضعفت ثقة المستثمرين، وكذلك أسعار البترول المتذبذبة كلّها موانع هامة لأي تصعيد عسكري قد يزيد في الطين بلة. فوق كلّ هذا وذاك لا يستطيع المراقب أن يتصور الصورة التي قد تنعكس على الساحة من جراء ردود الفعل الإيرانية على أي تطور عسكري يحصل في منطقة تعتبر عصب للإقتصاد العالمي.
الموقف الأمريكي، ومهما تصاعدت لهجة الخطاب السياسي الأمريكي الموجه الى إيران، فأنه سوف لا يختلف عن الموقف الأوربي وللأسباب التالية: أمريكا لا يمكن أن تغامر مرة أخرى وتقتحم دون التشاور الجاد مع الأوربيين في أي خطوة خطيرة تخطوها، خصوصا بعدما خالفوا الركب الأوربي الذي كانت تقوده فرنسا وألمانيا عند إجتياح العراق وأدى الى وقوع الأمريكان في محنة لا يعرفون طريق الخلاص منها. أوربا اليوم هي أكثر تماسك وصلة عما كانت عليه أيام الحرب على العراق، فإن إنقسمت على نفسها بالموقف تلك المرة فإنها سوف لا تنقسم هذه المرة. ورؤوس أوربا الثلاثة ( بريطانيا، فرنسا، وألمانيا) متفقون على منهج محدد في التعامل مع ملف إيران النووي والأمريكيون لا يستطيعون تفكيك هذا المحور كما إستطاعوا تفكيكه من قبل. رئيس أمريكا الجديد باراك أوباما هو أكثر تعقلا وأعمق تفكيرا وأقل إنفعالا وتهورا من سلفه بوش، فهو يدرك مواقع الخلل في التصعيد العسكري مع إيران وعليه ألاّ ينسى جيشه المرابض بجوار إيران وعلى مرمى عصا الإيرانيين حيث يمكنهم إتعاب هذا الجيش المتعب أصلا وبشكل مباشر أو غير مباشر.
الأوربيون يعتقدون بأن ليس هناك حاجة مستعجلة للتدخل العسكري في الملف النووي الإيراني ، خصوصا وان إيران تحت رقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية وهي لم تشرع بخطوات حقيقية للحصول على القنبلة النووية بعد. أوربا عملت وتستمر بالعمل وفي شتى المحاور على منع إيران من تطوير مشروعها النووي الذي ربما يسمح لها بإمتلاك السلاح النووي. فقد إستخدمت سياسة ” الجزرة والعصا” منذ البداية، حيث سلطت ضغوطها الدبلوماسية على قادة إيران من خلال مشاوراتها المباشرة معهم أو من خلال المنظمات الدولية كمنظمة الأمم المتحدة والوكالة الدولية للطاقة الذرية ومن خلال الضغوط الإقتصادية المتمثلة بالعقوبات المفروضة من قبل الأمم المتحدة. كما أنها إستهوت الإيرانيين بعروضها الإقتصادية وتسهيلاتها الدبلوماسية من أجل إقناعهم بالكف عن مشروعهم النووي.
بدأت أوربا مفاوضاتها مع إيران عام 2003م إبان حكم الرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي،حيث قاد الوفد الأوربي وزراء خارجية كل من بريطانيا وألمانيا وفرنسا، ثم التحق بالركب منسق العلاقات الخارجية لدول الإتحاد الأوربي خافير سولانا عام 2004م . لقد تم تحقيق بعض النجاحات الملموسة من خلال تلك المفاوضات خصوصا فيما يتعلق بتوقف الإيرانيين عن الشروع بتخصيب اليورانيوم، وذلك حسب إتفاقية باريس المبرمة عام 2004م. إلاّ أن هذا الإتفاق لم يصل الى مراحله الأخيرة حيث بقيت إيران تدعي بحقها في تخصيب اليورانيوم ولم توافق على رزمة الحوافز الإقتصادية المقدمة من قبل دول الإتحاد عام 2005م، والتي كانت بنظرهم غير كافية خصوصا أنها لم تكن تنص على تعهد أمريكي بعدم التعرض عسكريا لمصالح إيران الإستراتيجية ولا تعطي تطمينات معقولة لأمن وإستقرار المنطقة. كما أن تسنم الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد رئاسة إيران وفشل هاشمي رفسنجاني، الذي كان الأوربيون يعولون عليه والذي كان متحمسا للرفاه الإقتصادي في إيران، كان قد عقد الموقف وجعل المفاوضات محنطة شيئا ما.
