الرئيسية » شؤون كوردستانية » ردا على ياسين الحاج صالح

ردا على ياسين الحاج صالح

في مقاله المنشور في ملحق “تيارات” – “الحياة” بعنوان ” في شان سورية وأكرادها … والمستقبل” يحاول السيد ياسين الحاج صالح التمايز عن الرواية الرسمية السورية حول القضية الكردية في هذا البلد وان يظهر أكثر تخففا من وطأة المقاربة العروبية التي لطالما كانت سائدة في سورية على صعيد السلطات والنخب للتعاطي مع الملف الكردي إلا أن السيد صالح لم يوفق كثيرا في مسعاه هذا بل انطوى مقاله في حيز كبير منه على مواقف وطروحات لا تختلف كثيرا في مضمونها وحتى في شكلها عن مواقف مثقفي البعث ومنظريه فهو لا يرى إلى الأكراد في سورية سوى جماعة محلية لا ترقى إلى سوية شعب له خصوصية قومية وتشكل قضيته جزءا من قضية كبرى في المنطقة متشعبة بين أربعة بلدان رئيسية في الشرق الأوسط وتمثل معضلة تاريخية وبؤرة توتر وحروب مريرة بفعل اعتماد الدول المقتسمة لكردستان المنهجيات العسكرية الدموية في مواجهة الشعب الكردي المصر على الاحتفاظ بهويته والمطالبة بحقوقه فكيف يتعامل الكاتب بهذا التبسيط مع قضية معقدة ومركبة كهذه مقترحا لها حلولا عمومية وهلامية تدور حول فلك الوطن والوطنية دون أن يقدم فكرة واحدة ملموسة ومباشرة عن كنه الحل الوطني الذي يشير له مرارا وتكرارا والانكى أن السيد صالح يردد معزوفة قديمة أكل عليها الدهر وشرب مفادها أن وضع الأكراد في سورية غير سيئ قياسا إلى وضعهم في تركيا وإيران والعراق وكأن الاكتفاء بغمط حقوق الأكراد في سورية وحرمانهم من ابسطها دون ارتكاب مجازر ومذابح كبرى بحقهم على غرار الأنفال وحلبجة مثلا يجعل من وضعهم أفضل من أوضاع أبناء جلدتهم في الدول الأخرى في حين أن الواقع يشير إلى أن وضع الأكراد في العراق بل وحتى في تركيا بات أفضل من وضعهم في سورية وعليه فغاية المنى التي ينبغي أن يطمح إليها الكردي السوري وفق منطق الكاتب هي أن يبقى على قيد الحياة دون أدنى حقوق إنسانية وقومية فعدم قتل الكردي وإبادته جسديا مع طمس كافة مقومات شخصيته ومصادرة كل حقوقه وقتله معنويا كل يوم يغدو والحال هذه فعلا مقبولا طالما انه لم يصل إلى عتبة الإبادة الجماعية . ويشير الكاتب إلى أن جملة التفاعلات المتصلة بالشأن الكردي السوري تتجه إلى صنع “مسالة كردية” فالكاتب ينفي هنا وبكل وضوح وجود مسالة قومية كردية مزمنة منذ قيام الدولة السورية لم يزدها ظهور موجة الانقلابات العسكرية التي توجها الانقلاب البعثي في 1963 إلا استفحالا والتي أثبتت التجربة في سورية وفي البلدان الأخرى انه لا يمكن حلها بسياسات القمع والاضطهاد والصهر القومي الفاشلة بل بتبني معالجة ديموقراطية متكاملة ترتكز إلى الاعتراف بحق الشعب الكردي في سورية في تقرير مصيره بما هو شعب يعيش على أرضه التاريخية قبل قيام الدولة السورية التي هي شانها شان جل بلدان المنطقة كيانات اعتباطية وهشة ما دون دولتية تعاني من معضلات تأسيسية وبنيوية لا بد من الإقرار بها للتوصل إلى حلول وطنية وديموقراطية خلاقة وشاملة فالكاتب إذ لا يعترف حتى بقضية كردية قائمة بذاتها وواضحة المعالم يغدو من المفهوم أن لا يبتعد كثيرا عن إطار تلك النزعة الوعظية الفوقية التي عادة ما يتبناها من يزعمون تعاطفا مع الأكراد وفق نظرية الأخ الأكبر ذاك التعاطف الذي يقتصر في سقفه على تأييد منح الأكراد بضعة حقوق ثقافية تتجسد في السماح لهم بالتحدث بلغتهم