الرئيسية » شؤون كوردستانية » الكورد… في المعادلة السياسية السورية

الكورد… في المعادلة السياسية السورية

ج- موقف القوميين (التيار القومي خارج السلطة): أستطاع النظام السوري ومن خلال أجهزته الأمنية أن يقوم بتفتيت وتقسيم التيار القومي أيضاً كغيره من الكتل والتيارات والقوى الفاعلة وذلك بهدف التمكن من إدارة اللعبة السياسية في البلد ومن خلال تشتيت الأصوات – حتى أصوات التيار الواحد، وهنا التيار القومي العربي هو المقصود – بين عدد من أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية بقيادة حزب البعث العربي الإشتركي وبعض الأحزاب والقوى التي تعمل خارج تلك الجبهة في كتل سياسية أخرى مثل إئتلاف قوى إعلان دمشق وغيره. ولكن نود أن ننوه إلى نقطة أخرى – نعتبرها مهمة برأينا – ألا وهي: إننا لم نسمي هذه القوى والأحزاب القومية بالجبهة المعارضة كون أجندتها السياسية تتقاطع مع أجندة النظام وحزب البعث أكثر مما تختلف معه ويبقى التباين بينهم على بعض الأولويات والمقدمات وأحياناً يكون الخلاف على الوسائل والأدوات السياسية والصراع على السلطة (التجمع القومي الموحد) وليس على البرنامج السياسي، إلا مؤخراً.

وسوف نأخذ خطابين للقوى القومية – خارج السلطة – بعد أن رأينا موقف الحكومة وحزب البعث من خلال المشروع الأمني والذي قدمه الضابط في الأمن السياسي بمحافظة الحسكة (محمد طلب هلال) وذلك في بداية الستينات من القرن الماضي لقيادته السياسية في دمشق وقد قامت السلطات السورية بتنفيذ أغلبية تلك المقترحات الشوفينية بحق الشعب الكوردي في غرب كوردستان – كما رأينا عند تناولنا لموقف الحكومة السورية بصدد القضية الكوردية – أما أبرز الأصوات القومية خارج دائرة السلطة وجبهة البعث فإنها تبرز من خلال التجمع الوطني الديمقراطي ويمكن أن نقف على موقفهم من القضية الكوردية من خلال ناطقهم المحامي (حسن عبد العظيم) الأمين العام للاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي؛ حيث يرد في إحدى مقابلاته على سؤال: “أين تضع الحركة الكردية، على الخريطة السياسية السورية؟ أجاب: بطبيعة الحال هي الى جانب المعارضة الوطنية لأن للأكراد حقوقاً خاصة بهم لم يحصلوا عليها بعد، فمن الطبيعي ان يقفوا الى جانب المعارضة والعمل معها من اجل الحصول على هذه الحقوق، وكذلك من اجل حقوق وطنية عامة تخص معظم الشعب السوري، على الجميع من عرب وأكراد وآشوريين وغيرهم، ان يعملوا معاً لتحقيها. لكن في ذات الوقت لا نجد مانعاً من أن يحاور الاكراد السلطة من اجل حل مشاكل راهنة يعانون منها، مثل التجنيس، والسلطة قادرة اذا رغبت على حل هذه المشاكل، فنحن لا نشترط على الأكراد، ولا على غيرهم أن يقاطعوا السلطة، لأننا نحن أيضاً كمعارضة وطنية نطالب النظام بفتح الحوار معنا”. (من مقال الحركة الكردية السورية، بين السلطة والمعارضة بقلم: سليمان يوسف يوسف).

وهكذا فإننا نجد بأن الموقف من السلطة السورية ليس في حالة القطيعة وإنما هو قريب إلى المخاصمة؛ بدليل أنهم لا يمانعون من تعاطي الحركة الكوردية مع السلطات السورية، بل أنهم يطالبون السلطة بفتح باب الحوار معهم (كقوى معارضة). أما من حيث الموقف من القضية الكوردية – وعلى الرغم من إعترافه (حسن عبد العظيم) ببعض “الحقوق الخاصة” للكورد ومن دون توضيح تلك الخصوصية – فإنه لا يخرج (أي موقفهم السياسي) من إطار مفهوم “دولة المواطنة” ويصل الأمر ببعض رموزهم القيادية؛ بأن (يرفض مفهوم ومصطلح القضية الكوردية) بل حتى مصطلح (المشكلة الكوردية) غير مقبول لديهم وبالتالي فإن كل (المسألة) – برأيهم – تختصر في حل بعض الاجراءات المتخذة بحق “مواطنين سوريين من أصول كردية” مثل “إجراء الإحصاء في محافظة الحسكة” وقد رأينا مثل هذه المواقف من العديد من كوادر وقيادي الاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي وذلك في لقاءاتنا الدورية معهم من خلال إجتماعات قوى إعلان دمشق.

