الرئيسية » مقالات » مرة أخرى يطل الاتجاه العنصري برأسه

مرة أخرى يطل الاتجاه العنصري برأسه

من أفدح الخسائر ومن أكثرها ضررا على الإنسانية وفكرها والبشرية وتراثها, ذلك الاتجاه إلى العنصرية ومفاهيمها ومظاهرها وتوجهاتها, وأساليبها الملتوية, وطرقها مسامع الناس تزيينا للتفوق المدعى , ورغبة في إظهار بطولات وهمية , وأفعال خارقة بعيدة عن المألوف الإنساني , مسندة ومرفوعة لتجمع بشري بعينه في حقبة تاريخية محددة أو مطلقة , مع الإصرار على نعت الآخرين بالقصور والدونية والتخلف عن ركب الحضارة الإنسانية , بغرض التشويه أو الإزاحة والإقصاء , أو الوصاية ونهب الخيرات والذخائر والثروات لأفراد أو أمم وشعوب , أو بدافع استعلائي مريض , بل مزمن أحيانا في مرضه وتماديه فيه , ممعنين في استجلاب الكراهية والمقت , واصطناع صيغ المؤامرة والتخوين , تمريرا للعبة محبوكة, وإحكاما لخطط مدروسة, تستهدف مجموعة بشرية لها كامل الحق أن تتمتع بحياتها فوق أرضها وترابها , لترى في إحكام هذه الأحبولة أو تلك الأنشوطة في رقاب الناس نوعا من الضراوة التي لا تطاق , بالقياس إلى الحق الطبيعي لأي مجتمع إنساني – وفي أية بقعة كانت – أن يصون وجوده , ويسهم في مد هذا الوجود وتطويره وإعلاء شأنه , وإغناء مسار التراث الإنساني وتثميرة والاستفادة من مجمله , من خلال الشراكة الإنسانية في معالم التمدن ومظاهر التقدم والرخاء وأسبابه , كحصيلة تطورية تصاعدية , حفظتها له القيم التراثية,وحصيلة الفكر الروحي والمعايير القانونية ودساتير ومعاهدات دولية , ولوائح ونظم رسمتها البشرية طيلة عقود متراكمة , وبعد قرون من الصراعات الدامية والمريرة , عبر أنهار من الدماء والدموع,( من مثل ما تعاقد عليه المجتمع الإنساني بمنظماته وهيئاته من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان و, والعهد الدولي والمعاهدات والاتفاقات والمواثيق المبرمة والتالية لها, وما أقرته وثبتته الشرائع السماوية والمثل الروحية العالية. ) , ليعتز الفكر الإنساني بشموخ وعظمة ما انتهى إليه من حصائل ثرية في القيم الروحية الرفيعة, والقوانين والدساتير الوضعية ما يؤسس لفكر يمقت الإذلال والاستعباد والدكتاتورية والقهر وسحق تطلعات الأمم والشعوب ويشنع عليها ويصمها بالخرق والتعدي, مؤكدة على رؤيتها الجامعة في المساواة والعدل ورفض التمييز والتذويب والمحو , والتطهير العرقي والإبادة الجماعية والقتل والسفح وأي شكل من أشكال التعذيب والتغريب , بل التفكير بالوصاية بدافع النعت بالقصور أو التخلف عن ركب الحضارة , مما أضحى سافرا ومتعريا من كل طلاء لا يكاد يخفي ما فيه من هفافة وبدائية وسذاجة دانية لا تغني من الحق شيئا.
كل ذلك والعالم يشهد تغييرا إثر تغيير في عواقب النظم التي مارست بحق شعوبها الاستبداد و التطهير العرقي, والإبادة الجماعية, في يوغسلافيا السابقة, وتحديدا في البوسنة والهرسك والجبل الأسود وفي أفغانستان و العراق ومناطق أخرى من العالم, لا تزال ساخنة , إلى جانب ملفات عالقة في سباق التسلح النووي في كوريا الشمالية وأيران, فضلا عن انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان وقضايا الديمقراطية تجاوز حقوق الأفراد والجماعات, والتمييز والاضطهاد العرقي والمذهبي.
