الرئيسية » الآداب » الجواهري في بعض حلِّه وترحاله

الجواهري في بعض حلِّه وترحاله

ما كان الجواهري الكبير، وحتى ما قبل رحيله بثلاثة أعوام، وحسب، ليملّ، أو يكلَّ من الحلّ والترحال في رحاب المعمورة، قديمها وحديثها.. ولربما يكفي دليلاً على صحة ما ندعي، أنه زار وأقام، في سنوات تسعيناته، وخلال الفترة 1991-1994 تحديداً، في كل ٍ من براغ وبودابست ولندن والرياض وأبو ظبي والقاهرة وعمان وطهران، فضلاً عن دمشق التي كانت منطلقه إلى تلك العواصم، وفيها أنهى التطواف الذي دام حتى 1997. 
                 
… ولم يكن “أخو الطير” كما يصف نفسه، ليحمل سوى “منقار وأجنحة أخف ما لمّ من زاد أخو سفر”، وهو يجوب “عرياناً” مدن وبلدان الدنيا… يريح الركاب فترة، ليثقله فترات مضاعفة، باحثاً عن مستقر لنفس أبت أن يكون مسارها رتيباً، وخشية أن “يروح ولم يبق له ذكرا”.. واضعاً “نور الشمس” هدفاً أول في مسيرته الحياتية والابداعية.

… كما لم يكن الشاعر الكبير ليعترف بأن للطموح أزمنة أو أمكنة محددة، فأنى ثوى، كان يشعر بالاغتراب وسواء “في دارة الشمس أو دوارة القمر”، وهكذا ظل حتى نهاية المطاف “في كل يوم له عشٌ على شجر” دون أن يتعب من ثقل السنين…

وبين ذلك الاستقرار المؤقت، أو الهدوء الذي يسبق العاصفة الجواهرية المتفردة، بقي التمرد عنوان ما يحمل من أفكار، والثورة على الرتابة هدفاً لفلسفته في التغيير والتنوير.. “”يصدع فواحشاً” حيناً، و”مجافياً كالنسر ديداناً صغاراً” حيناً آخر، وبينهما غضب عارم عندما يرى “الذلّ اسارا” عازفاً عن “متبلدين شكا خمولهم الذباب” أو واقفين على منتصف الطريق فما “همُ للشعب في كله، وليسوا إلى الجانب الآخر”.

لقد تغرب الشاعر الكبير حتى في وطنه الذي كان يريده ناهضاً، ثائراً، متطلعاً إلى المستقبل، والحياة التي يستحقها، وقد بدأ بنفسه قبل أن يستنهض الآخرين ويدعوهم للتحدي والمواجهة والتغيير، فهو الواصف ذاته، ومنذ الأربعينات الماضية: حر يحاسب نفسه أن ترعوى، حتى يروح لمن سواه محاسبا”… وقد أوفى بذلك العهد والوعد، شاعراً، وداعية، ومنوراً، بل وانساناً قبل كل هذا وذاك.

مع تحيات مركز الجواهري في براغ

www.jawahiri.com
jassaany@yahoo.com