أما الموقف القومي الآخر والذي نود أن نتناوله فهو موقف التجمع القومي الموحد والذي يقوده السيد رفعت الأسد؛ شقيق الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد وعم الرئيس الحالي. إن هذا التيار – إن جاز التعبير – يمثل وبكل جلاء حالة الصراع على السلطة من قبل أبناء العائلة الحاكمة ولكن بصبغة أيديولوجية قومية؛ كون النظام السوري (العائلة الأسدية الحاكمة وحاشيتها المنافقة) تتستر وراء هذه الأيديولوجية، فما كان من أبن العائلة (العاق؛ حسب وجهة نظر العائلة نفسها) إلا أن يتمرد – بعد أن تم التضييق على إمتيازات المافيات التابعة له ولأبنائه وأعوانه – وذلك في وجه (الأخ والعائلة) في صراعٍ على النفوذ و(شفط) إقتصاد البلد. وهكذا فما كان منه – بعد خروجه من سوريا – إلا أن أعلن عن تياره (التجمع القومي الموحد) وكذلك أطلق فضائيته (تلفزيون – ANN) وبالتالي ليعلن من خلالها عن (مشروعه القومي) ورؤيته لمستقبل سوريا عموماً ومن جملة ما توقف عنده – هو أيضاً – كانت القضية الكوردية وهي ما تهمنا في بحثنا هذا ولذلك فسوف نقف عندها بشيء من التفصيل.

لقد جاء موقف التجمع القومي الموحد بخصوص القضية الكوردية في مناسبات عدة وكان منها بمناسبة قيام الأجهزة الأمنية بإطلاق الرصاص الحي على تجمع نوروزي مساء (20 آذار 2008) وذلك على عدد من الشبان وهم يتحلقون حول نار نوروز وكان بنتيجتها ثلاث قرابين وعدد من الجرحى مما جعلت العديد من القوى والكتل السياسية أن تبدي وجهة نظرها بصدد المسألة وبالقضية الكوردية على وجه العموم وكان منهم موقف التجمع القومي حيث مما جاء في بيانهم الصادر بهذه المناسبة بما يفيد: بأن التجمع المعارض والذي يقوده نائب الرئيس السوري السابق رفعت الأسد “حذر من مضاعفات الأحداث الأخيرة في مدينة القامشلي التي راح ضحيتها ثلاثة شبان أكراد، ووعد بأن يطرح رؤية استراتيجية شاملة تتناول القضية الكردية بكل أبعادها والمنهج القومي الصحيح للتعامل معها في إطار حقوق المواطنة والإعتراف بالخصوصية القومية وحق تقرير المصير”. وكذلك قال التجمع القومي الموحد في بيان يوم الخميس إنه “لا يمكن أن يتجاهل مثل هذا الحدث بتفاعلاته التي قد تفتح الأبواب أمام جحيم يصطلي بناره الوطن كله في وقت تحتاج فيه الأوطان أكثر من أي وقت مضى إلى ما يرسّخ وحدتها الوطنية والقومية ويصلب بنيانها السياسي والإقتصادي والإجتماعي وسط نذير عواصف وزلازل على المستويين الإقليمي والدولي قد تجر أوطاناً بأكملها إلى بحور دم”. وهكذا فإننا نجد وعلى الرغم من إعتراف البيان “بالخصوصية القومية وحق تقرير المصير” للشعب الكوردي إلا أنه يحاصرها (أي الاعتراف ذاك) ضمن مفهوم “حقوق المواطنة” وهكذا مرة أخرى تكون الضبابية في الرؤية والإكتفاء بالتلميح دون التصريح، مع التأكيد؛ على أن موقفهم هذا يعتبر متقدماً على غيره من الرؤى والأطروحات.

