الرئيسية » دراسات » نساء .. ولكن لسن كباقي الرجال!

نساء .. ولكن لسن كباقي الرجال!

أينما ألقى المرء ببصره في هذه الدنيا وما حولها ابتعد قليلا أو كثيرا، إلا وتراءت لناظريه التعددية في كل شيء والثنائية في الخلق والموجودات، فالأرض نابضة بالحياة بفعل الشمس والقمر ولولاهما لتاه الزمان وساخ المكان وانعدم الحيوان والإنسان، والدماء تجري في عروق الإنسان بفضل الماء والهواء، والإنسان يمشي على قدمين ويعمل بيدين وينظر بعينين ويسمع بأذنين ويتنفس برئتين ويدر بكليتين ويبكي بمقلتين ويضحك بوجنتين ويسجد على راحتين، ومن قبل هداه النجدين.
والحياة الدنيا ذكر بلا إنثى ممات، وأنثى بلا ذكر ثمرة انعدم قاطفها، فلا صلاح للحياة الكونية مع الشمس دون القمر ولا صلاح للحياة الإنسانية مع الرجل دون المرأة ولا المرأة دون الرجل، فكل يطلب صاحبه وصاحبه يطلبه، ولا محيص عن الفطرة الكونية، فأصل الحياة آدم وحواء وعيسى استثناء كما هما آدم وحواء، فعماد خيمة الرجل المرأة وأوتادها صلاحهما وتحت ظلها ينعم الأبناء، وفي الأمثال “البيت لا يبنى على الأرض بل على المرأة”، فإذا أتى الرجل البيت من بابه وضع قدمه على أول السلم نحو الجنة وفلاحها وإذا تسلق جدرانه أو تسلل من شباكه كان أول الخطو نحو الجحيم ولفحها، فالنساء ليس كما سئل الشاعر فأخطأ الجواب (من بحر البسيط):
إن النساء شياطين خلقن لنا *** نعوذ بالله من شرّ الشياطين
بل النساء كما قال الضد النوعي (من البسيط):
إن النساء رياحين خلقن لكم *** وكلكم يشتهي شمّ الرياحين
وكما قال نصير المرأة الإمام علي بن أبي طالب (ع): “المرأة ريحانة وليست بقهرمانة”، ومن أحسن التعامل مع الوردة لاح منظرها وفاح عطرها، ومن أساء حرم نفسه من شم الرياحين وأقام في داره قهرمانة (تخرّب بالنهار بيته وبالليل تحرق زيته) كما يقول المثل الفلسطيني، والبيت العامر مداره الوئام فيه المرأة كما يقول المثل الأندلسي (النساء نار الشتاء ونسيم الصيف)، وفي مثل هذه الأجواء يكون حجر المرأة دارا هانئة للأولاد على مدار السنة وتعاقب الأعوام.
واذا كان صلاح المرأة في حسن التبعُّل، فحسنها لا يقل عن مواكبة حركات الإصلاح، تلد للأمة رجالا أشداء لا تأخذهم في الحق لومة لائم، وإذا جد الجد وقفت إلى جانب الرجل تدفع الشر والأذى عن الأمة وحياضها، فهي تحفظ للرجل في بيته عرضه وماله وأولاده، وتحفظ للأمة كرامتها وعزها وأرضها أمام سلطان ظالم أو عدوان غاشم، ولا أوضح من نهضة الإمام الحسين (ع) صورة حيث تجلى فيها دور المرأة المناضلة التي عانت كما عانى الرجال، فذهب الرجال شهداء وواصلت هي حركة الدفاع عن الأمة ومقدساتها بالكلمة الصادقة في وقت كان المرء يخاف من ظله ولا يأمن جاره، وربما عدم الأمن والأمان في داره، وحيث صدرت ثلاثة أجزاء من معجم أنصار الحسين (الهاشميون)، فان البحاثة الدكتور الشيخ محمد صادق الكرباسي يواصل في الجزء الأول من كتاب (معجم أنصار الحسين .. النساء) الحديث عن النسوة اللاتي مات عنهن الرجال في كربلاء، وأبقن على راية الحق خفاقة عالية، حيث صدر هذا العام 2009م عن المركز الحسيني للدراسات بلندن في 511 صفحة من القطع الوزيري.

