الرئيسية » مقالات » كلمة الرفيق فهد سليمان عضو المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين

كلمة الرفيق فهد سليمان عضو المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين

• لتتوحد كل قوى الشعب دفاعاً عن الأرض والحقوق الوطنية
• بالوحدة الوطنية وخيارها الديمقراطي نحمي حقنا وحق شعبنا بمقاومة الاحتلال
• على حركات اللاجئين أن تبني أُطرها على مستوى جميع التجمعات وأن تتوحد على قاعدة برنامجية واضحة
• لننهِ الانقسام وقوانين نموه وتفاقمه، لننهِ المتوالية التي قلبت المعادلة رأساً على عقب، بالعودة إلى جذر قضيتنا الوطنية

ألقى الرفيق فهد سليمان كلمة في افتتاح المؤتمر الإقليمي السادس لـِ “اتحاد لجان حق العودة ـ حق”، بمخيم اليرموك، استهله بتوجيه التحية للشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده، “تحية الصمود والمقاومة، الاستجابة الفذة والباسلة للتحديات، والصامدون على أرض وطنهم في عكا ويافا والجليل والنقب، في مواجهة سياسة الاقتلاع الصهيوني، الصامدون المصرّون على حق العودة إلى وطنهم وديارهم، في كافة المخيمات والشتات، بعد أن أسقطوا الرهان الصهيوني على “غسل الذاكرة والثقافة”، أسقطوه لأن الوطن فلسطين هو أول أبجدية الأطفال والأجيال على تعاقبها منذ النكبة، عميق الثبات، فالتقادم لا يسقط الحقوق، لا في الذاكرة ولا في المقابر، والعناق الحميم للذاكرة والأجيال الهوية الوطنية وثيقة التواشج؛ في استحالة فك عراها لارتباط الحقوق بالذاكرة والوجدان القومي، والهوية الوطنية ممهورة بدماء الشهداء، ببصمات الشعب المتجذر كالسنديان في أرضه ووطنه، ممهورة بحق العودة، بدماء الشهداء في مخيمات اللجوء والشتات”.
وفيما يلي أبرز ما ورد في الكلمة:

عندما نتوجه بالتحية والتهاني إلى “اتحاد لجان حق العودة ـ حق”، بانعقاد مؤتمره الإقليمي السادس، لا يمكن لنا إلاّ أن نشير إلى الموقع الراسخ والمتجذر ونقطة الانعطاف المصيرية، ألا وهي “حق العودة” لدى شعبنا في مخيمات اللجوء والشتات، فهي من صميم الحق والواقع، بل هي حالة يصبح بها استعادة التاريخ كله مكثفاً ومقطراً بالعودة، ونشيد العودة، الاستجابة الفذة لتحديات الأجيال، يستحيل تجاوزها أو تجاهلها، وقد نُسِجَت بدماء الشهداء في نسيج الراية الوطنية، وفي قلب النشيد المدرسي، كنشيد جماعي، ومع حليب الأمهات للأطفال في مخيمات اللجوء والمنافي والشتات.
لقد طال مسلسل الاقتلاع وتعاقبت عليه أجيال في المخيمات، واندحرت الفكرة الصهيونية في “التذويب والتوطين”، ولم نعد نحتاج إلى مناسبات للتذكير بمئات القرى التي دمرها الاحتلال في فلسطين، أو بآلاف الانتهاكات والمجازر التي ذهب ضحيتها الأبرياء، في أقانيم مشروع استيطاني عرقي عبر مشروعه المجازر لا تحتاج إلى ذرائع. كما نتوجه بالتحية والاعتزاز إلى المتجذرين في أرضهم، واللاجئين في أرضهم في عكا والناصرة والجليل والنقب، وقد راهنت الدولة الصهيونية على “غسل ذاكرتهم”، بتحويلهم إلى حمولة “خدمية” بتهويد الذاكرة والثقافة، ومجرد ساكنين، وليسوا أصحاب الأرض الأصليين، نحيي صمودهم الأقوى من أي سلاح، صمود متواصل لأكثر من ستة عقود، دحروا بها أمام هويتهم ووجدانهم القومي؛ أمام أسوارهم وقلاع وعيهم، الكمائن الصهيونية المختلفة. الراسخون المتجذرون في لحظة مكثفة للتاريخ منذ النكبة، يُستعاد بها التاريخ مكثفاً ومقطراً في حالة نشيدية يومية متواصلة.
إن “اتحاد لجان حق العودة”، ورغم المكانة التي يتمتع بها، والعلاقات النضالية الطيبة مع الاتحادات والجمعيات، صنوه التي تعمل في صفوف اللاجئين الفلسطينيين، لكنها جميعاً تفتقد بشكل عام إلى المستوى المطلوب من التماسك والتوحد البرنامجي، بما يفقد الحركة الموحدة من أن تشكل ثقلاً موازياً على مستوى الوزن، وعلى مستوى جميع تجمعات اللاجئين، أن تتمكن من تشكيل ثقلاً موازياً موحداً في الوطن والشتات، في النضال في الأراضي المحتلة عام 1967، ضد الاحتلال، ضد التهويد، ضد الاستيطان. فحركات اللاجئين وتجمعاتهم لا تفتقد إلى البرنامج، وهي تحظى بالكوادر المناضلة والخبرة والإدراك والتصميم، بيد أن ما تعاني منه يمكن إيجازه بتوسيع تلك الأُطر التي من شأنها أن تساعد في تعميم حركة اللاجئين وتوحيدها، والتوحيد على قاعدة برنامجية واضحة.
الآن هو وقت إنجاز الوحدة، لأن المشكلة الكبرى التي تعاني منها الحركة الوطنية الفلسطينية هي الانقسام، بدلاً من الوحدة على البرنامج المشترك، وهو أساس نقاط الضعف في الموقف الوطني الفلسطيني التي تستغلها “إسرائيل” لتنفيذ مشاريعها، وتنفيذ لاءاتهم المتعاقبة مع تلاوين وأطياف حكوماتهم وصولاً للأخيرة، يريدون شطب حق العودة، ودمج اللاجئين بالمجتمعات المضيفة تحت عناوين “إعادة تأهيلها”، إن الرد الصهيوني سافر وواضح وصريح “لا عودة للاجئين، والقدس عاصمة (الكيان الصهيوني) الأبدية، لا للانسحاب إلى حدود عام 1967 لأنه (يضر بأمن إسرائيل)”، ويجهدون للقضاء على منظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني، وهنا الانقسام الفلسطيني يعين ويهيئ “لإسرائيل” على التمسك بسياساتها، لأنه يغيّب وجود رؤية وحدوية برنامجية وإستراتيجية. إن برنامج “وثيقة الوفاق الوطني” الذي أجمع عليه شعبنا، وعليه فالحكومة الإسرائيلية غير عابئة بالحقوق الوطنية المشروعة لشعبنا التي أقرتها القرارات الأممية كافة ذات الصلة، ولماذا يعبأون بها ؟ وهم صانعو نكبة شعبنا بما يهدد بضياع الإنجازات والتضحيات الغالية، وأمام هذا كله، علينا تقديم كل ما هو ضروري لإنهاء حالة الانقسام التي تلحق أفدح الأضرار، وتؤثر على نحو سلبي بالغ على إنجاز الحقوق لقضيتنا بدلاً من التقدم إلى الأمام، وفي هذا الجانب لا أخص أو أتكلم عن دور الجبهة الديمقراطية، بل عن مهمة مجمل الحالة الوطنية الفلسطينية بكل مكوناتها وفصائلها، مهمة تجلياتنا اليومية جميعاً حتى ننجزها، في مواجهة الانقسام والتآكل والنبذ المتبادل الأشد مضاضةً …