ويضيف البيان السابق الذكر بـ”أن لغة الرصاص لا ينبغي أن تكون قابلة للتداول أو الإستخدام داخل المحيط الوطني ولا القومي وبين صفوف الشعب الواحد مهما تكن طبيعة الأزمات أو الإختلافات أو التناقضات أو المفاهيم لأن ذلك سيكون تكريساً لإعطاء لغة القوة والرصاص مشروعية سياسية عامة، واستبدال منهج الحوار الوطني بمنهج بديل آخر هو منهج الإحتراب الوطني سيقود إلى إشعال الفتن والخروج بها من محيطها الجغرافي إلى دوائر أجنبية واسعة”. ويرى التجمع أن “الإستخدام المباشر للرصاص الحي في سفك دم عدد من الشباب بادروا إلى إيقاد الشموع وغيرها من مظاهر الترحيب والبهجة بعيد النوروز أو الربيع إنما يعكس حالة مأزومة ومشدودة ومشبعة بالتوتر ينبغي التوقف أمامها وإستبطان أسبابها وتقديم العلاج اللازم لها قبل أن ينطلق في مواقف مماثلة رصاص أكثر ويُسفك دم أكبر”. وأضاف “لا يجوز من كافة جوانب المشروعية السياسية أو الأخلاقية أن يظل منهج التعامل مع القومية الكردية مستنداً إلى بحث عفا عليه الزمن كتبه ملازم في الجيش يدعى محمد طلب هلال عام 1963 بتكليف من أمين الحافظ وهو البحث الذي أُخذ في تنفيذ بنوده في منطقة الجزيرة السورية، بدءاً من عام 1965 بالتهجير والفصل والأحزمة العازلة(يقصد الحزام العربي – التوضيح من كاتب البحث) وإسقاط حقوق المواطنة”، و(مشدداً – البيان – على أن الروح الحية للقومية العربية) “لا تقبل نفي قومية أخرى لها تاريخها وتراثها وثقافتها ونضالها الإنساني”. (المصدر: PUKmedia يو بي آي).

وهكذا فإن ما نجده هنا؛ تأكيد آخر على أن رؤية التجمع القومي الموحد فيه من جرأة الطرح والواقعية في تناوله للقضية الكوردية أكثر من غيره بكثير، ولكن ما يفقد مصداقية أي مشروع من هذه المشاريع هو عدم الاتفاق على برنامج سياسي حقيقي يضم أغلبية أطياف المعارضة السورية، بما فيها الحركة الوطنية الكوردية وذلك لرسم السياسة المستقبلية والخطوات العملية للوصول بالبلد إلى بر الأمان والخلاص بحيث تصبح سوريا دولة المواطنة الحقة؛ دولة القانون والعدل.

د- مواقف بعض القوى والكتل التي تعمل في الخارج: هناك بعض القوى والأحزاب والكتل السياسية التي تكونت وتشكلت مؤخراً في الخارج (دول الشتات الأوروبي والأمريكي) وقد أبدت هي الأخرى مواقف متباينة لمجموعة القضايا المطروحة على الساحة السياسية السورية ومنها القضية الكوردية. إننا ومن خلال هذه الفقرة سوف نقف عند مواقف بعض تلك القوى والأحزاب وذلك كنماذج وأمثلة عن مجموعة تلك الفعاليات السياسية وتحديداً عند موقفي كل من: (جبهة التغيير والوفاق في سوريا) وأيضاً (حزب الحداثة و الديمقراطية لسورية).

لقد عقد مؤخراً (في 22/2/2009) المجلس التنسيقي الأعلى لجبهة التغيير والوفاق الوطني في سوريا إجتماعاً حضرته عدد من الفعاليات والأطياف السورية وخرجت بمجوعة من القرارات والتوصيات – ضمنته في بيانهم الختامي – وذلك “لإحداث نقلة نوعية وصولاً إلى التغيير الجذري الذي تنشده الجماهير السورية العريضة بكافة إنتماءاتها المتنوعة” وكان من تلك التوصيات ما يبدي عن رؤيتهم لمستقبل سوريا كحالة تشاركية بين جميع مكوناتها ودون إقصاء أي كتلة أو أقلية؛ عرقية كانت أو غيرها من الأقليات التي تشكل النسيج الوطني السوري، حيث جاء في البيان المذكور: “الإعتراف الكامل بحقوق جميع السوريين وخصوصياتهم بغض النظر عن الأعراق والأديان والمذاهب والإيديولوجيات المقصية، والعمل الجاد على إزالة ذاك الركام الجاثم على صدر الشعب والأمة السورية، والإتيان بالبديل الديمقراطي المرتكز على الدستور الضامن للتعددية السياسية والثقافية والعرقية والدينية والمذهبية، وعلى اللامركزية في إدارة شؤون الأقاليم والمدائن”. ويطالب البيان بأن يكون “الإنسان وقيمه الحضارية هو المنطلق في دستور سوري يختاره الشعب بعيداً عن إحتواء الأغلبية للأقلية”.

