الرئيسية » شؤون كوردستانية » التجذر التاريخي للأمة الكردية

التجذر التاريخي للأمة الكردية

في الحديث عن التاريخ القديم للأمة الكردية و الخوض فيه يتبدى لنا أن هذا التاريخ الذي كان إلى وقت غير بعيد محاطا بكثير من الغموض, لتوغله في القدم أولا, و لتعمد إحاطته بذلك الغموض من قبل الدول و الحكومات المستفيدة من ستر ذلك السفر الخالد الموغل في مجاهل التاريخ, لما كان للكشف عن سرّه المغلق, و عراقته و اتصاله بفجر التاريخ الإنساني من أثر كبير في نهضة هذه الأمة المقسمة , و فتح مغاليق تاريخ يتصل بالحضارة الإنسانية, الأمر الذي يجعل الخوض فيه موثّقا, و وفق دراسة أكاديمية, تتضافر عليها جهود الباحثين أمرا ذا أهمية كبرى للتاريخ الإنساني أولا , و كشف مجاهله, و إنارة الدرب أمام الكرد لمعرفة أوابد آبائهم و أجدادهم, و إعادة الثقة بأنفسهم ثانيا, و إفهام الآخرين المنكرين و المتنكرين أن لهم ماضيا عظيما, كما أن لهم هذا الامتداد الذي استمر على الرغم من آلاف المحن, و ألوان الإبادة و أشكال الكيد و السحق و القتل و التدمير, لتفريغ جنة من جنان الدنيا, و دوحة وارفة تفيض بالينابيع و الأنهار الكبرى و السهول الفسيحة, و الجبال الشاهقة و الوديان السحيقة و خيرات و ذخائر و كنوز في موقع استراتيجي يتوسط الشرق و الغرب, و يعد المهد الثاني للبشرية ثالثا, وقد سبق أن تناولنا في إحدى حلقات التجذر والمنشورة في جريدتنا المركزية ( صوت الكرد /العدد 320/) البدايات التاريخية الأولى موثقة وممنهجة, لهذه الأمة العريقة, بعنوان : (التاريخ الحضاري للأمة الكوردية(4) ) , آتين على :
(الجانب المادي و التقني للحضارة ) , حيث جاء فيه :
(إن المؤرخين و علماء الأجناس و الأنتروبولوجيا انتهوا إلى دراسات علمية و أثرية في الغاية من الدقة و التوثيق , تثبت عراقة الأمة الكوردية , و عمقها التاريخي الممتد إلى أحد عشر ألف عام , مما لم يعد خافياً , و أن حدود كوردستان الجغرافية كانت تشغل القوقاز الجنوبي الدافئ الواصل إلى حدود طبرستان و أذربيجان , وهو امتداد طبيعي و جغرافي واسع , و صالح لنشأة الحضارات و سكنى الإنسان , على ضفاف الأنهار الكبرى ( دجلة , الفرات , الزاب الكبير , الزاب الصغير , الخابور , هيزل … ) إلى جانب طبيعة تضاريسية متنوعة و خصبة , حيث حوى الموطن الأول للإنسان القديم ( نياندرتال , كرومانيو … ) كما يشهد على ذلك كهوف ( دودري , شانه در , حساروست … ) و هي كهوف مكتشفة في شمال سوريا ( جبال عفرين ) و جنوب كوردستان ( كوردستان العراق , شرق جمجمال ) .
