الرئيسية » مقالات » الشيخ علي الشرقي شاعر كبير عشق العراق

الشيخ علي الشرقي شاعر كبير عشق العراق

وعندما يتطرق شاعرنا الكبير في شعره ألى التراث لايقف عنده موقف الناقل أو الناسخ دون أن يرفده بتجربته الشعورية والفكرية المتوقدة والمعاصرة لكي يقدمه للقارئ ومتذوق الشعر حيا نابضا عميق الدلالات , بعيد الأغوار . ففي قصيدته الجميلة المتوهجة ( تحية بابل ) نراه يتناول فيها حضارة العراق بنفس فني له تأثير عميق في نفس المتلقي فهو أنسان عراقي وشاعر مرهف وأديب وباحث متفاعل مع تراث أمته ألى حد الأنصهار فنراه يعبر عن حزنه وشجنه لما آلت أليه تلك الحضارة العريقة التي بنتها تلك الأيدي الأمينة ألى غزوات الطامعين البربرية التي سرقت معظم هذه الكنوز خارج الوطن تحت مرأى ومسمع الحكام الغارقين في ملذاتهم وسباتهم وأهوائهم دون أن يحركوا ساكنا أو يهتز لهم جفن وهم يرون بأم أعينهم حضارة وطنهم تسرق وكأن الأمر لايعنيهم ولكن رغم كل هذه النكبات والمحن فأن حضارة العراق تبقى متوهجة الرؤى , ناصعة الجبين لأن كنوزها لاتقف عند حد وهي الوسام الذي يزين هام الوطن ولن تتمكن أية قوة في الأرض أن تزور التأريخ والقيم الحضارية مهما بلغ عتوها وجبروتها وعداءها للشعوب حيث يقول في قصيدته( أسد بابل ):
قد شجاني أسد في بابل
رابض ليس له عشق وهام
حارس الكنز عتابا ضمنه
لوعة قد سرق الكنز الطغام
ضاع لما ضيعت آثارنا
مجدنا الغالى وأجداد عظام
ذمة لو خفرت مانتهكت
فليقرعنا كما شاء الذمام .
أنها مرارة الشاعر وأحباطه وخيبة أمله من حكامه الذين لم يكونوا بمستوى المسؤولية والأمانة للدفاع عن الوطن وحضارته وليتك تدري أيها الشاعر العراقي الأصيل مافعل الغزو الجديد بآثار العراق وكيف تركها تسرق وتنهب ويعاث فيها فسادا من نفوس شريرة حاقدة على العراق وحضارته دون أي عقاب والله أن الشرفاء من أمثالك أسقط في أيديهم وقد حاولوا بكل ماأوتوا من قوة من لملمة الجراح وأرجاع ماسرق من كنوز العراق ولكن المصيبة والكارثة كانت أكبر بكثير من أمكاناتهم المتواضعة . ولو كنت حيا لبكيت دما ولكتبت بدماءك مايعبر عن هول الكارثه. أن أسد بابل الذي خاطبته قبل عشرات السنين هو اليوم أكثر حزنا وقهرا لأن الغزاة الجدد الذين لم يأتوا أكراما لعيون العراقيين قد عاثوا فسادا في تلك المنطقه التي تعتبر قلب حضارة العراق .
نرى شاعرنا كيف يخاطب بابل العظيمة وتأريخها الشاخص في العيون والقلوب وكأن لسان حاله يقول : يابابل العظيمه الخالده بقدر ماتترك ذكراك في نفوسنا الخشوع والأكبار فأنها تترك في قلوبنا وأرواحنا اللوعة والألم لما آل أليه واقعنا الذي حوله الحكام ألى ظلام حيث يسترسل في قصيدته ( أسد بابل ) فيقول :
بابل ماأنا ألا حالم
بك يصبيه انطباع وارتسام
هامت الذكرى بقلب مولع
بك والذكرى آلتياع وهيام
طابت الكأس فمن يشربها ؟
وحلا الشدو فهل فيك حمام ؟
ريفك المأنوس في أحلامه
موحش كل نواحيه ظلام !
رقد السمار عنه وهفا
سامر يحزنه الريف المضام
والرياحين التي أنبتها
سفحك الزاهي تولت والبشام !
ترى هل كان الشاعر يتنبأ بما سيخبئه المستقبل لبابل حتى نزف هذا الشعر من قلبه ووجدانه وكأنه قطرات من الدم سطرها على الورق ؟
ويستمر علي الشرقي في تلك التراجيديا الموجعه ويصف الربى بأنها حبلى بالقهر والضيم ولابد أن تعصف الثورة التي ستتفجر من ربى العراق لتعصف بالذين سرقوا ونهبوا وظلموا وعاثوا فسادا في أرض الحضارات التي قدمت للعالم أوهج حضارة عرفها التأريخ وأن الأجيال القادمة التي ستنجبها الأمهات في أرض الحضارات ستكون نواة الثوره وشرارتها التي ستحرق الطغاة والفراتيون الذين عرفوا برباطة جأشهم ودفاعهم البطولي عن وطنهم هم الدروع التي تحمي الشعب والسهام التي ستصد كيد الأعداءحيث يقول في نفس القصيده :
الربى حبلى وأطفال الربى
تتبارى فرضاع وفطام
بابل أي بناء شامخ
لم يزعزعه خراب وانهدام
والفراتيون أن حفزتهم
للملمات دروع وسهام !