وهكذا فإن الطرح السياسي للجبهة يندرج ضمن إطار الحل الفيدرالي (اللامركزي في إدارة شؤون الأقاليم والمدائن) التي تتشكل منها جغرافية سوريا ودون هيمنة أو إقصاء أحد المكونات السورية، بل “الإعتراف الكامل بحقوق الجميع وخصوصياتهم” وذلك في ظل دستور سوري جديد يقره الشعب من خلال برلمان وإنتخابات حقيقية. وبالتالي فيمكن القول بأن طرح الجبهة هي سابقة سياسية – إن جاز التعبير – وذلك على مستوى البرامج السياسية المطروحة في البلد؛ حيث وعلى حد علمنا لم تطرح أي كتلة سياسية أخرى مثل هذا البرنامج الذي يتضمن مبدأ اللامركزية (الفيدرالية) كمشروع سياسي لسوريا المستقبلية، بل وكما رأينا في (كل) المشاريع السابقة لمجموع القوى والكتل السياسية السورية، بأنها تندرج في قضية مبدأ المواطنة كحل (وطني) لكل السوريين وبمختلف أطيافهم.

أما موقف (حزب الحداثة و الديمقراطية لسورية) والذي جاء من خلال “بياناً يعبر عن موقفه من القضية الكردية وحركتها الوطنية في سورية” فهو كالتالي: “تعبيراً عن إيمان الحزب بالهوية الكردية الثقافية المتميزة وكونها تمثل القومية الثانية في البلاد، فقد حرص حزب الحداثة و الديمقراطية لسورية على إعادة طرح الخصوصية الكردية السورية على السوريين”. ويضيف البيان المذكور “لقد قام النظام الدكتاتوري المتعصب، بممارسة منهجية تهدف غسل الأدمغة السورية بخصوص هوية الوطن السوري، وتلاعب بفرع من تاريخ سورية وخارطتها الثقافية الغنية، متبنياً لجملة سياسات مركبة ومتشابكة ومشوشة ترمي إلى إفقاد الكرد السوريين في سورية هويتهم، و تمثيل ثقافتهم، و دمجها في الثقافة العربية”. ويضيف أيضاً “لقد أرادت الديكتاتورية عبر سياساتها هذه أن تحتكر الوجود الثقافي على الساحة السورية بالقومية العربية، وكأن التسلط وأدواته لا يدركون أن الشعوب تأبى أن تتمثل وتتبخر، مهما كانت الممارسات العنصرية متوحشة، خبيثة، ولا ترحم”.

وأيضاً ومن بعد توصيف الحالة السورية والاعتراف بالشعب الكوردي كثاني قومية في البلاد فإن البيان السابق يقف عند المشاريع العنصرية التي طبقت بحق مكون أساسي لسوريا؛ ألا وهو شعبنا الكوردي، حيث يقول: “إن قانون الإحصاء العنصري لعام (1962) وذيوله وما ترتب عنه من إجراءات و ممارسات أفقدت الآلاف من أبناء سورية من الأكراد جنسيتهم السورية، هو أحد هذه السياسات العنصرية، و التي لا تحظى بأي شرعية قانونية أو أخلاقية، و كذلك الأمر فيما يخص الإجراء المخرب للخارطة السورية، من خلال حزام التوطين العربي على طول الأرض السورية الشمالية، تلك التي سكن فيها الأكراد السوريون، وأعطوها من عرقهم ودمهم وثقافتهم، لقد أخذت هذه الأرض من الثقافة الكردية ومن خصوصية الحياة الكردية كل مسمياتها وعناوينها وهويتها، وكانت بحق جدلية (الشعب الأرض) وتبادل الأخذ والعطاء”. وبالتالي فيمكن تسجيل هذه النقطة؛ الإعتراف بالجغرافية الكوردية (غرب كوردستان) لصالح المشروع السياسي الذي يطرحه (حزب الحداثة و الديمقراطية لسورية) وذلك كأول حزب سوري – خارج إطار الحركة الوطنية الكوردية – يطرح القضية تلك ضمن أجندته السياسية وإن لم يسميها (أي جغرافية كوردستان) ولكن أشار إليها من خلال “جدلية الشعب والأرض” وخصوصية (تلك الأرض) وكيف “أخذت من الثقافة.. والحياة الكردية” نتيجةً لمشروع عنصري إستيطاني (الحزام العربي).