إن تركيز الاهتمام على الحوار الفلسطيني ـ الفلسطيني لإنجاز الوحدة الوطنية، وآخرها المحطات الثلاث الأخيرة التي استضافتها القاهرة على امتداد الشهرين الماضيين، وعلى الرغم من الإنجازات والتي هي جهد مشترك، لم نتمكن من تجاوز ما هو معلق ويعترض سُبل استعادة الوحدة الوطنية. وكلنا ثقة وإدراك بأن هناك إمكانية لتجاوزها، وعلى سبيل المثال بعد أن حسمت اللجنة العليا للإشراف والتوجيه للحوار بند الحكومة لصالح “حكومة توافق وطني” انتقالية مؤقتة تنهي مهمتها بإجراء الانتخابات التشريعية، بقي برنامجها وتشكيلها ما زالا موقع خلاف، وهي معطلة على سكة العمل. أحد الطرفين يتمسك بشرط لا محيد عنه بمفردة “احترام الاتفاقات والالتزامات”، والثاني يتمسك بشرط لا محيد عنه بمفردة “الالتزام”. توجد إمكانيات ومخارج متعددة، ليس أقلها تشكيل حكومة مختلطة ترتكز على صف واسع من المستقلين، تجنبنا الدخول في متاهات الانقسام السياسي، وتنقل الجميع إلى المشاركة، كذلك توحيد المؤسسات التي نشأت بالتوازي بين الضفة وقطاع غزة؛ ينبغي أن نميّز بين أمرين: الأول مصالح الناس، فلا يجوز تحويلهم إلى عاطلين عن العمل، في الجانب الاجتماعي، نتيجة للسوق الظالمة التي أفرزت هذه الحالة، والثاني: هو توحيد المؤسسات توحيداً حقيقياً لا فيدرالياً، توحيداً يشمل أطياف الحركة الوطنية الفلسطينية من أقصاها إلى أقصاها.
كذلك موضوعة التمثيل النسبي، الموضوعة التي حُظيت بالإجماع من الفصائل وجميع المستقلين، ما عدا فصيل واحد؛ بأن يسمح صندوق الاقتراع للجميع بالمشاركة في كل المؤسسات الوطنية، أيضاً ما عدا فصيل واحد. نتوجه اليوم لهذا الفصيل لإنجاز الإجماع الوطني الفلسطيني الذي لا يكتمل إلا بموافقته.
والعقبات السياسية بما في ذلك ما يسمى “بالمرجعية الوطنية العليا”، فهي من المفترض أن تدير المرحلة حتى الانتخابات، يدور الخلاف حول طبيعتها ومرجعيتها، وهل هي بديلة عن منظمة التحرير الفلسطينية ؟ أؤكد أنه لدى القوى المتحاورة القدرة على تجسير بين هذه الخلافات، لكنني أجزم وبكل تأكيد بأن الإرادة السياسية ليست متوفرة بعد لدى البعض.
استخلص هذا لأن الصراع الذي يدور الآن ليس على خيار وطني، بل هو صراع على السلطة، صراع مَنْ يسيطر على هذه السلطة، وهذا يعبر عن تراجع في الرؤية الوطنية.
لقد علمنا التاريخ الكفاحي الفلسطيني، وعلمتنا التجربة المديدة قبل عام 1948 وبعده بعد نكبته، أن النصر لن يتم إلا بالكيان الوطني الفلسطيني الموحد، وبدونه لا توجد شرعية فلسطينية؛ وعليه لا مساس ولا تلاعب على المستوى الذي تمثله منظمة التحرير الفلسطينية، الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني. نقول هذا ونحن نتابع التطورات على المستوى “الإسرائيلي” والحالة الإقليمية، قرار “إسرائيل” الواضح بكل ما يتعلق بالحقوق الوطنية لشعبنا الفلسطيني، وهي تتكلم عن “سلام” يستند على “الأمن الاقتصادي”. لنوقف استثمار “إسرائيل” للانقسام الفلسطيني؛ في تنفيذ مشاريعها المعادية بالاستيطان وقضم الأرض وتهويد القدس، فلا “حل الدولتين” لديها معتمد، ولا حل “الدولة الواحدة”، يريدون القضاء على المقاومة الفلسطينية، الأمر الوحيد المعاين والملموس والذي تؤكده السياسات العملية، فالأمن الاقتصادي يعني علاقات “طبيعية” مع المحيط والجوار العربي، يسمح لهم ببناء علاقات كاملة، وتحقيق التطبيع الكامل، وتوظيف أموالهم في المشاريع الاقتصادية العربية، وأن تكون “إسرائيل” دولة إقليمية كبرى، وأن يتم التعامل معها كدولة من نسيج المنطقة، تشارك في رسم السياسات الإقليمية والتخطيط للاقتصاد الإقليمي، والتطبيع بما يعني تدجين مناهجه التعليمية، وإلحاق الكتل السكانية الفلسطينية الكبيرة بالحل الإقليمي؛ الحل الإقليمي كما كان في الفترة ما بين عاميّ 1948 و 1967.
هذه هي الأخطار المحبطة بقضيتنا الوطنية الفلسطينية ولا سبيل لدحرها وإحباطها إلا بالوحدة الوطنية الفلسطينية، برص الصفوف لمواجهتها، ببذل الجهود لإنهاء الانقسام، ومن أجل أن يكتب لـِ “المفاوضات” النجاح وأقصد هنا وللأسف أن استخدمها بدلاً من كلمة “حوار”.
أقول اليوم؛ دعونا ننهي وننتهي من ملف الانقسام، لتتوحد كل قوى الشعب دفاعاً عن الأرض والحقوق الوطنية الفلسطينية، بالوحدة الوطنية والخيار الديمقراطي ندحر الاحتلال ومخططاته، بالوحدة الوطنية نحمي حقنا وحق شعبنا بالمقاومة بكافة أشكالها، المقاومة كحق أساسي لا يسقط طالما الاحتلال قائماً والأرض محتلة، والحقوق مغتصبة.
لننهِ أولاً الانقسام وقوانين نموه وتفاقمه، وخلط الحابل بالنابل، لننهِ المتوالية التي قلبت المعادلة رأساً على عقب، لنعود بوحدتنا إلى أصل الحكاية، إلى جذر قضيتنا الوطنية ومن أول سطر فيها.

المجد لشهداء الحرية والاستقلال، والحرية للأسرى الأبطال
عاش شعبنا البطل المناضل المرابط نحو إنجاز أهدافه بالعودة والدولة المستقلة وعاصمتها القدس