الرئيسية » مقالات » نحو استراتيجية وطنية شاملة لمواجهة الارهاب الابيض في العراق

نحو استراتيجية وطنية شاملة لمواجهة الارهاب الابيض في العراق

“اذا سرق فيهم الغني تركوه واذا سرق فيهم الفقير اقاموا عليه الحد”
“من غشنا ليس منا”
“واذا قيل لهم لا تفسدوا في الارض قالوا انما نحن مصلحون،الا انهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون”

المقدمة
ثقافة الفساد وانقلاب المفاهيم
هوة الفقراء والاغنياء
غسيل الاموال والشركات الوهمية
فساد عسكري وميليشياتي
العمليات الانتخابية
المحاصصة والتوافقية
معوقات ام معرقلات
الوعي القانوني

• المقدمة

يتحول الفساد(Corruption)من ظاهرة(Phenomena)الى نظام وطريقة للحياة في بلادنا،وآلية لعمل دوائر الدولة العراقية وشركات القطاع الخاص والمؤسساتية المدنية والمجتمعية.واهم مظاهره الرشوة التي تتعدد انواعها،واهمها الرشوة التي تدفع من اجل الحصول على منفعة ما،وبالاخص المنافع الحكومية،وكذلك لتحقيق المآرب والمصالح الخاصة.لقد تحولت الرشوة في بلادنا الى لزوم مهم للمشاريع ولتسيير بعض حلقات العمل الاداري هنا وهناك،وممارسة اجتماعية ناجعة للحصول على الحقوق.ولا يمكن لكاشفي وفاضحي الفساد الاستمرار،ما لم يكونوا ذوي نفوذ وقدرة وسلطان،والا عليهم الهروب او التراجع!
ان مجرد ابداء الاستعداد لبيع الدولة بعض من مؤسساتها الاقتصادية يخلق بحد ذاته الحافز الكبير للفساد والافساد.ويمتد الفساد الى ما وراء الاختلاسات المالية ليشمل العديد من مظاهر”سوء استغلال النفوذ والسلطة”مثل المحاباة والمحسوبية والمنسوبية والاكراه والترهيب والاستغلال وشراء الذمم وتقاضى العمولات ونظام الواسطة بهدف تحقيق مآرب سياسية او اجتماعية او تغيير النتائج الانتخابية واعمال التقييم والاستفتاء وتمشية المعاملات او عرقلة المساعدات الانسانية وتحويلها الى مجموعات غير محسوبة اصلا.ومن الطبيعي ان يكون لانتشار الفساد الآثار والتداعيات السلبية على مجمل الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية!
الفساد مؤسسة لها ادواتها التي تستقطب ضعاف النفوس والباحثين عن الثراء في مرحلة الانهيار السياسي والقيمي والوطني.والفساد جريمة لا تضبط بسهولة لانها جريمة ضمير قد لا تمس القانون ولا تتجاوزه بالاخص عندما تكون الانظمة والقوانين القائمة غير منسجمة مع روح العصر،وعندما تسود فترات التراجع السياسي والثوري والانفصام الديني والوطني ونهوض الولاءات العصبوية دون الوطنية كالعشائرية والطائفية والجهوية بديلا عن القانون.
لم تتخل الادارات الحكومية في العراق عن اساليبها القديمة التي اكتسبتها في ظل اوضاع شاذة كان كل هم الموظف فيها،هو ان يحمي نفسه من المساءلة وهو يطبق القانون ولو ادى ذلك الى هدر حقوق الناس وامالهم وتطلعاتهم.الادارات العامة في بلادنا بقت على حالها،رغم تشريع دستور دائم،ويقودها في مرافق متعددة ممن ابدعوا في التفسيرات الرجعية للقوانين النافذة!وتبدو الالاعيب الادارية،واختلاق المبررات،والاختلاسات والرشاوي،والابتزاز،وممارسة التجارة غير المشروعة،وغسيل الاموال،سرقة وتهريب الآثار ونهب كنوز المتاحف،واعمال المضاربة واقتصاد الصفقات والعمولات،محاباة الاقارب والاصدقاء والمعارف،سوء استغلال المعلوماتية للتداول بالاسهم،…تبدو جميعها احيانا لا تمس الانظمة المعمول بها لأنها تخفي جوهر الجرائم.ويؤثر انتشار الفساد عبر الرشاوي والاكراميات مقابل الحصول على الخدمات والتراخيص والمستحقات ورفع الاسعار،سلبيا على مناخ الاستثمار والتنمية الاقتصادية.
اسهمت عوامل كثيرة في انتشار الفساد السرطاني بالعراق،ومنها اتباع نظام المحاصصة في الدوائر السياسية وجميع مرافق الدولة واجهزتها(للفساد محاصصة تحميه)،الازمات الدورية بين حكومة المركز والحكومات المحلية وهشاشة الرقابة والاشراف،عدم متابعة الاموال التي قدمتها الدول المانحة للعراق وبخاصة التي قدمتها القوات متعددة الجنسيات الى الوزارات او الحكومات المحلية لاقامة مشاريع معينة بعيد التغيير، الامر الذي جعلها في عداد المال السائب الذي يشجع ضعاف النفوس على السرقة،تواضع الاجراءات القانونية اللازمة بحق اعلام الفساد،الفساد الاداري وعدم وجود الشخص المناسب في المكان المناسب،الفساد السياسي و(اسكت عني واسكت عنك)،عدم وجود الكشوفات المالية المطلوبة من وزارة المالية والدوائر المرتبطة بها تبين من خلالها ديناميكية الايرادات والانفاق!.
ان الفساد المتفشي في اغلب مؤسسات الدولة كان ولا يزال احد الروافد الحيوية المغذية لعوامل العنف المباشر ومصدر تمويل ثري بالنسبة للجماعات المسلحة،فضلا عنه كونه وسيلة غير شرعية لدى بعض الاحزاب المشاركة في العملية السياسية،لتمويل نشاطاتها واثراء بعض اعضائها دون مراعاة لحقوق بقية المواطنين.لقد وقف الفساد وراء حرائق المؤسسات الحكومية،وحرائق اخرى بضمنها ماحدث لعدد من الاسواق التجارية!جعجعة السلاح تتعالى وطبول الحرب تدق ايذانا بوجود منازلة كبرى بين اعلام الفساد ومن يتحمل مسؤولية الدفاع عن المال العام!لمصلحة من يـُحصّن الفاسدون؟