وهكذا فإننا نجد بأن هناك مشاريع سياسية تلمح – ولا تصرح – لقضايا ونقاط جوهرية في مسائل مصيرية، وخاصةً المتعلقة منها بالقضية الكوردية، مما يخلق بعض الريب والشك لدى المواطن الكوردي البسيط، ناهيك عن السياسي المحنك ومعرفته بمدى إمكانية التلاعب بالمصطلح السياسي وتحويره وحتى التنصل منه؛ والتجربة الكوردية مع المعارضة العراقية تتمثل أمامه يومياً. مما جعل الكثيرين من المثقفين والناشطين السياسيين الكورد يشكون في النوايا والمشاريع السياسية وقد طرح ذلك صراحةً الأستاذ إبراهيم حمو؛ العضو القيادي في البارتي الديمقراطي الكردستاني في رسالته إلى “أبناء وبنات شعبنا الكردي السوري في كل مكان”، قائلا “أن البعض من هذه القوى المعارضة (العربية – التوضيح من كاتب المقال) نطق بها (الاعتراف بحقوق الأكراد) تكتيكاً لا إيماناً، بدليل ان أقطاب المعارضة، سواء كانوا في إعلان دمشق أو في جبهة الخلاص أو في مواطن أخرى، ومن خلال تصريحاتهم المتشنجة كما حصل مع رياض الترك في ندوة برلين السياسية، أو في مقابلات بيانوني وخدام في أكثر من موقع أو مع آخرين من أقطاب المعارضة… تختزل القضية الكردية السورية في حقوق المواطنة، ومعظم هؤلاء يرحلون قضيتنا إلى ما بعد التغيير المنشود، والمحاولة المستميتة في عدم الخوض في عمق الموضوع وعدم التطرق إلى التفاصيل، الأمر الذي يخلق الشك والريبة حيال نواياهم الحقيقية تجاه حقوق شعبنا العادلة”. ( من مقالٍ له: دعوة إلى التأمل الصريح في برامج كل من إعلان دمشق وجبهة الخلاص الوطني والتجمع القومي الموحد وجبهة التغيير والوفاق الوطني في سوريا فيما يتعلق بحقوق شعبنا الكردي في سوريا للكاتب والسياسي إبراهيم حمو).

وللتأكيد على تلك النقطة فها نحن نقتبس من مقالة (الأكراد في سورية: اليوم محافظة وغداً حكم ذاتي بقلم المدعو: مصطفى حميدو) حيث يقول كاتبها: “لا أستطيع أن أفهم من دعوة أحد الأحزاب الكردية السورية لاستحداث محافظة في قضاء القامشلي غير أنه بداية المسلسل من المطالب التي ستنتهي حتما بطلب حق تقرير المصير. يبدو أن الأحزاب الكردية في سورية تبطن غير ما تظهر. فهي في العلن لا تتعدى مطالبها الحل الديمقراطي لما تعتبره القضية الكردية في سورية، لكني حتى الان لا اعرف عن هذه القضية شيئا غير أنها مطالب مشابهة لما تطرحه المعارضة السورية لكنها تتوارى خلف دعوة عرقية يقترب بعض طارحيها بدعوتهم من العنصرية ويبتعد أخرون بحسب الجهة الطارحة”. إذاً فالسيد مصطفى حميدو يرفض القضية الكوردية جملةً وتفصيلاً وليس حق تقرير المصير فقط، بل حتى الدعوة لمحافظة في منطقة القامشلي يجدها (كبيرة) على الكورد.

ويضيف كاتب المقال: “مصطلح القضية الكردية هو في أصله استفزازي لأنه يميز عرقاً لا يعدو كونه أقلية بميزات خاصة و يصبغه بشعارات النضال والتضحية والفداء… الى أخر هذه الشعارات التي يمطرنا بها أكراد العراق عندما يتكلمون عن فترة صدام حسين ودورهم فيها. ما يطالب به الأكراد في سورية ليس ببعيد عن تحريض اكراد العراق والذين قد أقتربوا بشكل كبير من الدولة المستقلة. لا أستطيع أن أفرق بين الدعوة الى محافظة في القامشلي وحلم الاتصال الجغرافي بين أكراد العراق واكراد سورية. البعض حاول أن يربط بين ما جرى من هجوم أمريكي على تلعفر التركمانية وحلم الاتصال الجغرافي مع اكراد سورية. تعتبر تلعفر عائقا مهما في سبيل تحقيق مثل هذا الحلم فموقعها المهم في مثلث الحدود السورية العراقية التركية يجعل منها حاجزاً بين الأكراد في سورية والعراق هذا ان استثنينا تركيا الحليفة لأمريكا والأقل تهديداً من قبل المطامع الكردية”. هو صحيح أن المقال السابق ينتمي إلى ثقافة وخطاب السلطة والدوائر القومية العروبية المتكلسة وبعيد (كل) البعد عن مجموعة البرامج السياسية – وخاصةً برامج القوى المعارضة في الداخل والخارج – والتي رأيناها من خلال مجموعة الحلقات السابقة والتي طرحنا من خلالها وجهات نظر العديد من القوى والكتل السياسية المختلفة ولكن يمكن القول بأنه خطاب (شارعي) – إن جاز التعبير وذلك كنايةً عن الشارع السوري والعربي عموماً – وبالتالي فهو خطاب طاغي يجعل الآخر (الأقليات عموماً وهنا الكورد تحديداً) يتوجسون خوفاً من المستقبل؛ مستقبل العلاقة مع الأكثرية السائدة وخطابها وطغيانها.