تمايز لا تفاضل
من الأخطاء التي تنم عن جهل غير مقصود وربما جهل متعمد، هو الخلط بين مفهومي التمايز والتفاضل عند الحديث عن الفروقات بين الرجل والمرأة بدعوى المساواة المتهمة في بيان معناها ومصاديقها الخارجية، فالعنب من حيث هو عنب فاكهة ولكن الأسود يختلف عن الأخضر والأصفر يختلف عن الماروني، فالتمايز بينها لا يعني التفاضل، وهذا الأمر ينطبق على كثير مما نرى في الحياة ونتعامل معه، ومن ذلك مصداق الإنسان في فرعيه الذكوري والأنثوي، فالمرأة إنسانة والرجل إنسان، وعند وصف كل واحد منهما يظهر التمايز من زوايا مختلفة، فلا يعني هذا التمايز تفاضلا بين نوع وآخر، فالحياء صفة عامة موجودة لدى الرجل والمرأة ولكن زيادته في الرجل نقصان عقل وأمر مفضوح وقلته في المرأة نقصان إيمان وأمر مقبوح، فعدم التساوي لا يعادل التفاضل، وهكذا يقال في العقل والعبادات، وفي التعامل الفيزيائي لكل من الذكر والأنثى، فالمرأة جمالها في رقتها والرجل جماله في خشونته، فلا الخشونة تصلح للمرأة ولا الرقة من شأن الرجل، والتمييز بينهما لا ينقص من شأن المرأة ولا يزيد من شأن الرجل.
هذا المفهوم الذي يحاول البعض اللعب به والتلاعب بعواطف المرأة تحت دعوى المساواة، يناقشه البحاثة الكرباسي في مقدمة أخذت من صفحات الكتاب ربعه في عناوين مختلفة بأسلوب استدلالي يضع الأمور في نصابها ويعطي لكل ذي حق حقه، فالتفضيل كما يراه أفضل نسبي: “أي أنك تفضل أمرا أو شخصا في هذا المجال أو هذا المكان أو الزمان بدلا عن ذلك”، ثم “إن العمل بالاختصاصات أو المميزات ليس تفضيلا” فالماء هو الماء ولكن يفضل في الصيف البارد منه لرويه الصدور الصادية ويبتعد عنه في الشتاء لما يسببه من أمراض صدرية، فلا تمييز بين الماء ولكن التفضيل جاء تبعاً للظرف الزماني، وهذا الأمر ينطبق على كل جزئية من جزئيات الحياة، فاختلاف سني البلوغ لدى الذكر والأنثى ليس تفاضلا، كما إن نقصان عقل المرأة كما ورد في بعض النصوص لا يقصد العقل الذي لدى الإنسان، وإنما إشارة إلى الذاكرة، فالنقصان كما يؤكد الفقيه الكرباسي هو نقصان الذاكرة لا نقصان العقل، بفعل عوامل فسيولوجية ونفسية عدة: “وإلا فإن في النساء مَن هنّ راجحات العقول على الرجال كما يشهد بذلك التاريخ ومواقف النساء المسلمات على عهد الرسول (ص) والأئمة الأطهار (ع)”.