كما تستدل الأبحاث و الدراسات الأثرية الموثقة على مكتشفات عظيمة الوقع في تاريخ الحضارة الإنسانية , لتشكل وقعا جديدا , و مفهوما حديثا أذهل العلماء و الدارسين , و أهم هذه المعالم و المواقع ( نيفالي تشوري , حموكر , ساراب تبه , زاوي شمسي … ) مما سوف يجيء ذكرها في تحديد المراحل الرئيسية للتاريخ الكوردي القديم , إضافة إلى ما ورد في البحث الرصين للأثري الفرنسي ( بوب) في الكشف الدقيق عن مملكة عريقة في شمال سوريا بالقرب من سد الرستن في المنطقة الوسطى بين حمص و حماة, هي مملكة ( آلالاخ ) هذا البحث الذي طبع في مطابع وزارة الثقافة السورية , و قدم له الباحث الأثري السوري فهمي الدالاتي , مدير المتحف الوطني بدمشق ,حيث ينصّ في رد الهجرات الأوروبية الأولى إلى أسلاف الكورد الشماليين (الحثيين أو الهيتيين ) , حيث اكتشف في هذه المملكة ثماني عشرة طبقة أثرية , و هي شمالية آرية محضة , لا تكاد تلتقي مع إنسان الجنوب القاطن في البادية , إلى جانب دراسة أكاديمية موثوقة قدمت إلى جامعة كمبردج , تقدم بها طالب الدكتوراة ( آ-ولسون) , حيث ذكر بالدليل العلمي هجرة الأوروبيين عبر المتوسط من شمال سوريا , في بداية الألف الثالث قبل الميلاد , من أوساط الحثيين , بخلاف الأبحاث السابقة التي كانت تركز على هجرتهم من القوقاز الشمالي , حيث ثبت علميا استقرار الإنسان الأول في مناطق كوردستان ( القوقاز الجنوبي الدافئ ) . و مما ذهب إليه الدكتور فوزي الرشيد في كتابه ” تاريخ الكرد القديم ” : ( أن اللولوبيين و الهوريين اللذين عاشا في الألف الثالثة ق.م شعبان أديا دورا أساسيا في تكوين الشعب الكردي الحالي, كما أنهما أقدم شعبين معروفين سكنا كردستان تربطهما صلات حضارية قوية, و قد ورد ذكر اللولوبيين في كونهم من سكان سهلي شهرزور و زهاو و امتداداتهما .. و أن السوبارتيين و هم أيضا من شعوب كردستان الأصليين عاصروا اللولوبيين و أدوا دورا مشابها لدورهم في تكوين الكرد الحالي .. و أن البناة الأصليين لمدن كردستان شرقي دجلة هم من الشعوب الزاغروسية الآرية القديمة … المصدر نفسه ص5-6 و انظر تاريخ الكرد القديم, د/فوزي رشيد بالاشتراك مع د/جمال رشيد ص41 .. ) .
و قد أسند البروفيسور الدنماركي هارولد إينكلوت مكتشفاته في البعثة الدنماركية التي نقبت في دوكان الآثار الهورية المكتشفة في نوزي ( كركوك الحالية ) إلى الألف الثاني قبل الميلاد, و في هذا الأثر التاريخي لوحات مدونة باللغة الأكادية , تتضمن معلومات تاريخية مهمة عن الهوريين و حياتهم الاجتماعية و الاقتصادية, هؤلاء الذين حكموا بلاد آشور على مدى قرن من الزمان و الذين شيّدوا مدينة (طوزخورماتو) , و التي لا تزال تحتفظ باسمها إلى يومنا هذا, و خور تعني النسبة إلى الخوريين التي كانت تطلق على الهوريين في اللغات السامية, و ماتو هي المدينة في اللهجة الهورية الآرية … انظر مجلة (سومر) الجزء الأول و الثاني , مجلد 13 ص 197-198 , و كركوك و توابعها ص 7 .. ) .
فاللولوبيون و الهوريون و السوبارتيون أو السوباريون من الأسلاف المتعاصرة و المشكلة منذ آلاف السنين للمجموعة العرقية الأولى للشعب الكردي الذي يتجذر في تاريخ منطقته, و الذي يعد شعبا أصيلا يتوازى مع الشعوب الآرية الأولى التي سكنت منطقة آريان, و التي يشترك معها شعوب كالفرس و الأرمن و البلوش و الطاجيك و الجورجيين و المجموعات الآرية التي تسكن أفغانستان الحالية, و أهم مجموعاتها العرقية البشتون .
و قد جاءت دراستنا هذه ضمن سلسلة سوف تتوالى لتعمق هذا الفهم, و تكشف النقاب عن تاريخ عريق , كتبه مؤرخون و أثريون بالاستناد إلى مصادر علمية موثوقة , و تلول أثرية شاخصة, و عشرات الألوف من الرُّقم و الحجارة و الفخاريات و النقوش المحفورة على الجدران الصخرية في مغاور و كهوف كردستان ( كوبادو , دودري , شاندر … ) .
و قد استدل ولديورانت المؤرخ الأمريكي الحديث على حفائر سومرية وهورية و ميتانية و ميدية فوقف طويلا عليها ووصفها في كتابه الموسوعي ( قصة الحضارة ), فذكر القرميد السومري kerpic ) كما ذكر zilana deri و أشار إلى carox و mifta dar … ) على بعد أثنين و ثلاثين قدما تحت الأرض في جبال كردستان العراق, و أرجعها إلى الألف الرابع قبل الميلاد ووصف السومريين بكونهم قوما آريين جبليين أشداء متوسطي القامة, عيونهم واسعة لوزية, و في أنوفهم انحناءة آرية, و وقف على الميديين طويلا ووصف حياتهم و بأسهم و رحلاتهم و انتقالهم, و صلتهم بالآريين و اتصالهم العميق بالأرض الجبلية المذكورة.