هـ – مواقف المثقفون العرب: بالتأكيد إن مواقف المثقفون العرب من القضية الكوردية تتباين بتباين إنتماءاتهم الفكرية والسياسية بين العلماني الليبرالي المنفتح على الثقافات الأخرى والمحافظ المتشدد المشبع بقناعات فكرية سلفية أو قومية لا ترى في الآخر إلا خصماً (عدواً) يجب محاصرته والقضاء عليه إن أمكن طبعاً. ولكن وبخصوص القضية الكوردية وغيرها من القضايا العرقية العالقة في ما يعرف بالجغرافية العربية (الوطن العربي) فإننا نجد نوع من التوافق والتناغم بين مجمل التيارات الفكرية السياسية العربية؛ حيث من اليسار إلى اليمين ومن العلماني الملحد إلى الديني السلفي نجد بأن هناك نوع من الاتفاق على الموقف والخطاب السياسي تجاه تلك القضايا وإعتبارها (اي القضايا القومية تلك) مناطق وبؤر توتر تقف وراءها قوى إستعمارية غربية أمريكية وأن الناشطين السياسيين من أبنائها ليسوا إلا طابور خامس وعملاء مأجورين للقوى الاستعمارية في الغرب. وإننا من جانبنا قد سلطنا بعض الضوء على بعضٍ من أصحاب تلك الرؤى في سلسلة مقالاتنا التي نشرناها تحت عنوان (الخطاب العربي والقضية الكوردية) ويمكن العودة إليها للمزيد من التوضيح والاضطلاع.

ولكن ولكي لا نجني على الحقيقة والواقع، هناك أصوات ونخب عربية تنظر بموضوعية ومنطق سياسي جدلي براغماتي لهذه القضايا وبالتالي تطرح حلولاً واقعية يمكن التأسيس عليها للوصول إلى إتفاقات مستقبلية تخدم المنطقة برمتها وشعوبها وأعراقها المتنوعة ومن تلك الأصوات على سبيل الذكر وليس الحصر الكتاب والأساتذة العفيفي الأخضر وشاكر النابلسي وجورج كتن وأحمد مصطفى والدكتور منذر الفضل وغيرهم آخرون؛ حيث يعلن الأخير (د. الفضل) في تضامنه مع الكورد المهددون بالترحيل من ألمانيا لإعادتهم إلى سوريا حسب الإتفاقية الأمنية المبرمة بين البلدين ما يلي: “ولا يخفى على المجتمع الدولي إنتهاكات حقوق الانسان في سوريا في ظل نظام حزب البعث سئ الصيت وممارساته غير الانسانية ضد الشعب الكوردي الذي يعيش على ارضه وفي وطنه منذ الاف السنين. فالكورد شعب محروم من حقوقه الانسانية والسياسية والثقافية في سوريا ووصلت هذه الانتهاكات الى حد جرائم الابادة ضد الشعب الكوردي مما اضطر مئات الالاف منهم الى الهجرة خارج سوريا بطرق مختلفة طلباً للأمان وحفاظاً على حياتهم بينما بقي منهم من بقي يصارع الموت ويقاوم الظلم والعدوان والسياسات العدوانية العنصرية التي تمارس يومياً ضدهم من النظام الحاكم في سوريا”.