• ثقافة الفساد وانقلاب المفاهيم

لازال العراق يقبع في مقدمة قائمة الدول”الفاشلة”التي تصدرها تقارير المعاهد العالمية،ومنها مجلة”السياسة الخارجية”الامريكية وصندوق السلام العالمي،والدولة”الفاشلة”هي الدولة التي لا يمكنها السيطرة على اراضيها،وعادة ما تلجأ للقوة،وتفشل حكومتها في اتخاذ قرارات مؤثرة،بالاضافة الى عدم قدرتها على توفير الخدمات لابناء شعبها،فضلا عن فشلها في التعامل بفاعلية مع المجتمع الدولي،وعادة ما تشهد معدلات فساد وجريمة مرتفعة.وتعددت اشكال الفساد في العراق فمن الروتين القاتل الذي لا يتحرك الا بالرشوة،الى الغش وتزوير العلامات التجارية الوطنية والعالمية على الأغذية والصناعات التجميلية والأدوية،وتزوير الوصولات والمعاملات،الشهادات العلمية المزورة،الى تجارة الاعضاء البشرية،تهريب النفط وتجارة السلاح والمخدرات والادوية،تزوير العملات والوثائق والمستندات الحكومية،المتاجرة بالنساء،تجارة الاختطاف لقاء الفدية او تأجير القتلة لتنفيذ التصفيات- وبينها تصفيات بحق المعترضين على اللصوصية والفساد،مرورا بتجارة النفايات واستخدام الاساليب العصرية في عمليات الاحتيال والنصب الالكتروني المنظم التي لا تترك اثرا او دليل ادانة للجاني.اتساع التزوير في خدمة من؟ولمصلحة من؟
مصادر في وزارة التعليم العالي العراقية اعلنت ان آلاف الشهادات العلمية المزورة تسربت الى العراق من ايران وبتخطيط من جهات استخباراتية ايرانية(ما يقرب من 45 الف شهادة ووثيقة تحمل اختام وتصديقات جهات علمية واكاديمية ايرانية)وتم اعطاؤها لعناصر موالية لايران لمساعدتهم على اشغال مواقع وظيفية مهمة في العراق،ليتمكنوا من خدمة المخطط الايراني الرامي الى اقصاء جميع العراقيين الذين يرفضون النفوذ الايراني في العراق،وفي محاولة لتخريب العملية التعليمية في العراق.وقد طالب مجلس النواب المسؤولين العراقيين من درجة مدير عام وصولا الى رئيس الجمهورية بتزويد المجلس بشهاداتهم الدراسية المصدق عليها من الجهات العلمية التي اصدرتها،لكن لم يقدم اي من المسؤولين شهادته للمجلس.ان اخطبوط ومافيات التزوير التي قامت بتزوير 45 الف شهادة لقادرة على اشاعة الفساد في كل مرافق الدولة،ووقف اي نشاط مثمر ونزيه لها،واية خطوة لاشاعة الاستقرار وسيادة القانون ودحر الارهاب والعبثيين في بلادنا.
يمتلك الفساد ثقافته التي تمنح التهور صفة الشجاعة والتبذير صفة الكرم والسخاء،والبخل صفة الاقتصاد واللؤم صفة الحصافة،وتزور كل المفاهيم والقيم وتعطيها معان جديدة فارغة،وتفرغ المصطلحات من كل مفهوم!ومع الفساد لا يجد المتقدم لطلب العمل الفرص متكافئة امامه!ولا يجد المواطن الواقف في طابور ما نفعا من هذا السلوك فالمخالفة انفع من الانصياع للنظام العام،ويلطم صاحب الحق على فمه كي لا ينطق بكلمة حق!،ويهان ويحتقر العالم والمفكر وذوي الخبرة والاختصاص،ويجل اصحاب المال ورجال الاعمال فقط،ويتحول السارق والمختلس الى سبع وشاطر،ولا يجر الخجل من السلوك الخاطيء وممارسة كل فعل منحط بسبب كون الناس جميعا يفعلون هكذا!
بالبيروقراطية الراهنة لا يختلف موظف اليوم شيئا عن موظف الامس بل هو مكمل لمسيرة الامس التي طواها الزمن،حيث لازال معظم الموظفين في اجهزة الدولة الحديثة يعاملون الناس باسلوب عنجهي متشنج بمجرد الاختلاف معهم في الرأي،حتى يصبح الموظف في بعض المواقف كأنه خصما للمواطن المراجع حول قضية تخصه،فيصر على عدم انجازها مهددا المواطن بلغة سمجة”اذهب واشتكي اينما تشاء..فهذا باب المدير العام..وذاك باب الوزير.”!
الطفيلية،من جهتها، تلهث وراء الربح الحرام والمتضرر هو المواطن العراقي،مستغلة غياب الرقابة وضعف الأجهزة الأمنية والتقييس والسيطرة النوعية.الفساد موشور هندسي تراه من كل جانب بوجه ولون!ويرتبط الفساد في العراق بالمعضلات الأخرى من غياب الأمن والخدمات،وتفاقم البطالة، وتدهور الوضع الاقتصادي والمعاشي،حتى الاحتراب الطائفي،وانتهاك حقوق الانسان والصراع على النفوذ!
لثقافة الفساد ابعد الآثار السلبية على عملية الاعمار واعادة الاعمار والبناء،وتزدهر مع انتعاش”بيزنس الحرب”والارهاب والتخريب وتغييب الديمقراطية والمؤسساتية المدنية والرقابة الاعلامية والشعبية،تزدهر مع سياسة الاستيراد مفتوح الأبواب دون ضوابط ولا فحص ولا كفاءة او جودة منتوج.ومن عوامل تعاظم الفساد الذي يعوق الاعمار ويفاقم المعاناة ويدمر القيم الروحية،غياب مقومات الشفافية في ظل تنامي دور ونشاط الفئات الطفيلية،الذي يعكس حقيقة ان الفساد ظاهرة اقتصادية سياسية مركبة تستند الى بنية اجتماعية ونمط ثقافة يرتبطان بالتخلف!
لثقافة الفساد الآثار السلبية على ذوي الدخول المحدودة والكادحين وفي تلبية احتياجات المواطنين الضرورية من الخدمات العامة كالكهرباء والمياه الصالحة للشرب والخدمات الطبية وحق العمل لجميع المواطنين بغض النظر عن انتماءاتهم،وغيرها من القضايا التي تشكل عائقا امام تطور المجتمع العراقي اقتصاديا واجتماعيا.لثقافة الفساد اكبر الضرر على البطاقة التموينية ليجر استقطاع النسبة الكبرى من اموال البطاقة للعمولات والرشى والمتبقي يذهب الى مواد رديئة قليلة الكمية لا تغني ولا تسمن،مواد تالفة وغير صالحة للمستهلك ومواد فاسدة تضر باوراحنا وصحتنا،الى جانب عدم انتظام توزيعها على المواطنين،والفساد هنا يستهدف الغاء البطاقة التموينية تنفيذا لشروط صندوق النقد الدولي!
نحن في مواجهة ثقافة مستشرية في المجتمع خرجت من كونها جرما اقتصاديا او اخلاقيا،وتطورت الى ممارسة اجتماعية متجذرة في المنظومة الاخلاقية العراقية!تقابلها ثقافة وطنية ديمقراطية لازالت تحبو لتحارب الفساد وتقوضه وترمي بضوء الشمس على ملفات ووثائق مدفونة تحت ارض المحاصصة والصفقات السياسية.
وفق التقارير المعتمدة لهيئة النزاهة،فقد بلغت خسائر العراق منذ سقوط النظام الدكتاتوري حتى يومنا هذا(250)مليار دولار بسبب تفشي ظاهرة الفساد المالي،وخسر العراق خلال هذه الفترة(45) مليار دولار من تهريب النفط الخام و(45) مليون دولار من تهريب المشتقات النفطية،وجرى حرق(600) مليون متر مكعب من الغاز سنويا دون ان ترف لها جفون قادة عراق اليوم..وتم انفاق(17)مليار دولار على قطاع الكهرباء خلال نفس الفترة،والكهرباء تسير من سئ الى أسوء!رغم تحسن الوضع الامني بشكل كبير في كثير من مناطق العراق وانخفاض العمليات العسكرية.