عبودية لا حرية
وقد وجد البعض في المرأة مادة دسمة للطعن بها والرقص على أوتار عواطفها الجياشة بزعمه الدفاع عنها، لكنه في حقيقة الأمر يحاول الطعن بها عبر التعرض للإسلام الذي أكرم المرأة وأعزها، وأظهر مكانتها الحقيقية حيث حاولت المجتمعات المختلفة طمسها تحت مسميات ما أنزل الله بها من سلطان، فمرة جعلوها من صنف الجن، ومرة نسبوها إلى الشيطان، وثالثة نزعوا عنها روحها التي أودعها الله في بدنها كما أودع مثلها في بدن الذكر، فأباحوا لأنفسهم وأدها صغيرة ودفنها كبيرة إذا مات عنها زوجها، وإذا أراد لها الإسلام صيانتها نزعوا عنها سترها وقالوا دعوها وحريتها فالحجاب عبودية على سبيل المثال، حتى نهض في ناديهم جميل صدقي الزهاوي (1936 م) ينشد (من الخفيف):
أسفري فالحجاب يا بنت فهر *** هو داء في الإجتماع وخيم
مع إن الحجاب جزء من كرامة المرأة، ولكن لا يخفى أن التوقف على حجاب بعينه ربما أثار حفيظة البعض فراح يشنع على الإسلام، مع إن: “نوعية الحجاب وأسلوبه متروك إلينا وليست منوطة بشكل معين من الأشكال التي فرضتها العادات والتقاليد وهرّج لها الأعداء، وانتقصوا الإسلام وجعلوه عائقا أمام المرأة لممارستها الحياة بالشكل المطلوب”، بل يذهب الفقيه الكرباسي بعيدا إلى القول إن الكثير مما يسمى بالحجاب: “لا يفي بالغرض بل يوجب المزيد من الإثارة، وقسم منها يوجب القرف، لذا علينا أن نلتزم بما ألزمنا به الشرع ولا نتبع الأهواء من العادات والتقاليد”.
وهنا يبرز مفهوما التمايز والتفاضل، فالمرأة جوهرة وصاحبة جمال وافتتان، فحجابها جمالها فهو ليس تنقيصا لها، وحجاب الرجل مثلبة له، وفوق ذلك فان ستر الجوهرة دون أن تمنع من العمل: “يزيد في رغبة الرجل بالنساء مما يتلاءم مع تكوين المجتمع الفاضل وتكوين الأسرة على المحبة والوئام من خلال الأسس الصحيحة دون أن يكلفها شيئا باهظا لترغيب الرجال بالزواج منها”، على أن الإسلام لم ينفرد بالحجاب وإنما هي فطرة إنسانية عملت بها كل الحضارات والمدنيات السماوية والأرضية، لأن الحجاب كما يؤكد المؤلف: “لا يعني حجبها عن المعرفة والعلم والعقل بل الحجاب يعني حجبها من السوء والشر اللذين يمكن أن يأتياها من الأشرار وأصحاب السوء” كما إن الإسلام لم يمنع عموم الاختلاط، إلا ما أدى إلى الفساد: “بل الملاحظ إن جميع العبادات تعد من الأمور التي يختلط فيها الرجال بالنساء، فالطواف في مناسك الحج، وإقامة الصلوات الخمس وغيرها جماعة، وكذلك سائر الشعائر الدينية تقام في تجمع حافل بالرجال والنساء”، فالحجاب لا يعني قمع الحرية، كما إن الحرية لا تعني التحلل، فحيث أن الرجل مناط بالأعراف والقوانين كذلك المرأة، فالعري من ذكر أو أنثى مرفوض عرفا وقانونا في الكثير من البلدان المتحضرة غربييها وشرقييها، فحظره على الرجل لا يعد منقصة لحريته، فمن باب أولى هو مكرمة للمرأة الجوهرة والقارورة، وحسبما يقول الفيلسوف الاشتراكي الفرنسي بيير جوزف برودون (Pierre Joseph Proudhon) المتوفى سنة 1865 م: “إن التحرير الذي يطلبه بعضهن باسمهن هو تسجيل الشقاء عليهن تسجيلا قانونيا إن لم أقل تسجيل العبودية”.

