الرئيسية » مقالات » عائلة، قبل السقوط ـ بعد السقوط

عائلة، قبل السقوط ـ بعد السقوط

الجدّة:
تتحسس الجدة فراشها بعد أن فتحت جفنيها بثقل، تمد يدها تحت الوسادة باحثة عن شيء ما. تتأفَف بعمق، كأنهم تركوها في الليل قبل سبع سنوات، ونسوا أن يُوقتوا الساعة على نور صباح آتٍ، تبحث ثانية بيديها في كل شبر من الفراش دون جدوى، تنادي بصوت نفد منه الصبر قبل أن ينطلق: يا مُر….. نو… شير…. كامرااااااااااااان تعال أجدْ لي الراديو..
الجدّ:
يجلس القرفصاء في حديقة المنزل، واضعاً يديه تحت ذقنه منتظراً. ومفكراً، دون أن يلتفت لصوت زوجته العمياء الآتية من الغرفة. وهي تنادي على حفيده “كامَران”، ولا تستطيع تكملة أسماء الأحفاد الآخرين.. تورق عيناه بالدموع، يتذكر ابنه البكر “كامران”. حين أخذته المخابرات في ثمانينيات العراق، لاشتباههم به.
وكيف تم تطويق المنزل برجال مدججين بالأسلحة.. ثم اختراقهم المنزل في ليلة ليلاء، ليعيثوا في البيت كأنهم الجراد، حلّوا على الغرف دون حرمة لنساء أو رضيع أو حتى إله.”
ـ أين كامَران احمد.؟؟؟؟.
بدؤوا بصفعه يميناً ويساراً، دون حتى أن ينتظروا رده، ليقول انه ابني وأنا والده أحمد وهو موجود.. قال كامران وهو بين الذهول والرعب: “ماذا أكون قد فعلت….؟؟؟؟”. اندفع نحوه أربعة رجال يضربون بطنه بالعصي وأعقاب الرشاشات.. يسحلونه إلى خارج البيت، والأم تلطم، والبنات يبكين، ويقع الأب في صدمة، ومن يومها حل به مرضي السكر والضغط. قال له الضابط وهو يضع أصبعي النصر!- قريبا من عينيه: “تشوف أصابعي هذنّي راح اطلع بيهن عيونك و…….. بناتك و…….. زوجتك! لو طلع ابنك اللي نريده… “. هذا كل ما فهمه من غياب ابنه. اتصلوا به بعد شهر ليستلم جثته وبأنه كان الشخص الخطأ! وإياه أن يتحدث عن آثار التعذيب أو سبب الوفاة بين الناس، وإلا سيتم تهجيرهم، ليُوهَب بيته المصادر لمواطن من مدينة أخرى** وأكمل ضابط الأمن وهو يمسح ويبعد بشوارب مقززة متداخلة مع أسنانه الصفراء من أثار السكائر: “ولن نسمح لك حتى بإخراج زوجتك أو ملابسها الداخلية”.
الابن الثاني:

يوقف” آزاد” سيارته، يدخل الحديقة، يأخذ بيد والده برفق، ليأخذه إلى العلاج من مرض السرطان الذي الّم به قبل سنة.. هو الغائب عن البلد منذ أكثر من ربع قرن، ومنذ أن شاهد جثة أخيه الأكبر أقسم ألا يخدم لا في جيش ولا في دائرة تحوي صورة رئيس الموت كما كان يسميه دائماً.
البنت الكبرى:
كانت “شيرين” تحاول إمساك خيوط العائلة بالعمل في التدريس صباحاً ومساءاً، والقيام بدور الأم البديلة، محاولة إسناد الروح المنهكة للأب بخياطة الملابس وغرز أنوثتها بعيداً عنها، كأنها خلقت لكي تكون، وفقط قدمين للوقوف في الصفوف الدراسية، أو لتدفع الماكينة، لتخيط بقية عمرها مع صوت الرتابة. لم ينسوا فضلها، لكن أنوثتها نستها دون رجعة.
صديق العائلة1: أمير التركماني:
يوقف أمير* التركماني سيارة أجرة قائلاً: “أخي إلى الأمن العام”.
بين خوف السائق وعدم رغبته بتوصيل أحد إلى هناك، فتح أمير الباب مُطمئناً السائق: “أنا مراجع، مراجع فقط!!”. كان ينظر إلى شوارع كركوك وكأنه سائح أحب المدينة. سأله السائق بحذر: “أنت غريب عن المدينة؟؟”. ردّ أمير: “نعم أنني في قمة الغربة … لكن سينتهي كل شيء قريباً”. أضاف دون أن يرمش: “يُقال بأن جدّي ولد هنا!!”. صَمتا، وانحدرت الأفكار إلى الصفر، حين أعطى للسائق أجره. دفعت الأم والابنة ثمن الكفن وأجرة طريق سيارة الأمن التي جلبت جثة أمير المنكلة به، مع عدم السماح لأي مرسوم من مراسيم العزاء أو البكاء بصوت مقلق للجيران أو للحكومة ّّ!. أمير التركماني، غرفة نومه وجهاز عرسه كانا أمانة في بيت أبي كامران بعد أن غادرت ما تبقى من نفوس- العائلة سراً من المدينة.
صديق العائلة 2:ابن شيخ العرب***:
“حييييييٌ لا يموت …”، ردد الحاضرون وراءه بتأثر “لا اله إلاّ الله ” وضع يده على رأس الابنة الصغرى. قالت الجدة والتي كانت حينها أماً ثكلى: “إنها تعاني من كوابيس كل ليلة يا شيخ منذ أن اقتحموا البيت وبعد أن شاهدت… تع…..”. قاطعها الشيخ: “حيييييييييّ لا يموت… وحده الله لا يموت”. خوفاً من أن تنجرف الثكلى بسرد قصتها أمام الحاضرين، وهو الفطن بأن من ضمن المريدين ما هم بمريدين، إلا لتسجيل تقاريرهم لأمن الدولة. أسقطت صوتها في فج عميق. تجمدت نظرات البنت الصغرى خوفاً من صراخ الشيخ، وهي تنظر إليه من الأسفل كجرو صغير، بعينين كبيرتين نحو لحيته ودموع والدتها؛ لكن الجو الاحتفالي وصوت الشيخ الصادح وهبها بعض الأمل في أن تنهزم الكوابيس منها خوفاً من هذا الصوت؛ كان الشيخ يستقبل زواره، حتى أن بعض المسيحيين كانوا يأتون إليه للنصح من كثرة ما سمعوا عن بركاته؛ كان يسكن في أكثر مناطق كركوك ثراءً بعائلات مناضلة سرا ضد النظام. دخلَ الابن الثاني، هناك كان القلق والتوتر بادياً عليه، فهو صديق ابن الشيخ. أوصى به الشيخ إلى غرفة أخرى مفكراً: “أعرف إنك تريد ترك البلد مثل ابني … آآآه، لو استطعت أن اخرج رأس العفريت الكبير من جسد العراق كما أحارب الأرواح الشريرة في أجساد البشر، أيها الحي القيوم بجاه نبيك المصطفى… اجعل أيامه قليلة بيننا”؛ ثم صدح ثانية بصوت جهوري: “الللللللّهم صلِّ على نبيك محمممممّد”. وردّد الحاضرون بوجل، وكأنهم جوقة قديمة تتقن تماما فقرتها: “ألف الصلااااااة والسلااام على محمد وآل محمممممممد”.
النهاية:
بكى الجميع حين رأوا رأس العفريت الأكبر في التلفزيون أشعث أغبر، لا من أجله بل لأنه لم يكن سوى ذلك المختبئ في حفرةٍ فاتحاً ثغره كمجنون أمام جندي أمريكي متلمّساً فرصة أخرى ليعيش أكثر، قد يشبع موتى أكثر.
___________________________________
* المرحوم أمير: قصته حقيقية ؛ كان جارنا في كركوك، حين كنت طفلة.
** وسمي هؤلاء بـ (جماعة العشرة آلاف). كانت سياسة النظام السابق مصادرة بيوت الناس (من غير القومية العربية) لأسباب قمعية، في مدينة كركوك وإعطائها لمواطنين آخرين قادمين من مدن أخرى، مع إكرامية عشرة آلاف دينار، على أن يزوّروا مكان الولادة إلى كركوك. جدير بالذكر أن بعض العائلات العربية رفضت استلام بيوت مصادرة أو تغيير هوياتها،
*** شيخ من شيوخ عرب كركوك، وهو ليس من (جماعة العشرة آلاف)، كان معروفاً بتأثيره الروحي على الناس، ويقال بأنه ساعد الكثير منهم، وقد سبق أن زرت مجلسه المذكور في الحكاية عدة مرات في طفولتي.


ملاحظة:الأحداث واقعية
roseword2@aol.com