• هوة الفقراء والاغنياء

يعكس الفساد الوشائج البنيوية الطبقية في المجتمعات الاستغلالية،ويمتلك المحتوى الطبقي عبر الترويج لأفكار الطبقات البورجوازية وبالاخص الكومبرادورية والطفيلية والبورجوازية الصغيرة(الديمقراطيـة الليبراليـة…)،وهي طبقات انانية الطابع مبتذلة مشبعة بالقسوة الاستفزازية والاغتراب والانعزال،تتمسك بالمسرح السياسي ومواقع اتخاذ القرارعبر شتى الوسائل ومنها الفساد والافساد،طبقات تعتمد عليها قوى الاحتلال في تنفيذ مآربه ومصالحه.عندما تنتشر الرشوة والفساد في بلد ما فهذا لا يدل على فساد الضمائر فحسب وانما يدل على سوء توزيع الثروة!ويؤدي انخفاض القدرات الشرائية وحجم الطلب على السلع بسبب تدني الاجور والرواتب الى الركود والكساد الاقتصادي وانحسار العرض ونقص الانتاج،بينما يخلق خلل السياسة الضريبية المتبعة الهوة بين النفع العام والمنفعة الخاصة لصالح حفنة من الاغنياء والطفيليين الذين يتاجرون بارواحنا قبل اقتصادنا ولقمة عيشنا،وليستفيد قطاع التهريب من فوضى الاسعار وفقدان السيولة النقدية.
يتقوى عود الفساد بالقدوة السيئة التي يضربها الحكام والمسؤولين واصحاب الجاه والنعيم ورجال الدين،واهتزاز نظم القيم،ونقص مستويات الوعي والمعرفة،والفقر والحاجة والبطالة،والجشع والجهل والامية الى جانب فساد الانظمة وقصورها وتخلفها وعدم وضوحها.يتجلى الفساد هنا في الابتزاز اليومي بالمساومة على امن وكرامة واعراض وراحة وارواح المواطنين بالترهيب والترغيب ليتحول في نهاية المطاف الى سمة ملازمة للترهل البيروقراطي،والكسب غير المشروع،والغش التجاري والصناعي،والتهريب،وشيوع مفهوم السلطات – المزرعة!
ماذا حصـد ويحصـد الملايين مـن فقراء بلادنا وابناء شعبنا؟لا شيء غير البؤس الموروث،لا شي غير دموع الأحباط وخيبـة الأمـل وحسرة اوجاع الانتكاسات والدمار والموت اليومي،واستمرارية وراثة الجوع والجهل والأوبئة والعبودية المركبة،غير آلاف المهجرين والمهاجرين وآلاف الأرامل والعوانس وآلاف الآلاف مـن الأيتام والآلاف من بنات وابناء هذا الشعب المقدام الذي ابتلعته العصابات المنظمة.لا يملك 65% من العوائل النازحة(يقرب عددها من ربع مليون عائلة)دورا سكنية،وان 15% دمِرت منازلها او اغتصِبت على ايدي عصابات وميليشيات.
الفساد يخفض من مستوى الاستثمار،ويحد من المنافسة ويزيد الانفاق الحكومي،ويخفض الانتاجية ومعدلات النمو،ويخفض التوظيف في القطاع العام،ويقوض حكم القانون ويزيد عدم الاستقرار السياسي ويساهم في ارتفاع معدلات الجريمة.الفساد يشيع مناخ تدمير مؤسسات القطاع الصناعي العام تحت ذريعة”اعادة بنائها”،على نحو يؤدي الى افلاسها وعرضها للخصخصة باسعار بائسة تحت راية”الاستثمار”،وهو نهج يلحق افدح الاضرار بالصناعة الوطنية واقتصاد البلاد،ويفاقم جيش البطالة،ويستهين بمعاناة الكادحين ومستوى حياتهم،امتثالا لضغوطات ومصالح مؤسسات النهب المالي الدولية!
الفساد المنظم والشامل يبشر بشيوع الشبكات المترابطة للفساد من القمم المتربعة على رأس الهرم المجتمعي والحكومي،والنهب الواسع للمال العام عن طريق الصفقات الوهمية وتحويل الممتلكات العامة الى مصالح خاصة وبحجم كبير!شبكات منظمة فيها مسؤولين حكوميين وافراد عصابات ومهربون ومعدات تنفيذ من وثائق مزورة واسلحة ووسائط نقل وصلات مع شبكات وتجار خارج الحدود.وزراء يتحصنون بالشراكة التجارية مع النواب لتجنب الاستجواب،وليخفق مجلس النواب في تطبيق الدور الرقابي،وليصبح المواطن هو الخاسر الوحيد!شبكات مافيا تحدد كل منها سعر سلعها وخدماتها المقدمة الى”الزبائن”.
استشراء الفساد امتداد لتقاليد رسخها مهندس المقابر الجماعية،غير ان من اوصل الفساد الى مدياته الخطيرة الراهنة هو سياسات الاحتلال وصراع السياسيين على السلطة. يبدو ان الخراب الذي ورثته البلاد من نهج مهندس المقابر الجماعية لم يكن كافيا لاشباع نهم الشهوات المريضة للمؤسسات المالية الدولية،فهي تسعى،بدعم من سادة الخراب”المحررين”،وسادة الصراع على الامتيازات”المقررين”،الى المزيد من افقار الملايين من البؤساء والجياع والمحرومين لصالح حفنة من المتنعمين والمتخمين ومن يكنزون الذهب والفضة ويرفلون بالدمقس والحرير!
مشاريع الاعمار تعج بالفساد المنظم،وهناك اطراف سياسية مستفيدة من هذا الفساد،مصالح متبادلة بين بعض الاطراف السياسية تمنع اي محاولة للكشف عن قضايا الفساد.وبينما يؤكد المقاولون وممثلو الشركات انهم يعطون رشاوي للجهات الرسمية،فان جميع المسؤولين يلتزمون الصمت حينما يتعلق الامر بالفساد الاداري في مؤسساتهم.واذا كان الفساد وما يزال يلاحق عندما تفوح رائحته وليس بالامكان(طمطمته)بالنسبة للمقاولين والشركات الاجنبية بدرجة ما،ويكشف عن مختلسين ومحتالين ويقدمون الى القضاء وتسترد اموال منهم،فان الامر بالنسبة لنظائرهم وشركائهم العراقيين يكاد يكون معدوما،فلا يكشف عن حجم الفساد ولم يقدم فاسدون الى المحاكم ولم يسترد دينارا واحدا من الذين اهدروا المنح والمساعدات الاجنبية .
اصبحت المنح والتخصيصات للمشاريع غنيمة ينفذ بها الذين يعرفون من اين تؤكل الكتف،ويزداد ابطالها غنى وتتفتح شراهتهم على مصراعيها للحصول على المزيد وابتكار وسائل جديدة لحلب المال العام وتوريط آخرين وازاحة كل من يقف في طريقهم.بين ليلة وضحاها اصبحت لدينا فئة من حديثي النعمة الاميركية،يملكون المليارات ويضاربون في السوق،وامتلكوا جبروت المال والسلطان،ليعيثوا فسادا!

• غسيل الاموال والشركات الوهمية

