الرئيسية » مقالات » أوَ كان الإنسانُ بنعمةِ ربه جحوداً .؟

أوَ كان الإنسانُ بنعمةِ ربه جحوداً .؟

أمس و بعد الاتصال بالأهل في الوطن للاطمئنان ، اخبروني بان هذه السنة خير والأمطار وفيرة قفزت ذاكرتي إلى سنين الطفولة وتذكرت أيام الحصاد وأهرامات القمح وكل الحبوب و تلال الذهب الأبيض المنتشرة هنا وهناك في طول الجزيرة الغناء وعرضها
دون استئذان دمعت عيناي لتزيل عن وجهي غبار التعب المتراكم أياما وأيام ،وتوالت الأسئلة صعقات وصعقات في راسي
– لما أنا هنا…؟
– لما كلنا هنا ، بعيدين مئات الكيلومترات .؟
– لماذا الغربة وعن ماذا نبحث .؟
تساؤلات كثيرة دون أجوبة مقنعة عن رغيف نبحث أو عن بعض من ما تستر عورات أجسادنا الهزيلة أو عن سترة صوف تقينا برودة حياتنا .
نعم نبحث عن هذا أو اقل ونحن من وطن في كل شبر رغيف وفي كل زاوية كوز قطن ناصع ومغزل صوفي ، بدأت الأسئلة تنهمر وترتجف في جمجمتي التي تكاد خالية إلا من الحنين إلى أمي التي تنتظر عودتي خلف بابنا هناك في وطن اهترت فيه أجساد الفقراء .

مهلا …أقولها لنفسي : أين ذهبت تلك الأرغفة عن الجياع .؟
فانا لست وحدي هنا في كل يوم أتعثر بمئات الوجوه من وطني تقرا على جباههم عراة وجياع يبحثون عن ذلك الرغيف وعلى وجوههم غبار الغربة ووحشتها وفي أحداقهم آلام الذل والمهانة ، أما رؤوسهم فمنتكثة كجنود هزموا في معارك وخسروا كل صفات البشر عدا الدم القاني الجاري في العروق رغم الضياع .

بقيت ابحث في داخلي عن جواب عله يطيح بما اشعر به من جوع وعطش وبرد ، وساورني الشك ، الم أكن من تلك الأرض ..ارض الأرغفة أم كنت ضيفا أو عابر سبيل أم أنني ولدت ها هنا واليوم عدت لوطني الحقيقي ، وتضاربت الأجوبة فخرجت تائها ابحث عن ذاتي الضائعة ارتجف فزعا لا ادري أم من البرد ، ورحت أدق أبواب الغرف المتناثرة في كعب الأبنية الشاهقة علني أجد في إحداها أهلي أو حتى اشتم شيئا من رائحة شعر أمي ولكن دون جدوى ، فرحت ابحث في العلب الخضراء المنتشرة في زوايا أرصفة العاصمة الغريبة وأزاحم العشرات من أبناء وطني ومعنا بعض القطط التائهة مثلنا ، بحثت تحت عجلات السيارات المركونة تعبا و العابرة سريعا في شرق العاصمة وغربها دون جدوى وانفي ما زال يحفظ رائحة تراب وطن قذفني بعيدا رغم أني لم أكن يوما بنعمة ربي جحودا …….
reder84@hotmail.com