وربما أيضا افتتاح محطات تلفزيونية ناطقة بالكردية ( على غرار ما فعلته تركيا مؤخرا عبر فضائية “الهشك بشك” المؤسلم المعزز بشذرات تقوى ورشاد أردوغانية ) دون الإقرار بحقيقة كون القضية الكردية في جوهرها قضية قومية ديموقراطية لا يجوز اختزال حلها في بضعة معالجات ترقيعية آنية مهجوسة بصيانة وحدة التراب الوطني وتعضيد الجبهة الداخلية وسد الذرائع أمام القوى الاستعمارية وأذنابها لاستغلال الورقة الكردية فهكذا طروحات مكرورة ليس من شانها سوى إعادة إنتاج مسلسل الماسي والكوارث الطويل على خلفية عدم الاعتراف بالقضية الكردية ومحاولات تسويتها بالعنف والقوة . وبنبرة لا تخلو من الإدانة المبطنة يشير صالح إلى أن تغيرات جيوسياسية كالاحتلال الأميركي للعراق وارتفاع وزن إخوانهم الأكراد في العراق ما بعد البعثي قد حفزت أكراد سورية على تصعيد وتيرة حراكهم السياسي وليست خافية هنا الإيماءة إلى تعاطف الأكراد وتواطؤهم مع الاحتلال والاستعمار والامبريالية … وكأن المطلوب من أكراد سورية التحسر على سقوط نظام صدام والبكاء على أطلاله والتذمر من توطد التجربة الديموقراطية الكردية في العراق وازدهارها كي يثبتوا للكاتب شهامتهم ووطنيتهم وجدارتهم في الانتماء إلى دولة العروبة النابضة في سورية وفي موقف غريب مناقض تماما للرؤية العقلانية المتوازنة التي يجهد الكاتب لإسباغها على مقالته يكتفي صالح فقط بنقد السلطة على عدم وجود رؤية واضحة لديها للتعامل مع “الجماعة الكردية السورية” دون أن يأتي إلا لماما على ذكر الكم الأبرز من السياسات والمشاريع التعريبية الممارسة من قبل السلطة بحق الأكراد وهو إذ يشير إلى مشكلة الأكراد المجردين من الجنسية لاعتبارات عنصرية إلا انه هنا أيضا يحاول التقليل من فداحة هذه الفضيحة الوطنية والإنسانية والأخلاقية المستمرة منذ عقود عبر الطعن في عدد هؤلاء المجردين حيث يرى أن الأرقام حول عددهم مسيسة جدا ومنفوخة دون أن يخبرنا الكاتب عن الرقم الذي يرى هو انه غير مسيس وغير منفوخ فإذا كان عدد من جردوا من الجنسية في 1962 قرابة 150 ألف نسمة فهل من المبالغة والتسييس والنفخ في شيء القول أن عددهم بفعل التكاثر الطبيعي بعد نحو نصف قرن يزيد على الربع مليون على أقل تقدير . ويخلص الكاتب بعد أن يوزع المسؤولية بالتساوي عن تأزم الوضع الكردي في سورية بين الضحية الكردية والجلاد السلطوي البعثي إلى أن المناخات المسمومة ولدت تطرفا كرديا لا ينبغي مجاملته أو تبريره وهنا أيضا لم يوضح لنا الكاتب ماهية هذا التطرف وملامحه وكيف وبأي معيار يحدد ما هو تطرف وما هو اعتدال فيما يخص مقاربة القضية الكردية في سورية فهل المطالبة بحق تقرير المصير لشعب يقارب تعداده الثلاثة ملايين نسمة في إطار شراكة اتحادية تعاقدية مع العرب في سورية تعتبر تطرفا رغم أن ليس ثمة أية طروحات كردية داعية إلى تأسيس دولة في المناطق الكردية في سورية مع أن الدولة المستقلة تبقى من حيث المبدأ حقا مشروعا للأمة الكردية وهل يعتبر الكاتب التشديد على كون القضية الكردية في سورية قضية شعب وارض ينبغي حلها في إطار ديموقراطي تعددي ضمن صيغة حكم ذاتي أو حتى صيغة فيدرالية هل يعتبر ذلك تطرفا وشططا يا ترى وإذا كان الأمر كذلك فحينها يمكن لكاتب هذه السطور أيضا أن يصف موقف السيد ياسين الحاج صالح على انه تطرف عروبي وعنصرية مقنعة حيال الطموحات المشروعة للشعب الكردي في سورية .
Sh.yazidi@hotmail.com