الرئيسية » مقالات » الشيخ علي الشرقي شاعر كبير عشق العراق

الشيخ علي الشرقي شاعر كبير عشق العراق

والشاعر الكبيرالشيخ علي الشرقي يتصدى للفرات الطاغي بعتاب مر مرارة الألم والمعاناة التي عصفت بأكواخ الفقراء أثناء حدوث ذلك الفيضان الرهيب الذي أحدثه نهر الفرات عام 1929م حيث نراه يسكب قطرات دمه مرة أخرى على الورق ليعبر عما تعانيه روحه من حزن وتمزق جراء ماحل بتلك الطبقات الكادحة المسحوقة من كوارث رهيبه حيث الأمواج العاتيه التي اكتسحت كل شيئ دون رحمة ومن خلال القصيده يوجه نقده اللاذع أيضا للسلطات الحاكمة آنذاك التي لم تتحسس هول الكارثة والمعاناة الكبرى والرزايا التي عصفت بالفقراء المنكوبين وبأكواخهم الطينية التي لايملكون غيرها ملجا يأوون أليها فباتوا حيارى في العراء يلتحفون الأرض والسماء تحت بصر وسمع الحكام القابعين في قصورهم الفارهه ولم يقوموا بأدنى فعل لدرء الخطر عنهم حيث يقول :
الموج في تلك السهول كأنما
زحفت على تلك السهول روابي
أني عتبت على الفرات وهل ترى
يتنازل الطاغي لسمع عتاب !
ماللفرات المستشيط بغيضه
يسطو وسطوته على الأصحاب !
فبلاغة الأعيان ماأجدت ولا
صد الفرات فصاحة النواب !
انه تهكم ممزوج بالمرارة على مجلسي النواب والأعيان آنذاك الذين لاهم لهم سوى أظهار براعتهم في خطبهم الرنانة والطنانة التي لاتغني ولا تسمن من جوع ولا غرو في ذلك ماداموا ينتمون ألى دولة الأقطاب التي تحكمهم وأخاطب روحك ياشاعر العراق الكبير لو كنت حيا لرأيت العجائب والغرائب من مجلس النواب في العراق الجديد الخاضع ألى دولة الأحزاب والذين يعطون المثل الأسوأ في المحاصصة والخطب الخاوية التي لم يجن منها الشعب العراقي سوى الركام والموت الزؤام هذا هو حال برلمان العراق اليوم الذي لاهم له سوى جني المكاسب على حساب الفقراء والمعدمين الذين يعانون الفقر والحرمان وشظف العيش .
يستمر الشاعر في قصيدته ( الفرات الطاغي) فيقول :
سل دولة الأقطاب هل من منقذ
لزروعه في دولة الأقطاب
طافت حنايا الكوخ..
فوق خصاصة الغرقى..
وعام البيت بالأخشاب
ولقد نظرت أثاثه الطافي فلم
أبصر سوى حصر وجرد ثياب
لانجوة يأوي لها الراعي ولا
لقطيعه المذعور نشز هضاب
ألى أن يصل في قصيدته ألى ذروة المأساة حيث يصور كيف غدت الكلاب وأسراب الأطفال في آن واحد تصارع الأمواج وتفعل المستحيل من أجل البقاء وتنقذ حياتها من الخطر الذي داهمها على حين غره فشبه الأطفال بالطيور المفرفرة بين الأمواج التي أخذت تلطمها لتقضي عليها :
حتى الكلاب بذلة وكآبة
ولهى قد امتحنت بخوض عباب
وتكاد تخرج من أهابك عندما
ترنو ألى الأطفال كالأسراب
تعدو مفرفرة أمام الموج كي
تنجو فينكصها على الأعقاب !