وهكذا فإن بعض تلك النخب الثقافية والسياسية العربية بدأت تطرح وجهات نظر سياسية تكون سقفها أحياناً أعلى مما تطرحها بعض الأحزاب والقوى السياسية الكوردية نفسها في غرب كوردستان ومن بين تلك الأصوات هناك أصوات سورية أمثال الأخوة والأصدقاء: محمد غانم وأكثم نعيسة وفريد الغادري وغيرهم.. وفي هذا الصدد يقول الكاتب محمد كبة وعلى لسان فريد الغادري “لقد تحدث الغادري عن قضايا عدة يعاني منها شعبنا وأهمها التفاته للقضية الكردية في سورية. ففي اجتماع واشنطن 2004 صدرت عنه وثيقة تشجعت بعدها كل قوى المعارضة للتقدم بأطروحات عن القضية الكردية في سورية حيث أصر الغادري على إدراج بند مهم في وثيقة واشنطن وهي وجود قوميتين رئيسيتين العربية والكردية بينما الكل يعلم أن القضية الكردية لم تكن تحظى بأي اهتمام واغلب من تحدثوا عن هذه القضية كان هدفهم استمالة الأكراد لمشاريعهم” (من مقال “لماذا يستهدف فريد الغادري كل مرة؟” للكاتب محمد كبة).

وبالتالي يمكن القول بأن هناك تغيير باتجاه خطاب سياسي منفتح على الآخر من قبل بعض القوى العربية المعارضة، كما يقولها الكاتب سليمان يوسف يوسف في مقاله (الحركة الكردية السورية، بين السلطة والمعارضة)، حيث يكتب: “من المهم أن نشير هنا الى أن موقف (المعارضة العربية) في سوريا، حتى قبل سنوات قليلة، لم يكن يختلف كثيراً عن موقف السلطة وحزب البعث الحاكم، من قضية القوميات، فمعظم الأحزاب العربية (جبهة ومعارضة) – مع بعض الاستثناءات- كانت ترى في طرح وإثارة (مسألة الأقليات) وحقوقها في سوريا، موضوعاً خطيراً يرتبط بجهات خارجية، من شأنه زعزعة الاستقرار وتهديد وحدة البلاد. لكن بعد فشل حركة (الإخوان المسلمين) في الثمانينات من القرن الماضي، وتحت ضغط التطورات السياسية والفكرية التي حصلت في المنطقة والعالم في السنوات الأخيرة، وتراجع المشروع القومي العربي وانحسار قوى المعارضة السورية وعجزها عن التأثير على النظام، بدأت هي الأخرى (قوى المعارضة) تنهج نهج السلطة ذاتها حيال أحزاب القوميات الغير عربية، بغية احداث تغيير ما في المعادلة السياسية الداخلية لصالحها، ولأجل هذا تبنت احزاب المعارضة، بتياراتها القومية واليسارية والإسلامية، بعض مطالب الأقليات، وباشرت بفتح قنوات للحوار مع الأحزاب الـ(الكردية والآشورية)، للبحث عن صيغ مناسبة للتحالف والعمل المشترك معها، خاصة مع (الحركة الكردية) الأكثر تنظيماً وجماهيرية. وقد شكل ظهور أحزاب كردية راديكالية -خرجت بموضة الاعتصامات- حافزاً اضافياً للمعارضة لتطوير علاقتها مع الحركة الكردية، حتى ارتقت الى مستوى اصدار بيانات وتنظيم اعتصامات سلمية مشتركة، وعقد حوارات وطاولات مستديرة حول المسالة الكردية في سوريا، ومن الطبيعي ان لا ترتاح السلطة لهذا التقارب بين أحزاب الحركة الكردية والمعارضة السورية”.

وكذلك فإن لبعض العاملين في مجال حقوق الانسان مواقف لا تقل أهمية وتأثيراً على الشارع والخطاب السياسي السوري عن مواقف قوى وأحزاب المعارضة السورية العربية، وهو رأيناه سابقاً في مواقف الأستاذ أكثم نعيسة وكذلك موقف عمار قربي من القضية الكوردية في مؤتمر واشنطن للمعارضة السورية؛ حيث تصرح السيدة بهية مارديني على لسانه “..أضاف قربي أنه إذا اعتبرت أن حضوري يمثل الحضور الكردي باعتبارها قضية سورية بامتياز وعلى جميع السوريين ان يتبنوها عربا واكرادا الا ان غياب القضية الكردية من البيان الختامي كان قصورا كبيرا اتمنى الا يكون مقصودا وخاصة وانني سمعت مداخلات في المؤتمر لا تختلف عن خطابات بعض البعثيين السلطويين في سورية حول هذه القضية”. (مؤتمر واشنطن بين إسقاط وإصلاح للنظام في شباط/فبراير 2005. ايلاف ، بهية مارديني).