شرعت الحكومة العراقية اثر تدهور الاوضاع الامنية في البلاد بتشكيل عشرات لجان التحقيق لمعرفة الاسباب الحقيقية لأعمال التخريب والنشاط الارهابي والتدقيق في هوية مرتكبيها،ولم تصدر هذه اللجان كشوفاتها حتى يومنا هذا في مسعى لأسدال الستار على فضائح تورط كبار المسؤولين بها!حالها حال محاولات اسدال الستار على فضائح فساد برنامج النفط مقابل الغذاء كأكبر فضيحة مالية في تاريخ الأمم المتحدة،وفساد مسؤولين رفيعي المستوى في المنظمة الدولية،ومحاولات طمس الحقائق عن نهب المليارات من اموال شعب يعيش اكثر من خمس سكانه تحت خط الفقر،على الرغم من ضخامة ميزانيته.كانت الاموال التي اهدِرت او ذهبت في فساد عقود ما بعد التاسع من نيسان،اكبر عملية تربح من حرب في التاريخ. لماذا اصبح في العراق اكبر فضيحة فساد في التاريخ؟لماذا تعبق الاجواء العربية والعالمية برائحة الفساد النتنة والنافذة التي تزكم الأنوف،من حين لآخر في العراق؟
لم تشهد السنوات الست الماضية تشييد مصفاة واحدة في العراق،على الرغم من العروض المغرية التي قدمتها شركات عالمية لانشاء مثل هذه المشاريع،ولمدد تتراوح بين السنة والستة اشهر.واسهم الغاء لجنة الشؤون الاقتصادية وتحويل صلاحياتها الى الامانة العامة،في اتساع رقعة الفساد.ان معظم العقود الضخمة تبرم دون السماح للجهات الرقابية،خصوصا هيئة النزاهة،بالاطلاع او التحقيق فيها.
البنك المركزي،من جهته،يفتقر الى خطة لتنظيم عمل المصارف الاجنبية في العراق بسبب سياسة المحاصصات الطائفية والاثنية التي عرقلت الآليات المعتمدة سابقا فيه.اما الاموال المودعة في فروع بنوك الدول المجاورة فانها بحكم المسروقة،فضلا عن نقص الارصدة في هذه المصارف التي جاءت الى العراق لسرقة اموال العراقيين لا لمساعدتهم،وهي بالحقيقة شركات لتوظيف الاموال بشكل غير مشروع واستثمارها في مشاريع وهمية.ويعود ظهور الشركات الوهمية الى ضعف الجهاز المصرفي العراقي ومحدودية انتشار مؤسساته،وسهولة الاحتيال على مدخرات صغار المستثمرين!لهذه الشركات الدور التخريبي الاكبر في غسيل الاموال واخراجها الى خارج البلاد واستلاب مدخرات المواطنين وامتصاص الزيادات في رواتب الموظفين.وتعتبر الشركات الوهمية من اخطر الظواهر التي تعرض الاقتصاد الوطني الى الشلل وآفة تنخر بالجسم الاجتماعي،لما تقوم به من سحب مدخرات المواطنين باكثر الطرق خسة عبر اسلوب الاحتيال والخداع،مستغلة بشكل فظ جهل الناس بالقوانين وضعف الرقابة الحكومية،وربما تعتمد من بين امور عديدة على دعم بعض المسؤولين الذين يقومون بالتغطية عليها مستغلين مركزهم في الدولة.
ان ظاهرة غسيل الاموال،المتجسدة في صفقات استيراد السيارات وانتعاش سوق العقارات في بلادنا على يد عناصر لم تكن معروفة باية قدرات مالية تمكنها من ذلك،تؤثر بشكل خطير على الاقتصاد العراقي،فهي نتاج مخرجات(Outputs)الانشطة الاجرامية بهدف تمويهها واخفاء مصدرها الاصلي،حيث يجري ابعاد الشبهات ونظر السلطات المختصة عن مصدر الاموال غير المشروعة.كل ذلك بهدف اخفاء الاموال من المصادرة او التهرب الضريبي،حيث تبرز انشطة تهريبها خارج الحدود لتكون خارج صلاحيات وقوانين او تعليمات مشرّعة لهذا الغرض،ثم يتم استثمارها في مجالات تجارية او تداولات تضفي عليها طابع الشرعية.
يضيع غسيل الاموال مصدر المال المودع بعد سلسلة تحويلات بين المصارف والبنوك الوطنية والاقليمية والعالمية ليستقر في احداها مسجلا ولادة جديدة مخترقا معترك التجارة ليستمر بالنمو والتزايد محققا مكاسب ونجاحات في بناء صرح مالي يفوق الخيال مع بقاء الشكوك عالقة به رغم اتباع الطرق القانونية الرسمية!لان حقيقة الولادة جاءت باساليب غير شرعية وبطرق ملتوية!ترى كم من الارصدة لأحزاب ومنظمات وشركات وافراد باسماء وعناوين وارقام وهمية تصول وتجول في الاسواق الوطنية والدولية؟عملية غسيل الاموال مضمونة وحجمها كبير يتناسب مع حجم الاستثمارات الاجنبية واستقرار سعر صرف النقد الاجنبي!ونمو معدلات السيولة النقدية والمالية في السوق الوطنية!اي نمو التدفق من الخارج ومع تدفق رؤوس الاموال الوطنية بسبب اعمال الفساد!غسيل الاموال – تدوير الاموال الناتجة عن اعمال غير مشروعة في استثمارات شرعية بهدف اخفاء مصدرها الحقيقي.المقصود هو التوظيف في سبيل التدوير لا الجدوى الاقتصادية للاستثمار!.
وتعتبر استثمارات غسيل الاموال مظهر نمو اقتصادي غير حقيقي،اي مزيف،بسبب الانتعاش الاقتصادي الظاهري السريع الزوال.ويعاد استخدام الجزء الاكبر من الاموال في اعمال غير مشروعة ايضا مما يعرض الاقتصاديات الوطنية للمخاطر الجسيمة بحكم المنافسة غير المشروعة وغير الشريفة مع المال القذر!وتقوم العصابات المنظمة التي تحصل على الاموال بطرق غير مشروعة بارتداء اللبوس الاستثماري المقنع وتضخ الاموال عبر الحسابات المصرفية العالمية لاخفاءها عن الرصد والملاحقات القانونية،ولتستثمرها في مشروعات سريعة الربح وفي سوق الاوراق المالية،ولتعيد ضخها الى الخارج من جديد!الملاحقة القانونية لغسيل الاموال ليست سهلة.
يعكس الفساد عدم الآهلية والشعور بالمسؤولية،وتدني مستوى الكفاءات الادارية والتقنية،وانعدام المبادرات الذاتية ونظام الحوافز والأمتيازات والمكافآت،عدم احترام اوقات العمل،التواني والتراخي،التسيب وافشاء اسرار العمل،الغش،احتقار الوظيفة العامة،الجمع بين وظيفتين في نفس الوقت، سوء استخدام السلطة،اللهاث وراء الامتيازات،التعالي على ابناء الشعب،اشاعة ثقافة التسقيط بفبركـة الاشاعات وصناعـة الاتهامات واثارة الشكوك بطريقـة ذكيـة متقنـة بهدف خلق جو من الانهيار الاجتماعي او الاستسلامي الخانع والانكماش،محاصرة وتضييع الذاكرة العراقية،اشاعة ثقافة شراء السكوت المتبادل بين أصحاب النفوذ،ازدهار تجارة السياسة والثقافة في كرنفالات الاستعراض وشراء الذمم وولائم الصفقات خلف الكواليس والمغانم،بناء مدارس تحفيظ القرآن بهذا العدد الهائل على حساب المدارس والمعاهد،تحويل العراق الى بلد للطم والتطبير والمشي العبثي مئات الكيلومترات،اشاعة ثقافة الغش والخداع والتمويه والاحتيال والنصب والفهلوة،اهدار المال العام،الخروقات الجنائية.
الفساد الاداري جزء لا يتجزأ من الفساد العام الى جانب الفساد السياسي،الفساد الاقتصادي والمالي،الفساد الاجتماعي،الفساد الانتخابي،الفساد القضائي والقانوني،الفساد الاعلامي،الفساد الصحي،الفساد العسكري،الفساد العابر للحدود..الخ.