والشرقي عندما يكتب قصيدة في وصف شيئ ما أو يبعث بتهنئة لصديق أو يرثي شخصا عزيزا عليه يشير في قصيدته ألى مكمن الجرح حيث الأغلال تكبل أبناء وطنه وفي هذه القصيدة التي سأدونها يهنئ صديقا له بمناسبة زفافه نراه كيف يستنهض همم الشباب كي يدرأوا الخطر المحدق بوطنهم وأمتهم فيطلب منهم بروح حماسية متأججة قادرة على التأثير في أعماق النفوس أن يكونوا خير بناة لوطنهم وأنهم أذا سعوا ألى رفعة وطنهم والدفاع عن مقدساته فلابد أن يبذلوا الدماء على مذبح الحرية وهم قادرون على البذل والتضحية لأن الوطن يستحق ذلك ويرنو ألى تضحياتهم وأيثارهم . وبسواعدهم يصمد وبهممهم وعنفوانهم تخفق في ربوعه رايات النصر والحرية انطلاقا من قصيدة أحمد شوقي:
وللحرية الحمراء باب
بكل يد مضرجة تدق
فالشباب قادرون دائما على البذل أذا عقدوا العزم وتوحدت أرادتهم لأنهم الجيل الذي ينتمي ألى أولئك الأفذاذ الذين جبلوا على التحدي وسبحوا عبر أنهار الدماء من أجل حريتهم وكرامتهم وخلاص وطنهم وهنا يكمن دور الشاعر في خلق وعي الأمه عندما تختلط القيم والمفاهيم , وتطعن الأمة بكبرياءها وأقدس أمانيها :
صحراء أندلس حماتك أنجبوا
للثورة الحمراء جيلا ثان
كف لنا خضبت بنجد صافحت
سورية فتخضب الكفان
الورد ألوان فقل لرياضنا
لاتنبتي ألا بأحمر قاني
ورد الشباب وسوف ينبت دائما
ذكرى لهم بشقائق النعمان
ساري النسيم الحاملات رسالة
للورد نحو مراقد الشبان
رقدوا وأعلام البلاد تلفهم
كالورد في الأكمام لا الأكفان
لقد شبه الشهداء الذين سقطوا مضرجين بدماءهم من أجل الوطن كالورود في الأكمام ولاشك في ذلك لأن الشهداء مشاعل نور ونجوم لاتنطفي أبدا ترسم الطريق لكل عشاق الحرية والباحثين عن الكرامة والمجد لوطنهم . ويستطرد في قصيدته متحدثا عن الشهداء قائلا :
وتقمصت لطفا ورود ربيعها
أرواحهم عوضا عن الأبدان
ثم يخاطب مرة أخرى شباب العراق ويصفهم بالبستان ويسوءه أن تكثر الأشواك في البستان التي تشوه هذا البستان وتمنع الأشجار المثمرة من أعطاء الثمر اليانع للأمه والأشواك هم أعداء الأمة الذين يحاولون التغلغل بين أوساط الشباب وتثبيط عزائمهم وألها ءهم بأمور تافهة تبعدهم عن هموم شعبهم ووطنهم اللذان عقدا آمالهما الكبار على عقولهم وسواعدهم.حيث يقول :
ياورد بستان العراق يضيمني
أن تكثر الأشواك في البستان.
ولعل رباعيات الشرقي التي تحمل عنواني ( البلبل الطليق )و ( البلبل السجين) هي أجمل ماكتب من شعر . ففي هذه الرباعيات الجميلة يجد متذوق الشعر الوجه الحي للطبيعة البشرية بكل مايعتريها من قلق وحب ولذة وألم وتفاؤل وتشاؤم ونجاح ونكوص حيث يتطرق فيها الشاعر ألى مختلف شؤون الحياة الفلسفية والوصفية والوجدانية وغيرها وأستطيع أن أزعم أن الشاعر الشرقي قد قرأ رباعيات الخيام قراءة متأنية وحاول أن يحذو حذوها لكنها لن ترقى ألى مستوى رباعيات الخيام العميقة الدلالة بمضمونها الفلسفي وقد ترجم تلك الرباعيات الشاعر العراقي أحمد الصافي النجفي وكذلك الشاعر المصري أحمد رامي وكلا الشاعرين كانا معاصرين لشاعرنا علي الشرقي ولا أدري هل جمعه لقاء بالشاعرين أم لا وأذا جمعه لقاء معهما فهل تحدثوا عن تلك الرباعيات وعن شخصية عمر الخيام التي اختلف فيها الكثيرون فمنهم من قال أنه زاهد متعبد متصوف ومنهم من قال أنه متهتك أطلق هواه وغرائزه ووصف الخمرة لأنه كان يعاقرها ومهما يكن من أمر فباعتقادي الشخصي أن رباعيات الشرقي فيها روح من رباعيات عمر الخيام ولكنها أقل منها عمقا ودلالة.