مما يفترض في مجتمعاتنا – بما نملك من حصيلة تراثية وقانونية ومن معاناة تاريخية رهيبة, تركت محنا وآلاما وندوبا محفورة في الذاكرة الجمعية لشعوبنا- أن نجد العبرة والعظة , ونصحو على هول الكارثة التي قادتنا إليها معايير عنصرية وتمييزية بائسة, أوصلتنا إلى شفا جرف هار يكاد ينقض ويتهاوى, في سلسة مغامرات وحروب خاسرة كان العراق- في ظل نظام بائد متخلف وعنصري- نموذجا حيا وصارخا لها , لنخرج من تلك المعاناة بعزيمة ماضية إلى الحسم في بناء عالم جدير بحياة أكثر رقيا وأمنا وازدهارا وجنوحا إلى مجتمع ينأى بنفسه عن تبعات الماضي القريب وآثاره وآثامه المدمرة , وتمزيقه المجتمع العراقي – بمختلف أطيافه ومذاهبه وألوانه ومكوناته -,ودفعه إلى عراك غير متكافئ مع المجتمع الدولي, مما دفعه إلى التدخل المباشر لإزاحة نظام الاستبداد والقهر والإبادة عن كاهل الشعب العراقي, لتطل مظاهر ومخلفات وسياسات هذا النظام برأسه من جديد هنا وهناك وفي ظل تصريحات مكشوفة لهذا المسؤول أو ذاك, أو هذه الكتلة السياسية أو تلك , مما لم يعد خافيا إلى جانب المماطلات في الوعود والدعوات المتكررة لتعديل الدستور في حين لم تنفذ فقرات هامة منه كالمادة /140/,كما تمعن ظواهرتدخلات بقايا النظام العنصري السابق في التخفي والتسلل في الظلام في سرية وفي فتك وتخريب تدمير للمنشآت وقتل الأبرياء, وتسرب إلى المؤسسات المدنية والعسكرية في ظل تغطية مشبوهة ومدروسة بعناية, واختراق مفضوح للصحوات, إلى جانب بروز دعوات إلى المصالحة والانفتاح على رجالات النظام ورموزه وأزلامه وبدوافع غير طبيعية, ممن يرعون العملية السياسية, أو في طابع دعوات قومية متشددة, تخشى – زاعمة – على وحدة العراق , وتشكك في نوايا الكورد وقادتهم , بعد التضحيات والقرابين الهائلة التي قدموها للمعارضة وفصائلها وكتلها وقادتها, للوصول إلى اللمسات الأولى في الطريق الطويل إلى الديمقراطية و النظام الفيدرالي التعددي لعراق جديد ومكاسب للشعب الكوردي يحاول البعض نسفها والعودة بالعراق إلى الوراء اسبدادا وقهرا, بعد محاولات الإبادة الجماعية في الحصاد الكيماوي المروع , ليأتي الإعلام العروبي , وبخاصة في فضائية ” المستقلة , والرأي وسواهما ..” , مؤججا مشاعر الشارع العربي , في دفع إلى مزيد من الاحتقان والتأريث , والعودة إلى الماضي بما يحمل من تضليل وترهات ونفخ في قرب مشروخة , ترسل تأوهات بدائية, تخطتها الشعوب التي باتت تبحث عن مستقبل أكثر أمنا ورخاء وازدهارا للبشرية, في ظل عالم بات مهددا بكوارث بيئة وتحديات عالمية كبرى في الانفجار السكاني والاحتباس الحراري ومخاطر التصحر والجوع وتهديد الجنس البشري , مما تقف الدعوات العنصرية معراة وهزيلة وبشعة أمام عالم أكثر حداثة ورقيا وتغيرا, في عالم غزو الفضاء والأنترنيت والبقعة المرئية الصغيرة, أمام آفاق الكون الخارقة اتساعا وعظمة ورقيا.
إن عالما جديدا من التطور والارتقاء والسمو بالإنسان ومستلزمات حياته المنتظرة والمستجدة , وتحدياتها الكبرى , وطموح الإنسان وهو يطرق معالم” زحل والنجم الأحمر وبحثه الدائب عن عوالم حية وحضارات متطورة محتملة في أعماق الفضاء وأجوازه الغامضة “, وطرق أبواب المجهول –في ظل المنجزات العلمية والتقنية الرائدة – تستوجب مراجعة لكل المعايير والعلاقات والأسس البدائية الفجة والموبوءة, من أدران الفكر البدائي العنصري الإلغائي والاستعلائي البغيض في منطقتنا, تلك التي اكتوينا فيها بنار الفرقة والشطب والملاحقة والتمييز, وبخاصة في العراق وسوريا , حيث يتلاقى ويتعايش الكورد والعرب منذ عشرات القرون , مما لم يعد أمر الضغط والإكراه والقمع والصهر والتذويب ومحاولات الإلغاء, مجدية في ظل النظام العالمي والإنساني الهائل في قفزاته التطورية مجديا أو فاعلا , بل بات بدائيا ومستهجنا وثقيل الظل, بل سارع العالم المتحرر من آثام العنصرية ومكرها وعدائها لقوانين الحياة وقيم العدل والمساواة والتطور إلى وضعها في خانة المحرمات, والمنكرات البغيضة والرؤى البدائية المنخورة والعابثة المريضة, مما يدعونا إلى يقظة على قيم المواطنة الحرة, والعقد الاجتماعي القائم على احترام كل خصوصية , وتعهدها ورعايتها ودفعها إلى التقارب والتقارن والتواصل , في تكامل واغتناء الحضارات وتلاقحها بدل محوها ومحاربة تراثها القومي والوطني وتحقيق عوامل مستقرة وعادلة ومتكافئة في الوحدة الوطنية الجامعة , على قدم المساواة والحكمة في اختلاف الألسن والألوان والأعراق والتقافات وتنوعها, والدفاع عن أطياف مجتمعنا ومكوناته الجميلة والمتداخلة والمتكاملة لبناء عالم جديد يمج الإنكار والكراهية والعنصرية وأمراضها الوبيلة والمزعزعة والمدمرة, في رغبة جريئة وحقيقية لإعلاء قيم الحضارة والمدنية اللائقة والمزدهرة .