• فساد عسكري وميليشياتي

من غرائب الامور انه لا يمر يوم دون ان تعثر قوات الحرس الوطني والشرطة والقوات متعددة الجنسية على مخابئ الاسلحة والذخيرة العسكرية في ارجاء بغداد وباقي المدن العراقية(الصواريخ وقذائف ال”ار بي جي”وقذائف وصواعق الهاون والمدفعية والاسلحة الاوتوماتيكية الخفيفة والمتوسطة والالغام والقنابل اليدوية والعبوات الناسفة واسلاك التفجير..)،اسلحة وذخيرة من صنع وتجميع ايران،بينما لازال العراق البلد الوحيد من بين دول العالم يمتلك الاسلحة المتنوعة وغير المرخصة خارج الثكنات العسكرية،واكثرها بيد الذين تقل اعمارهم عن 18 سنة وبعض البالغين مما هدد وتهدد هذه الاسلحة امن المواطنين بسبب عدم شرعيتها!ويستغل مهربوالاسلحة عدم وجود معاهدة دولية لتنظيم تجارة الأسلحة في الشرق الاوسط،لانتزاع اقصى الارباح من توريد الاسلحة الى العراق وعرضها في السوق السوداء،التي باتت تعج بالاسلحة الخفيفة والثقيلة وتحت مرأى وسمع الحكومة العراقية والدول الاقليمية.
ومن غرائب الامور ايضا مواصلة سعي الحكومة العراقية تشكيل مجالس الاسناد كاجراء غير دستوري ويتنافى مع القانون مما اثار الشكوك حول طبيعة تشكيلها كونها ليست تابعة للدولة ولا لوزارة الداخلية!وتتجاوز هذه المجالس في مهامها تسليم المطلوبين والتائبين عن العمل مع الميليشيات وتتعهد بمساعدة الدولة في فرض القانون!هذه المجالس العشائرية بدأت كتشكيلات مسلحة بسيطة وتتطور تدريجيا،حالها حال بقية الميليشيات،لتعمل خارج اطار القانون شئنا ذلك ام ابينا!.هل شراء الذمم وتأسيس مجالس عشائرية لاغراض انتخابية ممولة من الدولة العراقية تناسب اخلاقيات الشعب العراقي؟…
ومن غرائب الامور ايضا ان الحكومة العراقية لم تقدم اية معلومات واحصائيات مفيدة عن اعداد المعتقلين والمفقودين،ولازال الآلاف من الموتى يدفنون دون ان يتعرف ذووهم عليهم!حيث يتم جمع الموتى عندما يصلوا الى عدد معين في ثلاجات دائرة الطب العدلي ثم يتم نقلهم الى النجف وكربلاء لدفنهم من قبل متطوعين.في ظل ايادي تدمر… من قال اننا نبني ونعمر!