قشرة الحضارة
والمشكلة ليست فيمن يخلط بالأوراق فحسب، بل في بعض المتزمتين الذين يريدون إعادة المرأة إلى العصر الجاهلي بذريعة الالتزام بالإسلام، فيمنعون على المرأة التعليم، ولذلك تجد الأمية منتشرة حيث تنتعش الأفكار المتزمتة غير الحنيفية وتعشش، حتى جرّأ البعض على القول بأن الإسلام يعارض تعلم المرأة، فالنصوص القرآنية والحديثية لا يمكن حصرها بالذكر كما يريدها البعض: “من ذوي العقول المتحجرة ممن لا صلة لهم بالفقه الإسلامي وليس لهم باع في النصوص القرآنية والروائية، ويتمسكون ببعض الظواهر التي كانت سائدة منذ الجاهلية”، فلا حجة لحمل النصوص الخاصة بالتعليم على الذكور كما لا حجة للمتربصين بالإسلام بالاستدلال على الفكر الإسلامي اعتمادا على السيرة الخاطئة لأعمال المنتسبين له، وهذا الأمر ينسحب على عمل المرأة فحشمتها لا تمنعها من العمل، وأن لنا في أم المؤمنين خديجة الكبرى نموذجا رائعا إذ كانت من كبار تجار مكة، وبأموالها وبسيف علي (ع) وصبر بعلها (ص) قام صرح الإسلام بإذن الله.
وعلى غرار التعليم يستعرض المؤلف الروايات الذاهبة إلى منع المرأة من تولي الولاية، فيرى: “أنها لا تصلح للنهوض في حجب المرأة من تبوء المناصب العليا من المرجعية الدينية أو السياسية من الولاية والإمارة أو القضاء والتقليد، وذلك لأن معظم الروايات مرسلة أو ضعيفة السند، ومن جهة أخرى فإنها لا تفي بالغرض لوحدها”، ولكن في الوقت نفسه لا يريد الفقيه الكرباسي مخالفة الإجماع إن ثبت ونهض في بعض المحظورات التي لها علاقة بفسيولوجية المرأة ونفسيتها، ويهاجم أولئك الذين أطبقوا المنع على المرأة في كل شيء، حيث: “تزمّت بعضهم وأبعدها عن كل المناصب، سواء أكانت خطيرة أو لم تكن، دون أن يستند إلى دليل مقنع، وفي الحقيقة هو من الرجوع إلى الجاهلية، ونظرتهم الظالمة عن المرأة، وهو بمثابة وأد لها، ولكن بشكل آخر، وقد حررها الإسلام من ذلك”.
ومثل هذا يقال في القيمومة، فهي كما يؤكد: “تحمل المسؤولية في الجانب الإداري في دائرة ضيقة ألا وهي في الحياة الزوجية” لسبب جسمي وحقوقي، فلا فضيلة لرجولة الزوج في الإدارة ولا منقصة لأنوثة الزوجة في تولي الحمل والإنجاب والإرضاع، إنما هو: “من باب توزيع الأدوار حسب المقومات الجسمية والنفسية”، فآية قيمومة الرجل على المرأة: “لا تشير إلى أن الرجل أفضل من المرأة بل تشير إلى أن كل واحد منهما أفضل من الآخر في جهة من الجهات فالمرأة مفضلة فيما يحتاجه الطفل إلى رعاية وعاطفة، والرجل مفضل عليها في الكد لتأمين عيش الطفل وما إلى ذلك، وهكذا”.
