الرئيسية » الآداب » بازياج الصمت وطاوؤس الهوى ونفحات الليلك … أتحداكم

بازياج الصمت وطاوؤس الهوى ونفحات الليلك … أتحداكم

بعد أيام عصيبة من الاستجواب , ضبع يخرج من رأس المحقق وخنزير يأتي , وحين شمت كلاب غطرسته هواء عدم مبالاتي بمراغة دماغه , ركض إلى صنبور التدريب يغسل عقله , بصابون الطاعة , واسفنجة الرهبة , ويفرك صدغه بوبر إيديولوجية تحذره من الفشل في التحقيق , أنا هدف معادي أمامه , فكيف يفتتني إلى ثلاثمائة سؤال مرقم في اضبارة تغريه بالثواب وترهبه بالعقاب , يعود إلي و يتخم شراييني بدم التكرار أسئلة لم تخطر بروحي ذات يوم ,حتى أنقب في خرائب الشبهة مفتشا عن عقيق أجوبة تنتشلني من صدى وجعا يلفني على بعضي أحشاء زهرة تنهش في عروقها سموم الباطل تهمة ثقيلة الثديين حليبها فاسد .
بعد رفضي الإجابة على أسئلتهم , التهمني صوت مقعر لانزلق إلى جوف مسطح فارغ خالي من الزمن ,مضغة صرت في أمعاء الرهبة, معمعة تدعكني مع عصارة ظلام, عجينة خلت من نشاء المنطق , فلم يستوي لحمي إلا بخميرة مكابرة اوحت إلي لزوم الصمت فضيلة ترتجى أمام تنين الطرش, تركوني بين يدي جلاد استنزف الزمن بدوره , فما عاد يصلح لشيء غير المهمة التي أوكلت إليه , ضغط الجلاد بأنفاسه الحانقة على كتفي ثقلا يحذرني من جبال العاقبة , ليعتصر ما تبقى من زغب الزمن في مخيلة زرافة الصمت هاربة تطيل عنقها كي لا يدركني شوك الكلام .
ما كنت اعرف أن الصمت تهمة, كلما لمس الجلاد ضرعها الملتهب , ترشح ألليلك من السهر البعيد دمعا من جفني زوجتي التي أرهقها وهج الترقب , ليأخذها سلطان الشفقة إلى غفوة خفيفة تصحو منها كلما اعتصر الجلاد فقرات رقبتي ,وهو يعض ثدي الزمن الذي ضاع مني ومنه في عتمة المعتقل ,فلا أعود أحس به غير أنياب فضائية تغرس في رائحة جيفة كون مفقود يحوم من حوله ذباب السياسة , لأسمع طنين الموت يغطي أجنحة المكان , باشر الجلاد عمله, يرعى أسراب الوجع في بستان زمرد ,صاغه عبق الإنسان في روحي كرامة فرط عقدها ,فراحت تهدر مني, بمخالب عرق الجلاد وهي تدلف من جبين الشامبانزي على جسدي علقات قرفا تقرضني بإصرار نمل الواجب على اغتنام بذرة حقيقة اكبر من حجمه ثماني مرات , يقترب الجلاد مني صنما من المسك المخثر, رائحة نواياه ثقيلة , كلما تنشقه الألم أغمي علي , ليشد الوجع رحاله باردا مخدرا مهاجرا ينشد ثغرة في روحي أو جسدي طالبا الفرار لينجو بنبله من وضاعة أجنة العتمة الخالدة .
تعب الجلاد , جلس في إحدى زوايا أنيابه يبكي بحرقة , يسألني : حرام عليك لماذا تعذبني هكذا أليس لديك إجابة غير التي تكسرها عظامك ,ارحمني أرجوك دعني اسمع صوتك مرة واحدة , اشتمني يا أخي , ما لم تنطق لن يتركونني ,وأنا بدوري لن أتركك , هيا دع العناد جانبا أيها الخطير أنت يا راعي القلم , هيا حرك اصطرلاب لسانك وتبصر أبراج نواياك ماذا تضمر من شرور لمولانا ابن آوى , اخبرنا كيف كنت تخطط لاصطياده , بالحبر أم بالزعاف.
