الرئيسية » مقالات » السياسي ضمن الخطاب السياسي..!

السياسي ضمن الخطاب السياسي..!

في البداية أريد أن استشهد بحوار صغير صار مثلاً ودرساً في الاقتصاد والماركتينغ، وأعتقد أن فيه درساً سياسياً قبل كل شيء.
” في أحد أيام شتاء 1929، وقف طفلٌ صغيرٌ أمام أمه وهو مرتعشاً من البرد وسألها ببراءة:
ــ لماذا لا نشعل المدفأة يا أمي؟
+ أجابته الأم قائلة: لأنه لا يوجد لدينا فحم!.
ــ ولماذا؟
+ لأن والدك عاطلٌ عن العمل.
ــ ولماذا أبي عاطلٌ عن العمل؟
+ لأنه يوجد فحمٌ كثيرٌ في السوق..”
………….
السياسة عملٌ خطير بكل ما تحمله الكلمة من معنى، والسياسة ليست فقط وسيلة أخلاقية وإيديولوجية لتحقيق مصالح اقتصادية واجتماعية. السياسة لها أهدافها وحضورها، لها وقارها ومكانتها.. وهذا يحتاج أحياناً كثيرة “للرقص على حد الشفرة” كما يقال. يجب الانتباه كي لا نخلط و”نخربط” أفكار الناس، أو نضيّع الخيط من بين أيدينا وأيدي الناس الذين يتلقون خطابنا أو المستهدفين منه، وعند الحديث عن الخطاب السياسي، نتناول قضايا وأمور محددة.
في العقود الأخيرة، ومع ازدهار الفلسفة والدراسات الاجتماعية والاهتمامات الفلسفية من جديد، أخذ الكثير ينظرون إلى السياسة بشيء من “الدونية” أو بعدم الاحترام، لهذا نجد في استطلاعات الرأي في الدول الديمقراطية أن تقييم السياسي يدعو إلى شيء من الريبة والشك، وأن العمل السياسي لا ينطوي على الشفافية والصدق، أما في بلادنا فلابدّ أن يكون التقييم أسوأ بكثير، لأن معاناة الوطن والمواطن مرتبطة بالسياسيين، ولأن السياسي في الأنظمة غير الديمقراطية يمثل القمع والفساد والمحسوبية، وهو فوق القانون والمجتمع، وبالنسبة للمعارضة هناك مسألة الثقة والمصداقية بما يطرحه السياسي ومدى قبول ذلك في المجتمع..
والحقيقة أن خطاب السياسي مرتبطاً بتعقيدات المجتمع والتي لا يمكن فصلها عن السياسة..
هناك وجهات نظر تقول أن مكانة وأخلاق السياسي فوق كل اعتبار، بما في ذلك الأفكار السياسية والنظرية التي يطرحها، والأهداف التي وُجد من أجلها المشروع السياسي..
ولا نعتقد تحاملاً على السياسي إن طرحنا السؤال التالي: لماذا السياسيون أسوأ من الموسيقيين مثلاً؟، لماذا تعمل المؤسسات(المعاهد) والورشات السياسية بشكل أسوأ من المؤسسات الاقتصادية أو الثقافية وحتى الدينية؟، لماذا السياسيون المتعاملون بالسياسة كمهنة ومهمة قيادية أسوأ من رجال الأعمال أو الفنانين وحتى رجال الدين؟..
هذه الأسئلة تُخلق مزيداً من الضبابية حول رجل السياسة، لا يجب أن يظهر من تفكير أنه يملك حكماً مسبقاً قاطعاً وساحراً عن قضية ما. إن النظرة العامة تشير إلى الشكّ والريبة في مواقف وتصريحات وتنظيرات السياسي ومصداقيته، كما ينظّر الآن رجال الدين إلى الفن مثلاً (رقص الباليه).
نحن كمعارضة نتعامل بالسياسة والهمّ الوطني، وأكثر ما نحتاجه هو العمل من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه من هذا الدمار الأخلاقي الذي لحق بالسياسة في مجتمعنا وبين بعضنا، كما أنه مطلوب إيجاد ما يمكن البناء عليه كثقافة سياسية.
الحديث عن وحدة المعارضة أو الموقف الموحد من النظام، هو شيء جميل وممكن، لكنه بلا نفع وجدوى عندما نلاحظ خطوط الانكسار متشعبة ومقسّمة الهدف والتيارات بشكل مصطنع..
التقليد المتبع عند الكثير من التيارات والأحزاب السياسية في سوريا – المعارضة منها وأحزاب الجبهة الوطنية التابعة للنظام أيضاً – هو تحوّل التنظيم إلى حزب جديد بدون تطوير الحزب، الماضي لا نقفله وإنما نهجره وتنركه.