• العمليات الانتخابية

الانتخابات الحرة هي احدى الصيغ الديمقراطية التي تتبعها المجتمعات المتمدنة والمتحضرة في العالم،انها ممارسة ديمقراطية تعبر عن حرية الفرد والمجتمع،وخاضعة اصلا لموازنات السياسة والاجتماع والاقتصاد والحراك الطبقي في بلادنا!الانتخابات هي ممارسة ديمقراطية وليست هي الديمقراطية نفسها،وكلما كانت نزيهة وحرة وشفافة تعكس مدى التطور والتقدم وارتفاع الوعي الوطني عند هذا الشعب الذي مارسها وتعكس درجة الديمقراطية التي يتعاطاها ويتمسك بها ابناء هذا البلد.العمليات الانتخابية التي جرت لحد الآن ومنذ التاسع من نيسان لم تكن سوى استفتاءات محسومة النتائج لصالح تغطية الادعاءات الديمقراطية!لصالح من يريد للاغلبية الصامتة في بلادنا ان تبقى صامتة!وباتجاه تمرير حزمة من الاتفاقات والقرارات الاستراتيجية البعيدة المدى المتعلقة بان يكون العراق او لا يكون!..لماذا؟!..لان العمليات الانتخابية التنافسية،لم تجر وفق برامج انتخابية واضحة المعالم للقوائم المشاركة،بقدر ما اعتمدت على القدرات والامكانيات الخاصة،ومقدار ما تمتلكه قوى تلك القوائم من مصادر نفوذ وهيمنة على الشارع العراقي،وبالذات مراكز النفوذ الحكومية،والعشائرية،والدينية الطائفية والمليشياوية،على قاعدة من عدم تبلور المكون الاجتماعي للطبقات والشرائح الاجتماعية،والضعف الظاهر لمنظماتها المدنية والمهنية والنقابية..!
الانتخابات عملية كبيرة تبدأ بخطوة،وتتبعها خطوات مترابطة نحو هدف كبير يتلخص في احترام ارادة الناخب،وتوفير الثقة بالنتائج!ولا تختزل القضية الديمقراطية بالاعمال الانتخابية.فالديمقراطية هي ثقافة التداول السلمي للسلطة،والاعتراف بالآخر ونبذ الاقصاء والتهميش،وضمان حقوق الانسان،والحريات الفردية والعامة،واستقلالية القضاء.الديمقراطية ليست نظاما جاهزا،بل تعبير عن صراع بين قوى اجتماعية ذات مصالح طبقية مختلفة وتوجهات فكرية متباينة.هكذا يتفاقم الصراع الذي يتمحور حول امتيازات السلطة والثروة،وشكل ومحتوى الدولة الجديدة،ووجهة مستقبل البلاد وتطورها الاجتماعي.بهذا المعنى فان اية عملية انتخابية تكون تجسيدا حقيقيا لهذا الصراع،في ظل تعاظم السخط الشعبي الناجم عن استعصاء الأزمات.
لن تكون هناك انتخابات ديمقراطية ما لم يدرك الجميع اهمية التوافق الوطني،لكننا نجد القوائم”المتنفذة”تنتهز كل الفرص بسبب الاموال الطائلة التي تنفقها،واستغلالها امكانيات مؤسسات الدولة والمناصب الحكومية،ورموز المجتمع الدينية،في ظل غياب قانون للاحزاب،وقواعد لتنظيم الحملات الانتخابية،وثقافة شفافية ومساءلة.القوائم”المتنفذة”تدعو الى اقامة نظام اجتماعي وسياسي ديمقراطي عادل،ولكن لا احد منها،باستطاعته ان يخبرنا،كيف يمكن اقامة مثل هذا النظام،لان المصيبة لا احد منها،يعلم كيفية ذلك!بالتدين ونشر الخرافات والبدع والتهريج واشاعة النواح وزرع القنوط في سلسلة العطل الدينية و”الشعائر”الرديفة المتواصلة طيلة ايام السنة يمكن لها الولوج باقصر الطرق الى قلوب الرّعاع!بالفساد واللصوصية والرشاوي وانتهاك الحقوق والاعلام التضليلي يجري استغلال واستحمار الرعاع،ويسمن تجار البازار ورجال الدين.
ثمة كوابح متقابلة تعيق محاولة اية جهة للتسلط والانفراد في العراق واعادة تأسيس الدولة الاستبدادية.ويمكن لقوى المجتمع المدني ان تلعب دورا في التأثير على الصراع الدائر حول الدولة،هويتها وتوجهاتها الراهنة والمستقبلية،بادراكها لتعقيداته،وبقدرتها على تكوين تحالفات واسعة من قوى تجد مصلحتها في اقامة المجتمع المدني القائم على المواطنة والمؤسسات وحكم القانون والتنمية التي تستجيب لمصالح ابناء الشعب العراقي.ان مشروع الدولة المدنية لا يمكن ان يترسخ بطبيعة الحال في المجتمع من دون ادراك اهمية وحدة القوى الوطنية الديمقراطية،وتنسيق جهودها،وتوجيهها الوجهة الصحيحة،والتأكيد على التنسيق الجيد فيما بينها،وبناء تحالف متين على اساس العمل المشترك،واحترام الخصوصيات،وفق برنامج واضح واقعي مقبول من القوى والشخصيات الوطنية الديمقراطية
يتجسد الفساد الانتخابي بالانتهاكات الفاضحة كمحاصصة المفوضية،وممارسة التهديد،اطلاق الوعود الكاذبة،واشاعة اجواء الخوف عبر اعمال القتل والاغتيال،وشراء الاصوات والولاءات بالمال السياسي والمال العام الذي يكون تأثيره عادة اقوى من آثام المذابح الطائفية،واخفاء مصادر التمويل،وتمزيق الملصقات والصور،وعدم حيادية وسائل اعلام الدولة واستخدام وسائل ومناصب الدولة ومؤسساتها،ومحاصرة”المنافسين”الآخرين بشتى الوسائل غير المشروعة،وقوانين الانتخابات الجائرة،وعدم تنظيم الحملات الانتخابية،وغياب قانون الاحزاب،وغياب البرامج المحلية،وتمرير المرشحين الاشباح،وفضيحة الشهادات المزورة،الاصرار على جعل المساجد والحسينيات منابر دعاية انتخابية.نعم،يقودون حملاتهم الانتخابية من مواقعهم الاولى في الدولة،ويقدمون المزايا والوعود لا لتحسين الوضع الاقتصادي لابناء شعبنا وتوفير الخدمات،وانما لشراء اصوات هذه العشيرة او تلك.طواقم اخرى من احزاب الاسلام السياسي توزع(البطانيات والموبايلات والدولارات والرشوات والامتيازات والتهديدات..الخ)لغرض شراء الاصوات الرخيصة مع الاستخفاف بكرامة الناس.ليست الوعود البراقة غير القابلة للتصديق،وشراء الاصوات،وعرض الوظائف،ورمي القسم،هي وحدها مثار استهزاء قطاعات واسعة من المواطنين وسخريتهم،بل ان الصرف الهائل على الحملات الانتخابية سواء بطبع مئات الآلاف من البوسترات،وتوزيع ملايين المنشورات،ونصب مئات الفلكسات والجداريات في اغلب الساحات والشوارع الداخلية للمحافظات وعلى طول الطرق الخارجية بين المحافظات من زاخو حتى الفاو،هي محط تساءل:من اين لهؤلاء السياسيين كل هذه الاموال؟يكفي ان نَعتهم الناس بـ”النهابين”.
الديمقراطية الحقة والقانون الديمقراطي لا يسمحان باستغلال المناصب الحكومية ويقبلان بتسطيح المواطن وتضليله وتحويله الى انسان نفعي وجسرا يمر عليه اصحاب الاهداف الانانية،مزوري ومفسدي الاخلاق والقوانين.ومع الشعارات العامة التي تصلح لكل زمان ومكان،يمر المرشحون الاشباح،هم ووثائقهم المزورة،تحت عبارة”الاقوياء الامناء”في فترة سبات المفوضية العليا المستقلة للانتخابات.وفي ظل تدني الوعي الحقوقي،وشيوع الثقافة الاكليروسية والروزخونية والبراغماتية،تتجلى معاناة النساء المرشحات!.
ويتجلى الفساد الانتخابي باستحواذ عددا محدودا من القوائم الكبيرة،التي يحقق بعض مرشحيها القاسم المشترك الانتخابي،دون وجه حق،على ملايين الاصوات رغم ارادتها،اصحابها يمنحوها يوم الانتخاب الى قوائم اخرى مختلفة،بسبب فساد القوانين الانتخابية كالمادة 13/ خامسا من قانون انتخاب مجالس المحافظات!فساد في وضح النهار يثير الاستهجان والاستنكار،وهو اعتداء صارخ على جوهر الديمقراطية واغتصاب للاصوات،وشرعنة سرقة للقوائم الفائزة..على المشرع العراقي ان يأخذ بعين الاعتبار كل تعقيدات الوضع الراهن واختيار النظام الانتخابي الذي يؤمن،قبل كل شئ،الوحدة الوطنية ويؤسس لانتخابات حرة و نزيهة من اجل اقامة مؤسسات دولة القانون،ولا شك ان شعبنا جدير بهذه الدولة!
لازالت الاعمال الانتخابية في بلادنا تعتمد البطاقة التموينية اساس لسجل الناخبين،وغالبية الناس تعرف ان عدد المستفيدين من البطاقة التموينية هو غير دقيق،ويحوي على مئات الالوف ممن هم في المهجر او الذين فارقوا الحياة بسبب الارهاب او الذين انتقلوا الى جوار ربهم ولم يتم ترقين قيدهم،ولازالت اسمائهم ضمن البطاقة التموينية..وتتعمد الادارات الحكومية الفاسدة عدم تحديث سجل الناخبين،رغم الحديث المتكرر عن تجديد السجل،بل يجري اعتماد سجلات لسنوات سابقة!
كيف لمفوضية مستقلة،مهنية،محايدة ان تعلن استكمال استعدادها لادارة الانتخابات ليس بقوانين جائرة وحسب،بل في غياب قوانين اساسية اخرى؟المفوضية المستقلة للانتخابات التي تم انتخابها على اساس المحاصصة،لا يمكن ان تكون باي شكل من الاشكال مستقلة كما هي تسميتها،وكذلك الحال مع فروعها في المحافظات،ومع بعض مسؤولي المراكز الانتخابية.يتطلب من مجلس النواب السعي لتشكيل مفوضية مستقلة بالفعل على اساس مبدأ المواطنة والمساواة،وان تكون ممثلة لكل مكونات الشعب العراقي،مهما كان عددهم،وان يكون اعضائها من ذوي الاختصاص،ومشهود لهم بالكفاءة والنزاهة وحسن السلوك،ومن خلال وضع شروط للمتقدمين تساهم في اختيارهم لجنة مكونة من اعضاء من محكمة التمييز وممثلي الامم المتحدة وهيئة النزاهة بالتعاون مع مجلس النواب.ومن الضروري اجراء الاحصاء السكاني ليكون بديل البطاقة التموينية.هل يحرم من ليس لديه بطاقة تموينية من حقه الانتخابي؟