أحسست بالجلاد إنسان مثلي, له رأس وأطراف علوية وأطراف سفلية وجذع وبطن ومؤخرة ومقدمة, وكذلك له انفعالات ومعرفة بالغضب والأسى والمعاناة والقدرة على النطق واختزان القوة والضعف , عجيب لم أكن اعرف أن الجلاد يمكن أن يكون كائنا منتصب القامة , مثلي تماما , الفارق الوحيد بيني وبينه هو أنني مضرب عن الكلام لأسباب تكتيكية خبيثة, بمجرد اكتشافي انه من فصيلة بشرية انجذبت إليه , إذ ليس هناك ما يفرق بيننا , فالسجن يتسع لكلانا , وها نحن نتشاطر العتمة وكسرات الخبز اليابسة والماء ومصيرنا نشادر , كما أننا نقاسي سوية الحرمان من الزمن والنور , ولكل منا همومه , في الحقيقة نحن شركاء , فلماذا اكرهه أو اضمر له العداء ,أشفقت عليه المسكين بلواه أعظم من بلواي , ولو أني امتلكت القدرة على النطق لاعتذرت منه على عدم استجابتي لطلبه في الرد على أسئلة لا املك لها الإجابة .
قبل أن يغادرني الألم أخبرته مرة أنني لا اضمر لابن أوى سوى صرير القلم , لم تعجبه الإجابة , فانتفخ قنفذ الغضب يرميني بأشواكه دفعة واحدة , ومن حينها بارحني الجسد, يا سلام أنا الآن نسخة افتراضية لوعي ضائع في الظلام , حالة مناسبة لأخي الجلاد ليفعل بها ما يفعل وليتسلى بالعبث .
صمت الجلاد أو تعب ثانية توقف , ثمة خرتيت هائج يخرج من منخريه , ينتظر أن أتفوه له بشيء , والظلام ينخر من جسدي بعيدا عني ,وينخر من روحه ليجعل المعاناة قاسم مشترك بيننا , قطط السكينة نفذ صبرها فأخذت تزرع مخالبها في صدغه ليموء المسكين لي متوسلا , أرجوك تكلم يا أخي , هيا ارفع الغلاف عن دماغك واطلعنا على ازياج ذاكرتك لتحدد لنا الأفلاك التي كنت تترصد فيها مولانا , هيا اعد حساباتك واشرح لنا لوغاريتمات معادلة أردت بها تقويض جحره , هيا اخرج مفتاح الغيب من جبينك , لنغلق به باب دولة ضيع الفساد مفتاح أمنها , اخبرنا كم بوصلة تشير إلى جهة مولانا هدفا لمغناطيس التمرد , اخبرنا بعدد الملايين التي ترسم سمت هذا المكان .
في هذه البرهة التي يحاول فيها الإنسان الأسير في كلينا أن ينجو بنفسه ويهرب إلى الشمس , يجثم كابوس في الطرف الأخر من الألم على صدر طفلي حين يمد يداه في غفوته ليلف ساعده على عنق الطمأنينة رائحة في صدر أب حنون, فلا يحظى بغير وسادة خالية , ليطير العصفور من غفوته يتخبط في قلب طفلي الصغير رعبا يسال أمه أين أبي … أين أبي … أريد أبي , حينها تعود قوافل الألم إلى مواطنها خائبة , لتبرح البدن أوجاعا , تكاد أن تطفئ جذوة التسامح تحت رماد موقد لم يعرف إلا دخان آدمي فواح الهوى كطفل السفرجل ينضج قمرا محلى بسكر الشمس مذاقا آمنا على شفاه صاحب نعجة القناعة , الذي تسلح بالماء والملح كي يعرف كيف يحب جلاده , وحين علقوه أهدى عظام الضياء إلى جلاده المسكين عل السفرجل ينضج حكمة فلا يعود للقتل مبرر.
ثمة أشياء مجهولة في ذاتي لم تنكسر بعد, هي ذي تقوى على الأنين , فالشمس وان غابت تترك بقاياها دفئا تحت إبط الليل ليؤنس دجاجة الحنين حتى لا تبيض السماء ثانية كوكب فاسد , أجبرني على المسير في مشوار لاذع من نبيذ معتق يسكر ما تبقى مني خارج الزنزانة حبة زبيب منسية على غصن دالية عذراء لم يضاجعها القطاف ,قادني الجلاد المسكين إلى مصير غير مصيري , هشم دم آدم ليعجن به الظلام فكان خبزه نزيف رماد , وعاد دمي دافقا خارج خلاياي , لأحلم ذات ظلام وأنا محشوا بالسجن ودهاليزه وأقبيته وصرير بواباته الصدئة وخرير مياهه الآسنة وحراسه وقرقعة أسلحتهم وآلام السجناء وغرف الإعدام والمسالخ , لأحلم بأنني غابة ليمون , ليسير الوجع في جسدي حامضا يوقظ جوقة الأنين , ها