وقد يشار إلى أن الإسلام أتى بالتعددية الزوجية، في حين أن الإسلام جاء ونظم العملية برمتها واشترط لها شروطها، واختار لبني البشر أنجحها، وما يقال عن زواج الرسول (ص) من تسع وقد اختص به، إنما هو من باب الحكمة وتوسعة رقعة الإسلام حيث نجد وراء كل واحدة من أزواجه قصة، بل: “إن في كل واحدة سراً وحكمة للمصلحة العامة وللإسلام والمسلمين، ولا ريب أنه كان يقوم بذلك تحت مظلة السماء”، وحسب رائد علم الاجتماع الفرنسي لوبون غوستاف (Lebon Gustave) المتوفى سنة 1931م: ” إن مبدأ تعدد الزوجات الشرقي نظام طيب يرفع المستوى الأخلاقي في الأمم التي تقوم به ويزيد الأسرة ارتباطاً، ويمنح المرأة احتراما وسعادة لا تراها في أوروبا، ولا أرى سببا لجعل مبدأ تعدد الزوجات الشرعي عند الشرقيين أدنى مرتبة من مبدأ تعدد الزوجات السري عند الأوروبيين، مع أنني أبصر بالعكس ما يجعله أسنى منه”.
في الواقع أن البعض من المسلمين تمسكوا بقشرة الحياة وتخلوا عن لبها، بظنهم أنهم لبسوا رداء الحضارة والمدنية، بيد أن شعارهم عين الجاهلية، وإلا فان كرامة المرأة مصونة كما هي كرامة الرجل.

تطبيق مزاجي
وبعضهم فهم النصوص بشكل مغلوط، فراح يطبقها وفق مزاجه الذي ينبع من هوى النفس، فيقدم بعضهم على ضرب الزوجة في تفسير خاطئ لقوله تعالى: (واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا) النساء: 34، فالنشوز لا يختص بالمرأة فقط، فهو يصدر من الرجل أيضا، كما أكد على ذلك الإمام جعفر بن محمد الصادق (ع): “النشوز يكون من الرجل والمرأة جميعا”، أما الهجر فلا يعني هجران مخدع الزوجية كما قد يفهم البعض، وإنما كما يؤكد المفسر والمؤلف الشيخ الكرباسي: “أي هجر المضاجع أن يحوّل الرجل ظهره إليها في الفراش، وهو ما نصت عليه رواية الإمام محمد بن جعفر الباقر (ع) في قوله: يحوّل ظهره إليها”، وأما الضرب فإذا أخذنا به الضرب الظاهر من النص كما ذهب إليه أعلام المفسرين والفقهاء فهو: “أن الضرب يكون بالمنديل- وليس بسياط- بشكل لا يؤلمها” وربما بالسواك، لأن المقصود من الضرب هو الردع وإظهار الانزجار، وقد ورد في مناهي الرسول الأكرم (ص): “لا يضرب أحدكم امرأته ضرب العبد ثم يعانقها في آخر النهار”، وحسب اعتقاد المفسر الكرباسي إن المتبادر من الحديث الشريف: “أنه أراد إقلاع المسلم عن ضرب زوجته، دون أن يشرّع الضرب الخفيف”، بل ويذهب بعيدا في فهم لغوي آخر لمفردة الضرب وهو الإعراض كقولنا ضرب عنه صفحا أي أعرض، فالمراد من الضرب: “أي الإعراض عن المرأة، سواء في العمل الجنسي، أو النوم معها في فراش واحد”، فالمراحل الثلاث عند نشوز المرأة عن زوجها هي مراحل ترتيب من الأخف إلى الأثقل، فالضرب الجسدي خال من الآية: “وأما الأقوال الأخرى، فالظاهر أنها بعيدة عن روح التسامح الإسلامي المعهود، كما أن الأمر وارد هنا للإباحة وليس فرضا كما عليه معظم الفقهاء والمفسرين”، كما لم نعهد أن قام الرسول (ص) أو أحد من أهل بيته (ص) بضرب الزوجة.