وهذه رباعية له يحاول بها تقليد رباعية لعمر الخيام فيقول :
من أجل جبران قلب
قد انكسرن قلوب
وكي يكون وقود
يجف غصن رطيب
نتوب عن جرم ذنب
وتستجد ذنوب
تبنا وعدنا فهلا
من أن نتوب نتوب
أنه يعبر في هذه الرباعية عن النفس الأمارة بالسوء أنطلاقا من الآية الكريمة ( وخلق الأنسان ضعيفا ) أنها الحياة التي تفرز الأضداد : لكي يكون وقود
يجف غصن رطيب
وأنها جدلية الموت والحياة التي تناولها وسيتناولها الفلاسفة والمفكرون ألى يوم يبعثون.وحسب اعتقادي أن تلك الرباعيه فيها مسحة من رباعية عمر الخيام التي يقول فيها ( ترجمة أحمد رامي ):
نلبس بين الناس ثوب الرياء
ونحن في قبضة كف القضاء
وكم سعينا نرتجي مهربا
فكان مسعانا جميعا هباء
فالتشابه في المعنى بين الرباعيتين واضح جلي ولكن كل شاعر عبر عنها بلغته الخاصة به .
لقد جعل الشاعر علي الشرقي من رباعيات (البلبل الطليق ) و( البلبل السجين ) رمزين لفلسفته وأفكاره وهواجسه ف (البلبل ) هو تلك الروح الهائمة الباحثة عن الحرية والنقاء والطهر والحياة المثلى البعيدة عن القهر والأغلال والسجون فالبلبل لايطيق القفص الذي يسكن فيه وحريته الفضاء الشاسع ومع الأشجار والورود كما يعبر في هذه الرباعيه :
معي يابلبل الروضه
من لوح ألى لوح
وبح للورد أن الورد
مأمون على البوح
وددت الفلك لم ينج
ولم يسلم على نوح
وتبقى الأرض للنبت
من القيصوم والشيح
أنها أرض العراق التي تنبت فيها الكثير من النباتات البرية الزكية الرائحة منذ أن خلقها الله والقيصوم والشيح هي النباتات البرية الزكية الرائحة ولابد للبلبل أن يتنقل بينها ويستاف عبيرها دون خوف أو قهر ولاشك أن البلبل هو الأنسان العراقي الذي لاقى الكثير من الضيم والأضطهاد على أيدي الطغاة
وهذه الرباعية فيها معان تلتقي مع رباعيه لعمر الخيام ترجمة أحمد رامي حيث يقول فيها :
صفا لك اليوم رق النسيم
وجال في الأزهار دمع الغيوم
ورجع البلبل ألحانه
يقول هيا اطرب وخل الهموم.
أن العديد من رباعيات الشاعر علي الشرقي لاتخلو من روح التهكم والسخريه التي غالبا ماكان يوجهها للحكام الذين لاهم لهم سوى سرقة قوت الشعب والعيش على جماجم أصحاب الأرض الحقيقيين وجمع الضرائب من كد هم وعرقهم لبناء القصور لهم ولابد أن يأتي اليوم الذي يثور فيه هؤلاء المسحوقين ليزيلوا عروش الظلم والفساد حيث يقول في أحدى الرباعيات :
هل زاد رزقي درا
حتى تزيد الضرائب ؟
وصاحب الكوخ فقرا
قد باع حتى المعاصب !
أأنت تسكن قصرا
من كد أهل الضرائب ؟
بغاث طيرك يضرى
ونسر قومي يراقب !
وفي ختام هذه الدراسه لايسعني ألا أن أقول نحن أمام شاعر مجيد , حاذق الصنعة واسع الخيال , ثر المعاني , غنى للجمال والحب والوطن والقيم الأنسانية النبيلة بلغة شعرية شفافة ومتمكنة وآسرة وأنه عشق وطنه العراق عشقا لاحدود له وسخر جل شعره لوطنه ورغم أني أشعر بالتقصير في الألمام بكل القصائد التي احتواها الديوان من رباعيات وموشحات ومزدوجات لو تناولتها لآحتجت لكتابة عشرات الصفحات فالشاعر الكبير علي الشرقي يستحق الكثير الكثير وأقولها بكل أسى ومراره بأن النقاد قد ظلموا هذا الشاعر الوطني الكبير ولم يقدروه حق قدره أتمنى من لكل متذوق للشعر أن يقضي أوقاتا ممتعة مع ديوان الشاعر الوطني الكبير علي الشرقي الذي سيبقى أثرا بارزا في تأريخ الشعر العراقي المعاصر . رحم الله علي الشرقي الشاعر والأنسان ورحم الله المحققان الأستاذان أبراهيم الوائلي وموسى الكرباسي حيين كانا أو ميتين على تحقيقهما لديوان الشاعرالخالد الشيخ علي الشرقي .
المصدر : ديوان الشاعر علي الشرقي – مطبوعات وزارة الأعلام العراقيه عام 1979م أشرف على تحقيقه الأستاذان أبراهيم الوائلي وموسى الكرباسي.