و قد وقف المستشرق السوفياتي البروفيسور ( T.M.Diaconof ) المختص بفقه اللغات الشرقية القديمة في متحف ( أرميتاج ) في لينينغراد على تاريخ الميديين في كتاب مفصل له قدمه إلى معهد( تاريخ فلسفة الحضارة ) في أذربيجان السوفياتية عام 1956مستعرضا في سبعة فصول و مقدمة تاريخ الإمبراطورية الميدية الكبرى و جميع الملابسات و الظروف المحيطة بهذا التاريخ عاقدا الصلة بين الميديين في الألف الثالث قبل الميلاد و أسلاف الكرد من ( الهوريين و العيلاميين و اللولو و الكوتيين .. ) كما ذكر العلاقة بينهم و بين الشعوب السامية من البابليين و الآشوريين و تحدث عن ميتانيا ,( والتي تعد إحدى حلقات الحضارة الهورية والمتداخلة تاريخيا مع الحضارة الميدية…), كما تحدث دياكونوف عن مملكة الأسكيت و الكيميريين, كما وقف في الفصل الرابع على ظهور الإمبراطورية الميدية و امتدادها و اتفاقها مع البابليين في إسقاط الإمبراطورية الآشورية في ( 612 ق.م ), ليحدد في الفصل السابع مآل هذه الإمبراطورية, و التي كان ذلك في ( 559 ق. م ) لتؤول إلى الإمبراطورية الساسانية التي أسسها الكرد كما ذهب إلى ذلك العلامة المؤرخ ابن الأثير الجزري في كتابه الموسوعي ( الكامل في التاريخ ” و هو يقع في ثلاثة عشر مجلدا ” ) و قد ترجم كتاب البروفيسور دياكونوف إلى الفارسية ( ترجمه الأستاذ كريم كشاورز ) , كما ترجمه إلى الكردية ( الأستاذ برهان قانع ) و ترجمته إلى العربية ( الدكتورة وهبية شوكت ) .
و قد حدد المؤرخ جغرافية ميديا بثلاثة أجزاء تمتد من القسم الغربي من نهر آراس إلى جبال رودو من الجنوب في صف من الجبال المتصلة بسلسلة زاغروس, حيث كانت تتنقل القبائل الكردية و الكردوخية بين نهر آراس إلى جبال أكري داغ و إلى مجر نهر قرصو كان الكاسيون يستقرون في هذه المنطقة, كما ضمت هذه الجغرافية منطقة بحيرة أورميا ( كليزان ) إلى منطقة أتروباتيا الميدية, وكان من أبرز ملوك الميديين ( آرباكس, مانو دانوكس, سوسارم, نارينك, ناريبان … ) وقد أشار إلى رأي المؤرخ اليوناني بأن كورش الفارسي إنما يتحدر من صلب جده الميدي ( استياك ), الذي أحسن إليه و تنازل له عن العرش, و لم يكن كورش في عهد جده إلا قائدا عسكريا ( كياكسار ) الذي ينسب إلى الملك الميدي ( استيك ).
و لا مجال للتفصيل في وضع هذه الإمبراطورية الشاسعة التي أنهت الإمبراطورية الآشوريةفي 612 ق.م, هذه الإمبراطورية التي تفاعلت في الألف الثانية ق.م مع الحضارة الهورية أيضا ( كما تدل الحفائر الحديثة في أوركيش .), و لا نريد أن نخوض – في هذه العجالة في امتدادات الإمبراطورية الميدية و أوضاعها الجغرافية و الاقتصادية و مراكزها و مناطقها, و الحروب و الأحداث الدامية في المناطق السهلية و الجبلية, و ما كان بين سنحاريب و ملوك الميديين و ما كان بينهم و بين ملك أورارتو ( روسا الثاني ) من عهود و اتفاقات, حيث يطلب هذا التفصيل في مظانه, و في الدراسات التاريخية التفصيلية اللاحقة, إذ ما يهمنا من هذه الدراسة أن نقف على التجذر التاريخي للامة الكردية و أسلافها العظام, و ما كان لهم من دور تاريخي متصل الحلقات, مما يؤكد ما ذهبنا إليه وما سوف نؤكده في حلقات لاحقة من الأثر الكبير الذي تركه الكرد ببصمات سجلتها الرقم و الأوابد الأثرية, مما لا يجدي معه الإنكار و التجاهل المنطلقان من موقف مسيس , أو كراهية دفينة, أو إلغاء بقصد القفز فوق حقائق الحياة و التاريخ. وقد كانت لنا جولة سياحية وميدانية في معالم الحضارة الهورية في عاصمتهم المنسية زمنا طويلا,( أوركيش- gire mozan في منتصف الألف الرابع ق.م(, والواقعة في الجزيرة السورية , شرقي مدينة (عامودا), وعلى بعد سبع كيلو مترات, والتي كشف النقاب عن أوابدها العالمان الأثريان ( جورجيو بوتشيللاتي و مارلين كيلي بوتشيللاتي) عام /1989/, مما سوف نوافي بتفاصيلها ووثائقها في حلقة قادمة.