بل أن الحب هو الذي يجعل سماء بيت الزوجية صافية: “وقد بنيت الحياة على الحب، ولولاه لما استقام حجر على حجر ولا قام شيء أبداً، فإنه الضمان الوحيد لاستمرار الحياة والعيش لكل شيء .. ومن مظاهر هذا الحب حب الزوجين فلولاه لما استقام هذا العش الذهبي، إذ هو أساسه ورأسه وعليه بناء حياة الأسرة المقدسة”، وهذا الحب يجسده النبي الأكرم في حبه لنسائه حتى قارن حبه للجنس الآخر بالطيب والصلاة: “أحبُّ من دنياكم ثلاث الطيب والنساء وقرة عيني الصلاة” والصلاة عمود الدين، فبيت بلا امرأة صالحة كدين بلا صلاة مقبولة، وسنة الرسول (ص) حجة على الآخرين.
وهذا الحب يجسده الإمام علي (ع) برثائه السيدة فاطمة الزهراء (ع)، كما في الشعر المنسوب إليه (من الوافر):
حبيبٌ ليس يعدِلُه حبيب *** وما لسواه في قلبي نصيبُ
حبيبٌ غابَ عَنْ عَيني وجسمي *** وعَن قلبي حبيبي لا يغيبُ
ويجسده سيد الشهداء الإمام الحسين (ع) في بيان حبه لزوجته الرباب بنت امرء القيس الكلبية المتوفاة سنة 62 هـ، وابنته سكينة المتوفاة سنة 117 هــ في الأبيات المنسوبة إليه (من الوافر):
لعمرك إنني لأحبُّ دارا *** تحلّ بها سكينة والرّباب
أحبهما وأبذل جُلَّ مالي *** وليس لعاتب عندي حساب
ولست لهم وإن عتبوا مطيعا *** حياتي أو يغيّبُني التراب
فالمرأة كما يؤكد الباحث: “زهرة إن أوليتها اهتمامك استقبلتك بثغرها الباسم واستمتعت بطيبها النافح، وإن أذبلت عنها ذبلت وأذبلتك، وأصبحت حياتك كالليل الدامس”.

حب وولاء
وللحب جناحان يطير بهما المحب يمناه الحاء (الحقيقة) ويسراه الباء (بيانها)، فالأوكسجين وحده لا يكفي لتكوين جزئية ماء الحياة، والهيدروجين لوحده لا ينشئ ماءاً، إذا اجتمعا أسسا وحدة مائية، فحقيقة الحب تبقى غير مفهومة إذا لم يتول المحب بيانها، وباجتماع الحاء والباء تجنّح الحب وطار على رؤوس المحبين، وتلألأ العشق، وكأني بقول الشاعر الجزائري المعاصر الدكتور عبد العزيز بن مختار شبّين، وهو ينشد (من البسيط):
سبحانَ مَنْ علَّمَ العشّاقَ أحرُفَهُ *** ثمَّ اصطفاهم فكانَ الحبُّ منقلبا
وعلى ضوء المعادلة الحبية الولائية، تفرّغ المحقق والرجالي الشيخ الكرباسي لبيان الشخصيات التي تشكلت منها واقعة كربلاء رجالا ونساءا، ولكنه ليس بيان نقل وتقليد وإنما بيان نقد وتجديد، فجاء الذكور من الهاشميين في ثلاثة أجزاء، ومثله لغير الهاشميين، ولحقه الإناث بجزئين، وهذا الأول الذي ضم النساء حسب الحروف الهجائية من الألف حتى الزاي، فهو إن أطال في معجم أنصار الحسين (الهاشميون) الوقوف على حامل لواء الجيش وضرغامه، العباس بن علي بن أبي طالب (ع)، فإنه أطال في معجم أنصار الحسين (النساء) الوقوف على حاملة لواء الإعلام الحسيني وزينة الرجال والنساء، السيدة زينب بنت علي بن أبي طالب (ع)، التي كانت: “تنظر بعين الله وتتنفس برئة الإسلام وتخطو بخطى محمد (ص) وتنطق بمنطق علي (ع) وتعمل بزهد فاطمة (ع)”، والتي يستظهر المحقق الكرباسي أن مرقدها هو القائم في القاهرة.