وشاعرنا الشرقي من المتحمسين والداعين للوحدة العربية لأنها في نظره تمثل الأنقاذ والخلاص من ربقة الأجنبي ومن كل المحن التي لحقت بالأمة العربية جراء تمزقها وتشتتها فنراه يشحذ الهمم ويذكر العرب بحكامهم الذين استغلوا هذه الأوضاع المزرية أبشع استغلال وكرسوا العزلة بين شعوب المنطقه وباعدوا بين أبناء الشعب الواحد وأقاموا السدود والحواجز وأوغلوا في خيانتهم وجرائمهم بحق شعوبهم واهتموا فقط بقصورهم الفارهة ولم يشعروا بما يعانيه الفقراء الفقراء والمعدمون من فقر وفاقة وحرمان من أبسط متطلبا ت الحياة بعد أن سرقوا كل شيئ منهم حيث يقول في أحدى قصائده :
ماأجدد الأخوة من أم وأب
أن تبعد الشك وتنفض الريب
هذا أوان الطلع يانخيلنا
ألام نبقى سعفات وكرب ؟!
يامطلع الفجر وياأم القرى
أن القرى مابين سلب ونهب
أرى قصورا من جديد نهضت حولي
وقومي في بيوت من قصب !
كم خطفت أبصارنا سيارة
في أرض شعب زاحف على الركب !
من يسأل القرية عن آمالها ؟
فكم جروح في القرى وكم ندب ؟؟؟
في غمرة الفقر ويجري حولها
وادي الفرات العذب أو وادي الذهب
مايصنع الفلاح في عروشكم
أن تغصب السلة منه والعنب !!!
لقد أصبح وادي الذهب ياشاعرنا الراحل حكرا على اللصوص الكبار فنهبوا منه ماشاء لهم أن ينهبوا أما فقراء شعبك فأنهم مابين مهاجر يعيش على الأعانات الأجنبية ومهجر في وطنه والدول المجاورة لتبتزهم بقوانين ماأنزل الله بها من سلطان وباحث في أكوام القمامة ليسد به رمقه وكل حزب بما لديهم فرحون في عراق الطوائف والمحاصصات .
يستمر الشاعر في قصيدته منبها ومحفزا شعوبها وفي يقينه أن الأمة لابد أن تنهض من كبوتها عن بكرة أبيها لتصنع تأريخا جديدا على أنقاض هذا الواقع البائس الذي يكاد يوصل الأمة ألى حافة الهاويه حيث يقول :
هل تدري صنعاء ونجد أننا
نحتاج تأريخا جديدا للعرب !
قد طوي الفسطاط من مصر وقد
نامت بنو حمدان عنك ياحلب !
وكما نامت نواطير مصر عن ثعالبها حينما أطلقها المتنبي صرخة ضد كافور الأخشيدي حاكم مصر آنذاك.
وفي نهاية هذه القصيده يخاطب أمته العربية ويرمز أليها ب ( الشعلة القدسية ) التي جللت صحراءها الشاسعة بالنار والضياء النار التي ستحرق أعداء الأمة والضياء الذي يحمل في توهجه عوامل النهضة والتجدد والأنعتاق :
ياشعلة قدسية قد سطعت
تجلل الوادي ضياء ولهب !
وللشاعر الكبير قصيدة أخرى نظمها عام 1912م أثناء هجوم الأيطاليين على طرابلس الغرب مما يدل على أن الهم القومي قد أخذ مساحة شاسعة من شعره وأنه كان يعتبر الوطن العربي الكبير هو وطنه رغم كل الحواجز التي بين أقطاره فلا فرق بين بغداد وطرابلس ودمشق والخرطوم وغيرها من المدن العربية التي وضع المستعمر وعملاؤه الحواجز المصطنعة بينها وأن شعور كل مواطن يعيش في هذا الوطن الممزق نحو أخيه هو شعور الأخوة والمحبة والمصير المشترك :
قوم من العرب لم تبرد حميتهم
حر الظبا وعلى جمر الثرى بردوا
أن فورت سورة العليا دماءهم
لنهضة فبغير السيف ماقصدوا
تروم أبناء روما أن تناضلهم
هيهات لايستوي الطليان والأسد
دون النزال ترى أرواحها صعدت
خوفا وفي ودها لايصعد الجسد
في البر والحر أشباح مرفرفة
لها المحيط رقيب والفضا رصد
زرع لرومة أهدته طرابلسا
فأهزم المحل أبناها بما حصدوا
ألى نهاية القصيدة التي يتنبأ فيها الشاعر بانتصار قوى المقاومة ضد العدو الغازي الأيطالي الذي ضرب بكل حقوق الشعوب وآمالها بالتحرر والأنعتاق ولابد أن تكون الهزيمة مصير كل معتد وغاز وطامع في هذه الأرض المقدسة مادامت تنجب ثوارا كبارا أمثال عمر المختار الذين لم يناموا على ضيم ولم يرضخوا لعدو طارئ على أرضهم خلافا لكل لوائح حقوق الأنسان التي أقرتها قوانين الأرض والسماء . وللبحث صله.