إن السياسة بالنسبة لنا يجب ألاّ تكون ترفاً وتسليةً، ليست للاستعراض و”الفخفخة”، ليست لتسجيل المواقف والنقاط، وقبل كل شيء يجب ألاّ تكون شكلاً بلا مضمون، كفقاعة صابون.
الإبداع في السياسة والفكر ضروري للغاية، لكن عدم الدقة في تنفيذ ذلك قد يسبب أخطاراً لا يكفي بعدها الاعتراف بالخطأ – هذا إن وجدت الشجاعة للاعتراف بالخطأ -.
يقوم السياسي باستباق الزمن عندما يحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه، وإيجاد ما يجب بناءه في المستقبل كفلسفة للتعامل السياسي في مؤسسات الدولة لاحقاً، وتضع أمامه مهمة مليئة بالأسئلة غير المتناهية، وأعتقد أنه على السياسي عندما يقرّر شيئاً ما أن لا يأخذ بالحسبان ما هو بعيدٌ جداً زمنياً ومكانياً، وألاّ ينتظر ثمرة خطابه السياسي بشكل مباشر وفوريّ، إن قراءة التوقيت مهمة رئيسية للخطاب السياسي وشكله ولغته..
الحدود بين اهتمامات العمل السياسي وغيره متغيرة دائماً. قديماً كانت حياة السياسي هي ما يدور حول عمله ونشاطه الذي يتكرر ويمكن الاستعداد له وحساب شكله ونتائجه تقريباً. لكن النشاط غير السياسي، أو الذي لا علاقة له بالسياسة مباشرة، كالأمور الشخصية والعائلية، كانت مترفعة عن الرجل السياسي وعمله ولم تكن موضوع اهتمام، أصبحت اليوم مادة رئيسية للمنافسة السياسية، وإذا اعترفنا أن لدى كل إنسان يوجد ما يمكن كشفه وكل واحد يرتكب أخطاء لأدركنا مسؤولية السلوك الشخصي والذي لم يعد كذلك. وصار هذا الجانب للسياسي يحمل مخاطر أكثر أحياناً من المواقف السياسية ذاتها بصحتها أو خطأها.
وهذا يعني باختصار، أن الشؤون الشخصية مرتبطة بالسياسة وتحدد بشكل رئيسي مكانته السياسية، ما يعني أن حرية السياسي الخاصة تقلصت كثيراً..
وعلى ضوء ما تقدم ظهر ما يسمى ثقافة التعامل السياسي.
من منظور ومفهوم السياسة يمكن تحديد الصديق من غيره، ويمكن تحديد من يشكل خطراً على النشاط السياسي والمجموعة السياسية، وإذا تجاهلنا الأمور الشخصية وعلاقات السياسي الاجتماعية، تصبح مسألة النظر والتعامل على أساس صديق سياسي أو غير ذلك، قضية ثانوية.. أي أن المصداقية في إيصال الخطاب من قبل السياسي إلى جمهوره صار يحددها مصداقية وشفافية حياة السياسي الخاصة أيضاً وتعامله وسلوكه بشكل عام..
يجب عدم التوهم بأن كل القضايا المطروحة على الساحة جيدة (نبيلة)، بل أن النبيل فيها نادراً ما يكون، أو أن عمره قصير، لكنه غالباً لا يمكن الانتقاء، والحقيقة أنه رغم ذلك يجب على السياسة وفلسفة السياسة الرئيسية أن تُظهر بين تلك الأمور الجيدة أنه هناك مسائل اجتماعية إنجازها يجلب الارتياح والشعور بالنجاح، والذي قد يشكّل تعويضاً عن تقلّص حجم السعادة الشخصية بسبب تقلّص خصوصيات الحياة الشخصية..
أن تكون سياسياً، هي خصوصية مهمة (وظيفة) تُلزم امتلاك ثقافة واسعة، وظهور قليلٌ أمام الناس، تلزم دقة في الخطاب وعدد قليل من التصريحات..
إن عهد السياسيين الهواة انقضى، لكن هذا الاعتراف لا يؤمن به الكثير من “السياسيين” في سوريا بمن فيهم الكثير من المعارضين للنظام، وهو بحد ذاته يحمل تناقضاً، لأن أي شخص يمكنه أن يقوم بتمثيل الدور السياسي وليس بالضرورة أن يكون الأكثر كفاءة ومعرفة. ولكون العمل السياسي قد يكون ورقة مرور للحصول على منافع ومكاسب، لذا في هذه الحالة يكثر المنتفعون والمغامرون، والذين عليهم الانتباه لسلوكهم، كي لا تكون الأضرار التي يلحقونها أكثر من المكاسب التي يحققونها لأنفسهم وللمجموعة السياسية بشكل عام..