ومن القاهرة يحدثنا داعية التقارب بين الأديان الأستاذ محمد عبد الفتاح جلال، عن الحب والولاء وهو في معرض قراءته لهذا المعجم، فيرى أن : “من واجب الحب لرسوله (ص) وتوقيرنا وتعظيمنا له أن نحب أهل بيته الأطهار ونُجلهم ونعظّمهم ونودّهم، وقد حض النبي (ص) على ذلك، وعمل بذلك السلف الصالح رضوان الله عليهم، وأمرنا الشرع الحنيف بالصلاة عليهم مع الصلاة على رسول الله (ص)”
ومن أفضل الآل كما يضيف الأستاذ جلال استنادا إلى ظاهر نصوص القرآن والسنة: “الإمامان الطاهران الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة”، لكنه يعبر عن أسفه لأن: “شريحة كبيرة من المسلمين في هذه الأيام وللأسف الشديد يجهلون عظمة هذا الإمام العظيم رغم أنهم ينتمون إلى دين جده العظيم كما يجهلون تراثه الفكري والعلمي والمعرفي والفقهي وغيره”، لكنه في الوقت نفسه يكشف عن كبير غبطته وسروره حيث: “انبرى سماحة آية الله الشيخ محمد صادق الكرباسي حفظه الله تعالى بأن يفرغ نفسه ووقته وضحى براحته لدراسة عريضة وعميقة ومترامية الأطراف شاملة لكل جوانب العظمة الكامنة في هذا الإمام العظيم”، ولأن المؤلف إمتلك من العلوم نواصيها، فإنه: “أجاد في عرض الموسوعة الحسينية بهذا الأسلوب العلمي الدقيق وقد حقق وحلل وحاور وبذل مجهودا ضخما خلال عمله الدؤوب والطويل في هذه الموسوعة الفريدة، إنه ينقل لنا صورة وصفية حقيقية بكل أبعادها عن الإمام الحسين (ع)، فيتحدث عن السيرة الحسينية وكأنه عايشها، وقد تابع خطوات الشعراء الذين نظموا في استشهاده كما وأرباب المقاتل وما آثر عنه من مقال فقهي وظواهر تربوية إلى غير ذلك ليكون سائغا أكله يانعا ثماره”.
ولا يخفى أن الطاعة من مظاهر الحب والولاء، ولذلك يعتقد الداعية المصري: “إن هذا المجهود الضخم هو في نظري عبادة وطاعة لله عز وجل، فالموسوعة الشريفة التي أرست على الستمائة مجلد حوت على العلوم والمعارف والشعر والأدب والفقه والتشريع وعلى سائر العلوم والمعارف، مما لا يخفى على القارئ اللبيب لدى الإطلاع على مضامينها والاستمتاع لدى مطالعتها”.
وبعد استعراضه لما جاء في الجزء الأول وجد الداعية محمد عبد الفتاح جلال أنه: “من واجب الإيمان أن نثمن جهود هذا الداعية بشخصه بكل ما يحمله من فكر ومعرفة، وبعمله الرائد الذي يثلج صدر أهل العلم وطلاب الحقيقة، فله درّه وعلى الله أجره، والسلام عليه والبركة في عمره الذي دأب على نشر العلم والمعرفة بأسلوبه الشيّق الموزون والمعتمد على الموضوعية، فهنيئا له وزاد في توفيقاته بمحمد وأهل بيته الأطهار وصحبه الأخيار”.
وهذا الانطباع الذي خرج به داعية التقارب بين الأديان، ينم في حقيقته عن حب للعلم وولاء للعلماء، وهو حب يقع في طول الحب والولاء لأهل بيت النبوة الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، وفي موازاة الحب للعلماء وأعلام الأمة الذين هم في الليل أقمارها وفي النهار شموسها.

*إعلامي وباحث عراقي
الرأي الآخر للدراسات – لندن
alrayalakhar@hotmail.co.uk