صدرت قرارات عن مجلس الأمن تعرضت فيها إيران الى عقوبات لا تستهدف في الحقيقة الإقتصاد الإيراني بشكل مباشر، وتكونت بنفس الوقت لجنة دولية تتكون من خمسة أعضاء يمثلون مجلس الأمن وعضو آخر وهو ألمانيا إضافة الى ممثل دول الإتحاد الأوربي. عام 2006م سلّم خافير سولانا الإيرانيين رسالة صادرة من الأمم المتحدة تحمل عرضا جديدا لتسوية الأمور العالقة في الملف النووي، ثم تبع هذا عرضا آخرا في حزيران” يونيو ” 2008م . منذ ذلك الحين والمنظمة الدولية والإتحاد الأوربي ينتظر الرد الذي لم يصل حتى هذه الساعة! هنا يتساءل المراقب : لماذا يغيب الرد الإيراني الى هذه الساعة ؟.
قد يكون الجواب هو أن الإيرانيين لا يشعرون بإحراج أو حاجة ماسة أو خطر على الأبواب، فهم ينطلقون من موقع القوة وبيدهم زمام المبادرة وذلك للأسباب التالية / أولا: معرفتهم بأن التهديد العسكري لا يمكن أن يكون حقيقة بالمعنى التعبوي فهو غير وارد خصوصا في هذه الفترة وللأسباب التي ذكرت أعلاه. فهم بحالة إسترخاء ومراقبة في نفس الوقت ينتظرون أحسن العروض وأكثرها فائدة! ثانيا : العقوبات التي فرضها مجلس الأمن كان قد أستخدمها السياسيون الإيرانيون كشعار للتحدي وشحن الهمم ، فكسبوا رأي الشارع الإيراني المتحدي للعقوبات والذي يطالب بحق إيران بالإستفادة من الذرة في إحتياجاتها المدنية. هذا الواقع أنقذ القيادة السياسية الإيرانية من طائلة التذمر والسخط الشعبي إزاء سياساتها وجنبهم النقد المباشر جراء الكساد الإقتصادي وإنخفاض المستوى المعاشي للمواطن الإيراني. ثالثا : يدرس الإيرانيون في الوقت الحالي مبادىء السياسة الأمريكية الجديدة في ظل حكم الرئيس الأمريكي الجديد، وما ستتمخض عنه مناورات إيران على الساحة ولعبها بورقتي العراق وأفغانستان. إذن عملية كسب الوقت تصب في مصلحتهم، فهم لا يريدوا أن يجيبوا على عجل وقبل وضوح الرؤيا والتيقن من أين تؤكل الكتف!
كما تراقب إيران وتترقب فالغرب يراقب ويترقب أيضا. فأوربا تنتظر ما ستأتي به الإدارة الأمريكية الجديدة من جديد في شأن الملف النووي الإيراني، لأنها تريد أن تخرج بخطاب موحد معها. كما أن الأمريكيين يدرسون الموقف من كل جوانبه وجبهاته متخذين كافة الأمور بنظر الإعتبار، وأهم ما أعنيه هو الموقف في العراق وإفغانستان وما تملكه إيران من ناصية في هذين البلدين. كذلك إيران وموقفها من القضية الفلسطينية ودعمها ومساعداتها الى كل من حركة حماس وحزب الله في لبنان. دون شك أمريكا لن تفوت إمكانية التفاهم مع الروس وإقناعهم بالتوقف عن مساعداتهم التقنية لإيران مقابل إيقاف أو تأجيل نصب الدروع الصاروخية المضادة في الأراضي البولونية والتشيكية. وهكذا يجد المراقب بأن من يريد أن يتعامل مع الملف النووي الإيراني عليه أن يتعامل بشكل غير منفصل عن الأمور العالقة الأخرى والتي تلعب فيها إيران دورا لا يستهان به وتجعل أبواب المقايضة مفتوحة على مصراعيها.
رغم أن التكهنات توحي بجولة جديدة من المشاورات والمقايضات بين الغرب وإيران، وأن ظروفا وأحداثا دولية جعلت أصحاب الشأن في الغرب في موقف فيه ضعف وهشاشة أمام الإيرانيين، إلاّ أن على الإيرانيين أن يتوقعوا إمكانية حصول مفاجاة من طرف مستتر، لا يرعوي بما يدور في العالم، قد يكون في حالة إستنفار كامن وعلى أهبة الإستعداد لتسديد ضربة مباغتة ومدمرة لمنشآتهم النووية وغير النووية! ويحصل نفس الذي حصل للمفاعل النووي العراقي (تموز) عام 1981م حينما كان العراق منشغلا في حربه مع إيران. فهل يتحسّب الإيرانيون لذلك وما هي أسس الحيطة والحذر…؟ وهل سيخرجون منتصرين أمام هذا الحدث إذا ما حدث….!؟.