• المحاصصة والتوافقية

التوافق المجتمعي على عقد اجتماعي يعني اعتبار المواطنة مصدر الحقوق ومناط الواجبات بالنسبة لكل من يحمل جنسية الدولة دون تمييز ديني او عرقي او جنسي.ويعلي التوافق من شأن الهوية الوطنية ويعمل على تحقيق وحدة البلاد ويساعد على تخفيف حدة الحساسيات القومية والدينية والطائفية!ويجسد ذلك التوافق في دستور ديمقراطي،والديمقراطية التوافقية لا تعني المحاصصة.ان مبدأ المحاصصة ظل الفيصل الاساس في معالجة موضوع تحقيق التوازن الوطني في اجهزة الدولة عبر توزيع المواقع والوظائف الحكومية الخاصة بين الكتل الانتخابية الاكثر عددا،بعد تهميش الآخرين،واغفال مبادئ المواطنة والنزاهة والكفاءة والتخصص والتاريخ النضالي الوطني في تولي المواقع الرسمية!
ان الممارسات التوافقية التي حصلت وان حققت نجاحا في تمرير بعض القوانين المهمة الا انها لم ترق الى التوافق المطلوب ولم تعبر عن الايمان الكامل بمبدأ التوافق،زد على ذلك ان بعض القوى التي استفادت من التوافق تنكرت له والتفت عليه في اكثر من مناسبة،كما حصل عند التصويت على المادة 24.
يتبجح بعض الاقطاب الحكومية علنا،بافضليات التوافق السياسي،ومن اجل ذلك يتحدثون عن اهمية توسيع المشاركة،وحسنات اشراك اوسع الاوساط في ادارة الحكم،ويتشدقون بسياسة المصالحة الوطنية،ويكثرون الحديث عن”استيعاب الجميع واجتذاب ما لم تجتذبه العملية السياسية لغاية اليوم”.لكنهم في السر،غير ذلك تماما،فهم في لجة الصراع لا يدخرون اية وسيلة من اجل السلطة وامتيازاتها،فهو صراع يتجه صوب طريق واحد فقط هو تكريس السلطة،وزيادة الهيمنة والنفوذ بيد مجاميع محددة!

• معوقات ام معرقلات

يعود ملف الفساد في بلادنا،بين حين وحين،بحقائق جديدة مريرة تكشف عن جوانب من الأزمة التي تعصف بالبلاد!لقد ورد في تقرير اميركي مؤخرا ان الحكومة العراقية غير قادرة على تطبيق الحد الادنى من قوانين مكافحة الفساد لأن بعض الجهات المسؤولة العليا تعرقل اي تحقيق في قضايا الفساد،كما لا يمكن الوثوق بقدرة محققي هيئة النزاهة الذين لا يحمي احد حياتهم،على الكشف عن النشاط الاجرامي لاي شخص يتمتع بحماية الأقوياء والمتنفذين،رغم ان هيئة النزاهة جاء تشكيلها ادراكا مبكرا لضرورات التصدي للفساد،وتحديد الضوابط والآليات والوسائل الكفيلة بذلك،كما عكس توجها سليما في تصنيف هذه المهمة ضمن ترتيب الاولويات السياسية.
هناك اجماع عالمي على ان مستوى الفساد الاداري والمالي في العراق بلغ الذروة،وان جذور هذا الفساد تنبع من الدوائر العليا في البلد،وانها محمية من اكابر موظفي الدولة خاصة،على مستوى الوزراء والمستشارين.ولم تستطع هيئة النزاهة،ولا القضاء العراقي حل مشكلة هذا الفساد،بسبب تدخل الاحزاب السياسية ودوائر الدولة المهمة في عمل هاتين المؤسستين في البلد!كما ان مجلس النواب لم يوفق الى الآن في تثبيت دوره الرقابي كاعلى مجلس تشريعي في البلاد!
يتحول الفساد في نهاية المطاف الى اخطبوط يلتف حول المجتمع،ويتحول الابتزاز الى طقس حياتي يومي يمارسه اصحاب الضمائر المتعفنة في ظل العماء العارم ليرتع المفسدون على هواهم وسط لا مبالاة واتكالية المجتمع واستمرائه للفساد وكأنه اصبح حقيقة من حقائق الحياة لا يمكن العيش بدونها! ويصبح الفساد اسلوبا ونمط حياة في المجتمع ويحاصر من يقف بوجهه..بات الفساد يبني لنفسه منظومة متكاملة من العلاقات التي تضمن ديمومته،ولا تفيد الاجراءات الهامشية لمكافحته،انما يتطلب الامر تأسيس منظومة متكاملة من العلاقات المضادة الرادعة لتفتيته والقضاء عليه او الحد منه على الاقل.
هنا يظهر دور الرقابة الشعبية والحكومية والاعلامية والصحية والبيئية،ودور الرقابة الجماهيرية عبر لجان مجلس النواب،ودور المنظمات المهنية والنقابات والمنظمات الديمقراطية والمنظمات غير الحكومية والمؤسساتية المدنية والمجتمعية،ودور هيئة النزاهة كمؤسسة حيادية مستقلة والضامنة الاهم ضد آفة الفساد،وديوان الرقابة المالية كمؤسسة رصينة لما يمتلكه من خبرات وكفاءات وقدرات علمية وقيادة محايدة ومستقلة كفوءة ونزيهة!ودور الهيئة العامة المستقلة للعقود والمبيعات التي لم تر النور حتى هذه اللحظة!ودور الجهاز المركزي للتقييس والسيطرة النوعية،ودور القضاء كاستحقاق وطني بعيدا عن الحسابات والتخوف من فتح الباب على مصراعيه لمحاسبة الفاسدين والمفسدين الذين باتوا يشكلون خطرا على الشعب موازي لخطر الاحتلال او خطر تنفس عصابات البعث والارهاب الاصولي الصعداء،فما الفرق بين الاحتلال والارهاب وبين الذين يستغلون ظروفنا المعيشية والامنية للسطو على حقوقنا؟
وتواجه كل هذه المؤسسات معوقات،في مقدمتها محاولات استخدام الفساد او تهم الفساد كسلاح في المعارك السياسية او الشخصية،خطر تغول الهيئات وتحولها الى معوق للعمل والبناء والاعمار بدل ان تكون مؤسسات للاصلاح والتقويم، حصانة بعض الموظفين من الملاحقات القضائية اما بوسائل قانونية او بوسائل واقعية،القيم والاخلاقايت والسلوكيات الفاسدة التي تقدر الفساد وتحتضنه!يذكر ان المادة 136 من قانون المحاكمات الجزائية قد منحت الوزير صلاحية ايقاف الاجراءات القضائية بحق من يشغل منصبا ادنى من الوزير،بمعنى لايمكن استدعاء وكيل الوزير او المدير العام حتى لو كانت عليه قضية فساد.من جهة اخرى تتأكد يوما بعد يوم،تورط مسؤولين ومقربين من المالكي بقضايا الفساد المالي في وزارة التجارة،وانهم حصلوا على صفقات وعقود كبيرة جعلت من اثارة قضية فساد وزارة التجارة مثلا،مسألة حساسة لانها ستكشف المتورطين في مكتب المالكي والمقربين منه عائليا وحزبي!
دور المنظمات المهنية والديمقراطية ومنظمات المجتمع المدني،مغيب في رصد وكشف مظاهر الفساد وفضح المفسدين والاسراع باتخاذ الاجراءات العقابية الرادعة بحق المسيئين،لما تمتلكه هذه المنظمات من تواجد غير قليل في مختلف المواقع والمؤسسات الرسمية وغير الرسمية،ولما يتمتع به العاملون فيها من شعور عال بالمسؤولية والحرص على الوطن وممتلكاته،ولان عملهم التطوعي في هذه المنظمات يساعدهم على العمل بروح وطنية عاليه بعيدا عن مغريات المناصب والمواقع التي تم تقاسمها ومحاصصتها بالطريقة التي جرى بها في الوزارات والمؤسسات الحكومية!
ولازال دور وزارة الداخلية مغيب ايضا في هذا المضمار،وهي لا تمتلك مديرية للامن الاقتصادي لتأخذ دورها في محاربة كافة النشاطات التي تضر بالاقتصاد الوطني من المكاتب والشركات الوهمية التي تعتبر واحدة من القنوات التي تمول الارهاب!من المسؤول عن تسويق البضائع الفاسدة التي تستهدفنا وتستهدف اطفالنا والمطروحة في اسواقنا بمئات الأطنان؟ومتى نرى تجار الموت يخضعون لمحاكمات منصفة لنا ولاطفالنا؟من المسؤول عن تسويق الادوية الفاسدة والمنتهية الصلاحية والمهربة التي تغرق الاسواق منذ اعوام،والتي لا يمكن استخدامها حتى في البلدان المصنعة لها لانها صنعت خصيصا للعراق؟من المسؤول عن انتشار الصيدليات غير المرخصة والبائعين المتجولين الذين يبيعون الادوية؟كيف نضع حدا لمؤسسات تدعي انها تقدم خدمات صحية للمواطنين،وهي عبارة عن دكاكين تتسول الدواء من كل من هب ودب وتعبث بصحة المواطنين بنشر الادوية الفاسدة؟
متى نرى عددا من سراق المال العام يعرضون على شاشات التلفاز امام الملأ،كغيرهم من الارهابيين الذين تلطخت ايديهم بدماء الابرياء من العراقيين،ولابد من كشف جميع الملفات بغض النظر عن هوية المفسد او انتماءه حتى يكون عبرة لغيره،وهو امر ليس بالمستحيل اذا كانت النوايا صادقة في حسم هذا الملف الخطير او الحد من هذا الوباء؟لم يحاكم العراق اي مسؤول رفيع بتهم فساد،والوزراء يقدمون بطريقة روتينية الحماية لحلفائهم السياسيين من المحاكمة.كيف يمكن منع الفساد ما لم تجر ادانة بعض المسؤولين الحكوميين؟!
محاكمة الفساد ليس بالمهمة السهلة،حتى بالنسبة لاكثر المحققين العراقيين حماسة الذين تم ترهيبهم من جانب مسؤولين بالدولة،وغالبا ما يصبحون ضحايا للعنف انفسهم.وقد دفعت التهديدات الرئيس السابق لمفوضية النزاهة الى الهرب من العراق في العام الماضي،بينما قتل 40 محققا في قضايا الفساد على الاقل.
لماذا لا يرفع شعار من اين لك هذا؟متى يطبق قانون الذمم المالية للذين يشغلون مناصب مهمة في الدولة؟من حقنا ان نقف على فوضى الاراضي وامتلاكها بغير حق تحت مسميات ما انزل الله بها سلطان،ونريد ان يرفع الفيتو عن الحسابات الخاصة بهؤلاء في البنوك وان يكشف النقاب عن املاكهم المنقولة وغير المنقولة.
ما يعرقل التوجه الجذري لمعالجة الفساد تلك التصريحات المتناقضة والاتهامات المتبادلة بين الجهات المعنية المختلفة،الحكومية والسياسية،ارتباطا بصراع الامتيازات،الذي يتخذ صيغا مختلفة،بينها طائفية ومذهبية.وما يزيد الامر تعقيدا شيوع منهجية”التسييس”بعواقبها الوخيمة،بينها طمس الحقائق والسعي الى تطويعها وفقا للمصالح الحزبية والفئوية الضيقة في ظل الفوضى وغياب دولة القانون والدور الرقابي الفاعل للبرلمان،وفي اطار صراع المصالح،والاجراءات الحكومية الترقيعية،ومنهجية شراء السكوت المتبادل!
وبسبب سوء الاداء يتشبث المسؤولون ذوي العلاقة بالكراسي ويبدأون بدفع التهم والمسؤولية عنهم،اما على من يشاركهم التبعات او لمن اقل منهم موقعا،متناسين مسؤوليتهم التضامنية والاعتبارية.هكذا تتحول الديمقراطية في بلادنا الى ادعاءات باطلة تتلاشى عند اول التحديات،علما ان حكومة ليس فيها من يعترف بتقصيره سيكون مصيرها واحد من اثنين اما الدكتاتورية او الفشل!
ينبغي ان لا يشمل قانون العفو العام بعض الوزراء فيما يخص موضوع النزاهة والفساد،لان ذلك يعد خطئا استراتيجيا متعلق ببناء الدولة العراقية!والتمهيد لتأسيس دولة الفساد وليس تأسيس دولة القانون!وعلى مكتب المدعي العام،وكذلك هيئة النزاهة والوزارات المعنية والمفتشين العموميين وديوان الرقابة المالية،،ملاحقة المسؤولين الفاسدين الذين حركت عليهم الدعاوى لاسترداد المال العام فقانون العفو العام يسقط العقوبة ولا يسقط الحق العام،وعلى الشعب العراقي استرجاع الاموال المسروقة.
الادهى من ذلك هو ان ينصب مسؤولو الحكومة العراقية،وفي مقدمتهم رئيس الوزراء،انفسهم متحدثين اخلاقيين الى وعن الشعب العراقي،وكأنهم خبراء ومتخصصين في سلوك وتصرفات هذا الشعب المغلوب على امره،ليحددوا له ما يصح وما لا يصح،ما يناسب وما لا يناسب،وليذكرونا بمهازل خير الله طلفاح!الذي ضرب الرقم القياسي في القرصنة والاستيلاء على البيوت والمزارع التي تعجبه هندستها واشجارها المثمرة.مسؤولو الحكومة العراقية يتصرفون بعقلية الملا وكأنهم مدراء لشرطة الآداب والانضباط الاخلاقي او رؤوساء لقطعان الامر بالمعروف والنهي عن المنكر،وليس كممثلي الشعب بكافة طبقاته وفئاته واديانه وافراده مهما كان تفردهم واختلافهم الديني والذوقي والقومي والاخلاقي.ويتبارى مسؤولو الحكومة العراقية في الاهمال الجدي وغير المسؤول لارادة ومطالب ومشاعر المجتمع والتصرف باسمه وكأنهم الممثلون الشرعيون والوحيدون لهذا المجتمع بكل طبقاته وفئاته الاجتماعية.يصل الأمر برئيس الوزراء مثلا الى اهمال مجلس الوزراء والوزراء والتصرف بقرارات فردية غير مدروسة وغير مقررة،ومنطلقا من ذهنيته الدينية المحافظة!
يتحدث مجلس الوزراء عن محاربة الفساد ولا يطبق ماتحدث به،وهو ما يفسر لنا سبب خفوت صوت القضاء على الفساد!ويعزو النائب الاميركي الديموقراطي جيم ميكافرن تدهور الوضع في مجال التخطيط والموازنة المالية الى ما وصفه بفساد حكومة المالكي،وقال:”حكومة المالكي فاسدة،وأنا لا أثق بها،ومع ذلك نجدهم يتحدثون عن تبريرات تمنعهم من صرف الأموال”.لقد انقضى عام 2008،ليتحول من عام للقضاء على الفساد الى عام للقفز على الدستور،وتوفير الغطاء للمفسدين والمنحرفين(الجميع في الهوى سوى).