و- الخاتمة: في خاتمة بحثنا هذا لا يسعنا إلا أن نقول: بأن سوريا وعلى الرغم من التعدد الأثني العرقي والثقافي السياسي والأيديولوجي وكذلك وعلى الرغم من وجود أكثر من إقليم داخل الجغرافية السورية وهي حال العديد من البلدان والدول بما فيها الأوروبية والتي أستطاعت أن تصيغ نظم سياسية فيدرالية أو كونفيدرالية أو حكم ذاتي لبعض تلك الأقاليم وذلك من أجل حل القضايا القومية لمجموعة الشعوب التي تعيش ضمن حدودها السياسية. فإن بلدنا سوريا، هي الأخرى، لا بد أن تمر بتلك التجربة من التوافقات السياسية وبالتالي الوصول بالبلد إلى بر الأمان وطاولة الحوار والمفاوضات ودون إلغاء أحد وإنكاره أو محاولة الإنقاص من شخصيته وبالتالي كرامته وحقوقه؛ حيث عندما نقول (سوريا أولاً) نعني بذلك كرامة وحقوق الانسان السوري وحل القضايا العالقة وأولها القضية الكوردية وعلى أساس أنها “قضية أرض وشعب” وأيضاً وأولها نعني قضايا الديمقراطية وحقوق الانسان في البلد وفصل السلطات وسيادة القانون وإلغاءً لحالة الطوارئ والأحكام العرفية والسياسات العنصرية والشوفينية بحق غير المكون العربي في البلد وكذلك كف يد الأجهزة الأمنية في التسلط على رقاب الشعب السوري، وبالتالي فإننا نعني بـ”سوريا أولاً” بلداً حراً ديمقراطياً تعددياً يصون أولاً وأخيراً كرامة وحقوق الانسان السوري بمختلف مكوناته وأطيافه العرقية والثقافية والدينية والسياسية. نعم.. نريد سوريا حرة وديمقراطية ولكل الشعوب السورية بعربه وكورده ومكوناته القومية الأخرى.

هولير – 13/4/2009

…………………………………………………………………………………….

الهوامش والمصادر:

1- http://www.ealeppo.sy/_characters.php?filename=200812270850011
2- http://www.alarabiya.net/articles/2006/02/26/21492.html
3- http://www.voltairenet.org/article129864.html
4- http://ebarzan.com/arabic/foreigninterventionsinthekurdishissue.htm
5- http://www.aljazeera.net/NR/exeres/3A5B3A2D-6D31-4506-86D8-856605A66E53.htm
6- http://www.voltairenet.org/article135143.html
7- http://ar.wikipedia.org/wiki/جزب_البعث.
8- http://shermola.sforum.biz/montada-f7/topic-t2488.htm
9- http://www.alasr.ws/index.cfm?method=home.con&contentID=9681
10- http://www.annidaa.org/preview.php?id=7357&kind=mid
11- http://www.mokatel.com/openshare/Behoth/Siasia21/Akrad/sec08.doc_cvt.htm
12- http://www.welateme.net/erebi/modules.php?name=News&file=article&sid=4086
13- http://www.swissinfo.org/ara/front.html?siteSect=105&sid=9516624&cKey=1219041391000&ty=st
14- البيان الختامي للاجتماع التحضيري لمؤتمر جبهة التغيير والوفاق في سوريا
15- (مشروع محمد طلب هلال) – موقع المرصد السوري
16- http://www.voltairenet.org/article128168.html
17- http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=66430
18- http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=3625
19- http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=10982
20- http://www.asharqalarabi.org.uk/barq/b-mawaqif-h-u2.htm
21- http://arraee.com/modules.php?name=News&file=article&sid=23424
22- http://www.moqatel.com/openshare/Behoth/Siasia21/soria/sec01.doc_cvt.htm
23- http://ar.wikipedia.org/wiki/إبراهيم_هنانو
24- http://ar.wikipedia.org/wiki/أكراØ
25- http://www.savesyria.org/arabic/documents/2006/06/003.htm.
26- http://www.dar-al-seyassah.com/alseyassah/view.asp?msgID=16746
27- http://www.aljazeera.net/in-depth/syrian_elections/2003/1/1-28-4.htm
28- http://www.aljazeera.net/NR/exeres/CF2F4A64-F891-47C0-9078-ABE929D48AB1.htm
29- http://www.soparo.com/ar/index.php?option=com_content&view=article&id=960:—34——–&catid=37:2008-05-23-23-59-47&Itemid=129
30- http://www.odabasham.net/show.php?sid=17761
31- http://www.voltairenet.org/article153356.html
32- http://annaqed.katib.org/node/17
33- http://www.syriahr.com/8-8-mrsad2.htm