الرئيسية » مقالات » العولمة في منظور جان بودريار

العولمة في منظور جان بودريار

كان جان بودريار ( 1929 – 2007 ) أحد المفكرين النشطين في الفكر الفرنسي و الأوروبي عامة في تشريح السلطة و الكشف عن أسرارها و خاصة أساليبها في إعادة إنتاج الحقيقة في شكل إيهام أو فوق واقع يخدمها , و خاصة و أنه قد انضوى , مع جاك دريدا , في حركة العولمة البديلة قبل وفاته . في تعريفه للعولمة يفرق بودريار بين الكونية Universalization و العولمة Globalization , فالتشابه بينها كما يراه مخادع , تدور الكونية عن حقوق الإنسان , الحرية و الثقافة و الديمقراطية , أما العولمة فهي على العكس تتعلق بالتكنولوجيا , السوق , السياحة , و المعلومات . و هكذا بينما نجد أن العولمة غير عكوسة فإن الكونية ما زالت تتقدم . إن الهدف الأعلى لأية قيمة هو في أن تصبح كونية , لكننا لا نقدر فعلا المخاطر التي ينطوي عليها هذا السعي , في هذه الحالة بدلا من أن تبقى دافعا للارتقاء تصبح ميلا نحو الدرجة صفر في كل القيم . في عصر التنوير كانت الكونية ترى كنمو غير محدود باتجاه التطور . لكنها توجد اليوم بشكل غيابي و يجري التعبير عنها كهروب إلى الأمام يهدف إلى الوصول إلى أدنى قيمة مشتركة , هذا هو مصير الحرية و حقوق الإنسان اليوم , حيث يكون انتشارها في الواقع أضعف تعبير عنها . تتلاشى الكونية بسبب العولمة , حيث تضع عولمة التبادل نهاية لكونية القيم . مع خسارة القيم الكونية لشرعيتها و سلطتها تتحول الأمور باتجاه أكثر راديكالية , فيستأصل الانتشار المظفر للعولمة كل أشكال الاختلاف و كل القيم الكونية التي تدافع عنه . بالتالي تؤدي العولمة إلى ظهور ثقافة غير متمايزة بالكامل , لا اختلاف فيها . منذ لحظة اختفاء الكونية هيمنت بنية تكنولوجية معولمة , لكن هذه البنية التكنولوجية عليها الآن أن تواجه اختلافات جديدة دون وجود القيم الكونية التي دمرتها هي هذه المرة . اليوم بينما تواجه مفاهيم الحرية و حقوق الإنسان نظاما عالميا دون أية بدائل من جهة و مع وجود اختلافات ثورية جارفة على الجهة الأخرى , تصبح هذه المفاهيم مجرد أشباح لماضي الكونية . اعتادت الكونية أن تدعم ثقافة تتميز بأفكار الذاتية , التجاوز , الواقع , لكن الثقافة العالمية الافتراضية اليوم تستبدل الأفكار بالشاشات , بالأرقام , بالشبكات . في الكوني كان ما يزال هناك مكان للإشارة الطبيعية إلى الجسد , الماضي أو العالم , كان هناك نوع من التوتر الديالكتيكي أو الحركة النقدية التي وجدت مادتها في العنف الثوري , لكن طرد هذا العنف الثوري يفتح الباب أمام عنف جديد , ما يسميه بودريار بعنف العولمة . يتميز العنف الجديد بسيطرة الكفاءة التكنولوجية , التنظيم الكامل , و التوزيع الكامل . من هنا ينشأ العنف الجديد , من نظام يلاحق أي شكل للاحتجاج و الاختلاف , إنه عنف مجتمع يحظر فيه النزاع , و لا يسمح فيه حتى بالموت كتعبير نهائي عن الاختلاف . ردا على سؤال من سيهزم العولمة , يرد بودريار بأنها لن تكون الحركة المناهضة للعولمة التي انخرط فيها هو نفسه قبل موته , هذه الحركة مهمة سياسيا عند بودريار لكنها ليست ذا تأثير رمزي مهم . إن البدائل الإيجابية لا يمكنها وفقا لبودريار أن تهزم النظام المهيمن , لكن الأشياء المختلفة عنده ليست إيجابية و لا سلبية , إنها تعبر عن نظام رمزي مختلف . ليس هناك صراع بين الحضارات هنا , بل مواجهة أنثروبولوجية بين ثقافة عالمية غير متمايزة و كل شيء آخر . بالنسبة للسلطة العالمية , أي شكل للاختلاف هو هرطقة . يحمل بودريار نبوءة متشائمة بالنسبة للحضارة , الغربية على الأقل , إنه يرى أن كل حضارة تصبح عالمية تفقد تمايزها وتموت , هذا ما حدث لكل الحضارات التي فرض عليها الغرب بالقوة أن تصبح مثله , يرى بودريار الفرق فقط في أن الحضارات الأخرى ماتت بسبب اختلافها , و كانت هذه ميتة جميلة , لكن الغرب يموت لأنه يفقد تمايزه و يدمر كل قيمه , و هذه ميتة أسوأ بكثير .

لا ريب أن التشاؤم صفة أساسية للمقاربة الفكرية المختلفة أو المعارضة التي يمثل بودريار نموذجا مهما عنها , إن النقد البودرياري للعولمة بشكلها السائد كئيب , لكنه عميق , و لعل هذا صفة ضرورية لهذا النقد في مواجهة العولمة الرأسمالية بما تنسبه لنفسها من نهاية إيجابية للتاريخ البشري , لتنكشف عن نهاية سلبية , مأساوية , لهذا التاريخ , هكذا تفرض العولمة شكل النقد الموازي لها , عندما تصبح دعواها في نهاية التاريخ هي المرجعية التي تشكل قاعدة الجدل معها . 

– Jean Baudrillard , The spirit of terrorism , Le Monde , 2 novembr 2001 .
– Jean Baudrillard , La Violence du Mondial , from Power Inferno ( Paris : Galilee , 2002 ) .