• الوعي القانوني

من دون تشريعات قانونية واجراءات حازمة في اطار خطط وبرامج ملموسة ومن دون اعتماد الدولة سياسة اقتصادية وبرامج وخططا للنهوض بالاقتصاد العراقي وتحقيق التنمية الاقتصادية الاجتماعية لا يمكن ايقاف ماكنة الفساد،الفساد الظاهري المعلن وفساد خلف الكواليس،ومن دون ذلك لا يمكن استعادة الذاكرة الوطنية العراقية،اهم مقومات الهوية الثقافية!من دون تصفية جرائم الفساد في اطار خطة متكاملة سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية،لا يمكن اقامة دولة قانون تحقق للجميع الامن وتحمي حياة الانسان وحقوقه،وتستند الى المواطنة،وتوفر فرص العمل المتكافئة وشروط العيش الكريم.من دون انماء الوعي القانوني لدى افراد المجتمع،و الرابطة الجدلية الطردية بين هذا الوعي وروح المواطنة،لا يجر احترام حقوق الآخرين والمحافظة على المال العام وتجنب الاخطاء ومعرفة ما لنا وما علينا في هذا الوطن،والمساهمة في بناء العراق الجديد،العراق الدستوري المؤسساتي.ويستند نهوض الوعي القانوني الايجابي على تطور الوعي المجتمعي لطي صفحات الماضي وسلبياته عبر تكريس مفهوم المواطنة،وحق الجميع بالمال العام وتساوي جميع العراقيين بالحقوق والواجبات والمسؤوليات،بغض النظر عن خلفياتهم القومية او الدينية،او مركزهم الاجتماعي.
لا مفر من القدر والمواجهة مع امبراطورية الفساد،ولا سبيل غير اجتثاث هذا المرض الذي استوطن فينا،ولا مهرب من استخدام الجراحة بهدف استئصالهم من الجذور مهما كانت منزلتهم..سياسيين..وزراء..مستشارين..ضباط..مدراء دوائر حكومية..قادة ميليشيات..مقاولين..رجال اعمال..اصحاب مؤسسات اهلية..اصحاب مهن حرة..رجال دين..اطباء..صيادلة..تجار..محامين..هذا هو قدر القضاء العراقي الحر المستقل الوطني المتحيز لمصالح شعبه،القضاء الذي يفترض به الامساك بالحلقة المفقودة للوضع الداخلي،القضاء الذي يحمل تخليصنا من اعدائنا الجدد الذين يعيثون فسادا في العراق.المطلوب هو تحطيم اغلال العقل القومي المتعصب والطائفي المقيت ليلتئم الجميع وتلتحم الهمم في خندق الوطن الواحد،لان حركة الطبيعة وقوانين التطور الاجتماعي لا ترحم المغفلين ولا تترك العابثين من دون جزاء وعقاب .
الفساد بات غولا يدمر بيد الضعفاء والفقراء مع المؤسسات الوطنية بكل تجلياتها،ويوسع بيد كل مباذل وموبقات وجرائم بعض اصحاب القرار،حتى اوصل بلادنا والعباد الى ثنائية القاتل والقتيل.المشروع الوطني الديمقراطي وحده والثقافة الوطنية الديمقراطية وحدها كفيلان دون سقوط الوطن على يد القاتل القتيل!
من اهم مبادئ اتفاقية الامم المتحدة لمكافحة الفساد ان تكفل الدولة وفقا للمبادئ الاساسية لنظامها القانوني،وجود هيئة او هيئات حسب الاقتضاء تتولى منع الفساد بوسائل من قبيل:وضع وتنفيذ او ترسيخ سياسات فعالة منسقة لمكافحة الفساد،تعزز مشاركة المجتمع وتجسد مبادئ سيادة القانون وحسن ادارة الشؤون والممتلكات العمومية والنزاهة والشفافية والمساءلة.زيادة المعارف المتعلقة بمنع الفساد وتعميمها وبجانب ذلك منح الهيئة او الهيئات ما يلزم من الاستقلالية لتتمكن من الاضطلاع بوظائفها بصورة فعالة وبمنأى عن اي تأثير لا مسوغ له.
لابد من وضع القانون الوطني لمكافحة الفساد الاداري الذي يضع توصيفا لحالة المسؤول وتضارب المصالح والتصريح بالممتلكات الشخصية وتوضيح العقوبات الى جانب اعتماده مبدأ الشفافية،واعداد استراتيجية عمل تمتد ما بين ثلاث الى خمس سنوات كخطة لمكافحة الفساد تنطلق عام 2009،واقرار قانون جديد للخدمة المدنية يساعد على وضع الشخص المناسب في المكان المناسب عبر الاطر التوظيفية الصحيحة واستناد عمليات التعيين والترقية للموظف على اسس علمية.
من الضروري اصدار قانون يخص هيئة النزاهة وينظم اعمالها من السلطة التشريعية العراقية،فالهيئة لازالت تعمل وفق الامر المرقم (55) لسنة (2004) الذي اصدرته سلطة الائتلاف المؤقت وهو عبارة عن نصوص قانونية ذات نظام (انكلوسكسوني).
في عملية مواجهة الفساد الاداري والمالي لابد من تحسين وتطوير وسائل وطرائق الاداء الحكومي والمدني العام،والخاص!واتباع المناهج الحديثة،وتدريب العاملين وتطوير قدراتهم،وادخال الاساليب والتقنيات الجديدة والمتطورة التي تضمن تضييق فرص انتشار عمليات الفساد!من قبيل:
• تحديث الاداء الفني لدوائرالتسجيل العقاري.
• اشاعة اعتماد الابنية والقطع الخرسانية الجاهزة او نصف الجاهزة في تنفيذ الابنية والمنشآت.
• ايصال المياه الصالحة للشرب الى المواطنين عبر احداث وتأسيس شبكات المياه الخاصة.
• تحديث وسائل متابعة تنفيذ المشاريع.
• اعادة العمل باسلوب النقل العام داخل المدن.
• اعداد قانون جديد للبناء والطرق والنشاط الحضري والعمراني في المدن والقصبات،ونبذ نظام الطرق والابنية رقم 44 لسنة 1935.
• اجراء تغييرات ومراجعة شاملة على كافة التشريعات الخاصة بالاوضاع المحلية النافذة،وخصوصا قانون المحافظات النافذ وقانون ادارة البلديات وتعديلاتهما وتوجيه التشريعات المحلية والاقليمية والاقليمية الثانوية وسواها من تشريعات المدن والقصبات باتجاه تلبية متطلبات التنمية الحضرية والاقليمية اجتماعيا وعمرانيا وثقافيا بل وسياسيا واقتصاديا ايضا.
ولاجل مكافحة الفساد يتطلب ايجاد موازنتين لا غنى عنها:
الاولى: هي ملاحقة الفساد والمفسدين بكفاءة دون ان يؤدي ذلك الى تعطيل جهود الاعمار والبناء،ويكون ذلك عبر ملاحقة المفسدين دون ان تتورط في ملاحقة المخلصين بوشايات كاذبة او بدوافع سياسية شخصية.
الثانية: تحقيق التوازن بين ملاحقة الفساد والحفاظ على حقوق الانسان،فمن غير المقبول ان تهدر مبادئ حقوق الانسان تحت حجة ملاحقة الفساد،لان الحفاظ على اعراض الناس وحرياتهم مسألة لا تقل اهمية من السيطرة على الفساد!
سيبقى الفساد الى ان تستقل السلطات عن بعضها البعض وفق الدستور،وخاصة السلطة القضائية التي يجب ان تتحرر من كل الضغوط ومنها الخوف.سيبقى الفساد ما دام المواطن دون ضمان صحي ولا ضمان اجتماعي ولا ضمان شيخوخة ولا ضمان للعاطلين عن العمل.سيبقى الفساد ما دامت المــرأة لم تدخل لحد الان في معادلة التوازن الاجتماعي للوجود الانساني،ومادام الطفل يولد ويترعرع في بيئة الشد والجذب دون قواعد قانونية صلبة تضمن حاضره ومستقبله..وعليه وحتى نصل الى آليات فعالة لمحاربة الفساد،ما علينا الا ان نضع استراتيجية مكافحة حقيقية/معاقبة الفاسدين/وقاية جدية/التوعية والتثقيف/وقبل كل ذلك قيادة سياسية مؤمنة ايمـانـا حقيقيا بتغيير هذا الواقع المر!

المصادر:

راجع دراسات ومقالات الفساد في الانترنيت للاساتذة والمؤسسات- طارق عيسى طه، علي عبد السادة،احمد محمود القاسم،رضا الظاهر،جاسم الحلفي،جاسم المطير،سلام خماط،محمد حميد الصواف،محمد وحيد دحام،جاسم هداد،ماجد زيدان،رائد فهمي،احمد جويد،ميثم العتابي،ابراهيم المشهداني،سالم روضان الموسوي،علي احمد فارس،ابراهيم زيدان،مهدي زاير جاسم العكيلي،شاكر النابلسي،نزال رياح الغزالي،فارس حامد عبد الكريم،زياد عربية،نوزاد شريف،كاظم حبيب،سنان احمد حقي،مالوم ابو رغيف،عبد الزهرة حسن حسب،رحيم حسن العكيلي،صالح العميدي،ناهي العامري،حميد مجيد موسى،عادل حبة،قاسم عناد،رياض سعودي،فلاح علي،كاظم خضير القريشي،مصطفى محمد غريب،جمال منصور،محمود العكيلي،عبد المعطي لطفي،جون سوليفان،الكسندر شكولنيكوف،روبرت بيشيل،لورنس كوكروفت،جيرمين بروكس،آيلين كول كاوفمان،المنظمة الدولية للمحاسبة عن المسؤولية الاجتماعية(SAI)،معهد المجتمع المفتوح(OSI)،مركز المشروعات الدولية الخاصة(CIPE)،سعد الجادري،كاظم الحسيني،علاء السعيد،لطيف القصاب. كما راجع الدراسات التالية للكاتب:

• فساد عراق التنمية البشرية المستدامة
• الفساد – سوء استغلال النفوذ والسلطة
• الفساد جريمة ضمير قد لا تمس القانون ولا تتجاوزه
• غسيل الاموال – جريمة الفساد العظمى في العراق
• دكاكين الفساد ، وفساد الدكاكين
• جرائم الفساد في العراق
• المفاتيح في سلطات ما بعد التاسع من نيسان
• حكم الجهالة المخيف خلا الأمل تخاريف
• الفساد والافساد في العراق من يدفع الثمن
• العقلية الصدامية في الابتزاز تنتعش من جديد
• الارهاب الفكري والفساد في الجمعية الوطنية
• عشائرية ، طائفية ، فساد ، ارهاب في حقبة العولمة


يمكن مراجعة دراساتنا – في الروابط الالكترونية التالية :
1. http://www.rezgar.com/m.asp?i=570
2. http://www.afka.org/Salam%20Kuba/SalamKuba.htm
3. http://www.al-nnas.com/ARTICLE/SKuba/index.htm
4. http://yanabeealiraq.com/writers_folder/salam-kabaa_folder.htm
5. http://www.babil-nl.org/aasikubbah.html