أنا ذا أتعرف على بعضي من جديد , كتلة عجين متورمة منتفخة بلا ملامح , ولكن يكفي أنني استطيع التمييز بيني وبين الرطوبة اللزجة التي تغلفني من أعماقي , كما استطيع الإحساس بأخي الجلاد ,الذي هده التعب فنام على بركة دمي وسط عتمة قلبه , ورغم انتفاخ راسي وتمزق عذرية أذني على يديه ألا إنني اسمع شخيره كطفل انزاحت الوسادة من تحت رأسه , فأحاول جهدي أن أتحرك نحوه لأعدل رأسه حتى يهنئ بنومه , ولكن لا أقوى على الحراك , كما أنني لا أقوى على التحكم بأعضائي أبول … وأتبرز … على نفسي دون إرادة ,ولم يكن هذا ما يقلقني ,في البدايات الأولى كنت أقرف من ذلك ثم تعودت عليه , ولكن ما يقلقني هو الأنين الصادر من عظامي التي لا استطيع إسكاتها , إذ ليس هناك في الكون توقيت يوقظ الجلاد غير لحظات أنيني , التي تفسد عليه نومه فيصحو مناديا : ها ها ها هل عدت إلى وعيك ثانية طيب هل ستتحدث وتجاوب على أسئلة المحققين أم تصر على تعذيبي والله إذا لم تنطق هذه المرة سوف افرم لحمك , كنت اسمعه ولكن لم يكن لدي لسان لأقول له ثانية إنني لا امتلك أجوبة لأسئلتكم هذه , هنا ينتظر الجلاد برهة وحين لا يسمع مني ردا , يهاجمني باكيا وذئاب اليأس تعوي جائعة في روحه , ليفترس جسدي المخدر الذي بعد تلف أليافه لم يعد يحس بالوجع , لهذا كنت أشفق على أخي الجلاد الذي يرهق بدنه ويحرق أعصابه في ضرب كتلة لحم ميتة ليجبرها على النطق بلا جدوى .
مضى ظلام طويل وأنا على هذه الحالة منفي مع شريكي الجلاد عن الزمن , ولكن لم اعرف له قياسا أن كان أيام أو شهور أو سنين , كل ما اعرفه انه ظلام طويل الرقبة , في احدي فقراته القاتمة عادت غابة الليمون تنمو في مداركي , عجيب حين تكون ادميا تستطيع أن تحلم حتى لو كنت خاليا من الزمن والنور , لكن ثمة جديد حدث هنا أثناء غيابي عن الوعي آخر مرة , أنني لا اسمع شخير الجلاد , ثمة صمت مطبق يحيط بي , كان الموت زبونا دائما للزنزانة , لذلك سررت كثيرا للوهلة الأولى بهذا التغيير واعتقدت أن الموت قد أدركني أخيرا ليرتاح روحي من عناء جسد معطوب لم اعد احتاج إليه , وبقيت حسرة واحدة في قلبي وهي أنني غادرت الحياة دون أن أودع زوجتي وأطفالي ودون أن ابرىء ذمتي من ديون كانت متراكمة علي , ودون أن ادهن جبيني بذكريات عصفر الشباب الذي بقيت نكهته توقظ قلبي على حبه الأول , ولكن سرعان ما خاب ظني وعرفت أنني ما زلت أسير جسد متصدع على قيد الحياة , لأنني سمعت أنين سجناء آخرين , وعلى حد علمي أن الموتى يترفعون عن الأنين بعد أن يقطع ملك الموت جذوع آلامهم , هنا انتابني القلق على شريكي الجلاد وخفت أن يكون الموت قد اخطأ هذه المرة فلم ينقذ أحد السجناء بل خطف الجلاد نفسه , لا اعرف لماذا كنت افرح بموت السجناء ولماذا كنت أتمناه لنفسي , كما أنني لا اعرف لماذا أصابني الخوف والحزن حين اعتقدت أن الجلاد قد مات , ربما لاعتقادي أن الموت هو الخلاص الوحيد لنا نحن السجناء , بقدر ما يكون بداية العذاب للجلاد الذي لم أكن أتمنى له أن يتعذب , قلقت على مصير صديقي الوحيد ,ورغبت بالبكاء عليه ولكن من أين لي القوة على البكاء , ولو كان لدي صوت كنت سأصرخ مناديا الحراس حتى اسأل عن أخي الجلاد , ولأنني لم أقوى على إي شيء , فتحت عيني انفخ في الانتظار الدامس , دخل احدهم الزنزانة وألقى علي بصحن الطعام مثل كل مرة , زحفت غريزة الجوع بحيواني الصائم تتلمس الطعام وحين تناولته شعرت انه أفضل من الوجبات السابقة التي كانت تقدم إلي , وبعد ظلام جاء آخرا وجرني خلفه ينقلني إلى زنزانة أخرى لها باب فيه كوة صغيرة يتسلل منها نور الشمس خجولا يلامس جسدي , وجدت صعوبة كي افتح عيني حتى تتوضأ بالضياء , فرحت التهم النور بفمي وكل مسامات جسدي , لا اعرف منذ كم ظلام ,عاد الزمن يدور في حياتي بحركة حقيقية , فيأتني بالنهار و الليل , وغاب ذاك اليوم المسطح الأسود الممتد بلا نهاية , لتحل محله الثواني الملونة والدقائق المشرقة , والساعات الدافقة , والبدايات والنهايات , ومع نور الشمس وغياب شريكي الجلاد , بدأت أحس بخلايا جسدي تنمو من جديد , وعادت الأحاسيس تدب في كياني , ها أنا اشعر بالأوجاع في جسدي , ها أنا أحس بدمي لزجا دبقا ثقيلا كماء راكد , ها أنا أحس بضفادع جمجمتي تنق ربيع الصداع , هي ذي قدماي متورمتان , ها أنا ذا كتلة كدمات وجراح , الوجع يزداد , وبه تعود أعضائي إلى الحياة , جسدي يسترد وظائفه العضوية يعيد البناء , يا الله منذ متى لم اسمع دقات قلبي انه ينبض ألان , والروح نعم الروح ما عاد يجدني عالة عليه , إنها الحياة تعود إلي رويدا رويدا , إنها غابة الليمون تزهر من جديد , إنها حبة الزبيب تسقط من غصنها المتيبس لتنمو شتلة , آه هي ذي الأشواق والذكريات تعود إلى مواطنها , وتشتعل الأماني أريد أن اقبل زوجتي أريد أن أعانق أطفالي , أريد أن اكتب .
مضت أيام وقد برأت روحي وجسدي وصحت نفسي , وصرت على ثقة مطلقة بأنني رجعت إنسان بكامل المواصفات لا ينقصني شيء غير حريتي , ثم رحت أفكر بالأسباب التي دفعتهم إلى تبديل معاملتهم لي بتحسين ظروف اعتقالي , ولم يطل تفكيري , فحين عرفوا بتحسن صحتي واستردادي لقدراتي الجسدية والذهنية , ساقوني ثانية إلى غرفة التحقيق , ظننت أنهم سوف يأتون بالجلاد ثانية ويلقون بي في العتمة الأبدية , فندمت لأنني لم أقدم على الانتحار حين جاءتني الفرصة, ولكن فوجئت بهم قد تخلوا عن التعذيب في استجوابي , واكتفوا بطرح الأسئلة , بعد أن اعادوا صياغتها , وبعد أن استبدلوا نبرة الذئاب بثغاء الماشية في موسم الجماع .
حدثني المحقق : اسمع يا هذا لا اعرف أن كان حظك طيبا أو جسدك صلب حتى تنجو من زنزانة الموت , حاول الجلاد معك ليجبرك على النطق أو يقودك إلى حتفك , فلم يظفر منك بشيء ليصاب بالجنون , وأنا أحملك مسؤولية جنون أفضل جلاد لدينا , سوف أعطيك الفرصة الأخيرة حتى تجاوبني على أسئلتي , وإلا سوف أعجنك طينة ادهن بها هذه الجدران , هل فهمت ,ألقيت نظرة على الجدران كم ستكون بشعة لو دهنت بلحمي ثم قلت : له لدي حقيقة واحدة سوف اعترف لك بها , ثم اقذفني من جديد إلى مشيئة ابن آوى , فهذا أفضل لي من الاعتراف بذنب لم ارتكبه , أيها السيد أنا حزين في غاية الحزن على سؤ عاقبة جلادي الحميم , فقد كانت بيني وبينه مودة وألفة , ولسوف افتقد إليه هناك كثيرا كثيرا , بلغه تحياتي وأمنياتي القلبية بالشفاء , جن جنون المحقق , فنادى على الحراس وأمرهم بإلقائي في مشفى المجانين , لالتحق بأخي الجلاد, وحين تلاقينا أجهش كلانا بالبكاء ,فقد اكتشف أخي الجلاد في المصحة بأنني مثله إنسان لدي رأس وأطراف علوية وأطراف سفلية وجذع وبطن ومؤخرة ومقدمة, و انفعالات ومعرفة بالغضب والأسى والمعاناة والقدرة على الصمت واختزان القوة والضعف , والقامة المنتصبة , وان لا شيء يجمعنا بابن آوى كي نقتل بعضنا بعضا كرمى له , أما غير ذلك فقد اتفقنا أن المكان أينما كان سوف يتسع لكلانا , فتعاهدنا على عدم الخلاف , ها هو الجنون يكفينا معا ملاذا أمنا من ابن أوى , وكذلك كلانا يهمس إلى الآخر بقلقه على أطفاله من جراء ابن آوى , وكلانا لم يعرف موطنا غير الأحزان الحميدة وأبناء آوى تطمر السعادة غنائم في جحورها الخفية .
sibasdar@gmail.com