الرئيسية » مقالات » أكثر عن رأسمالية الدولة

أكثر عن رأسمالية الدولة

في لقاء جمع الكاتب البريطاني المعروف ه. ج. ويلز بالزعيم السوفيتي ستالين عام 1934 يلفت الانتباه ما اعتبره ويلز تطبيق سياسات اقتصادية متشابهة في روسيا السوفيتية و في أمريكا الرأسمالية , سياسات “البناء الاشتراكي”الستالينية و سياسات العقد الجديد الروزفلتية , هكذا كان تدخل الدولة الأمريكية لإنقاذ الرأسمالية من براثن أزمتها المهلكة في أوائل ثلاثينيات القرن العشرين يشبه تماما , حسب ملاحظة الكاتب البريطاني الفطن , سياسات بناء رأسمالية الدولة السوفيتية * , حتى أن الاقتصاديين الكلاسيكيين وصفوا نظريات كينز , التي قامت على أساسها كل سياسات العقد الجديد و ما تلاها حتى سبعينيات القرن العشرين في دول مركز النظام الرأسمالي العالمي و غالبا سياسات دول المركز الرأسمالي في السنوات القادمة , بالاشتراكية , بينما اعتبرها بعض الاشتراكيين يومها “ماركسية” عصرهم , لقد انتقد ستالين يومها رأي ويلز القائل بتشابه رأسمالية الدولة الروزفلتية و الستالينية , و استخدم مثالا اعتبره هاما للغاية في التمييز بين الرأسماليتين , و هو موضوع التشغيل الكامل لقوة العمل المتاحة , الذي اعتبره “مبدأ” أساسيا لنمط الحكم السوفيتي , في مقابل عدم اكتراث الرأسمالية الغربية أو استثمارها لخطر رمي العمال في الشارع ضد العمال أنفسهم , لكن هذا النقد الستاليني لفكرة ويلز يعني في نفس الوقت وجود تشابه كبير فعلا بين المشروعين , في سمات أساسية في تحديد شكل علاقات الإنتاج السائد فيهما , مثل ملكية وسائل الإنتاج الرئيسية و علاقة المنتجين المباشرين , أي الكادحين , بوسائل الإنتاج هذه , و طريقة اتخاذ القرارات في المجتمع و دور الكادحين في هذه العملية , لكن هذا الفارق لا ينطلق من خلاف في هذه النقاط الأساسية , التي تشكل جوهر كلا النظامين , بل من خلاف آخر على صعيد مصدر الشرعية في كل منهما ( العقد الاجتماعي في المجتمع الرأسمالي و عقد جديد شعاراتي في ظل رأسمالية الدولة , يفوض الأول البرجوازية تمثيل من تستغلهم باسم “حريتهم” القائمة على الديمقراطية التمثيلية و “حريتهم في التعاقد كعمال مأجورين مع الرأسمالي” و يفوض الثاني البيروقراطية الحاكمة تمثيل المجتمع أو على الأقل الطبقات التي تدعي تمثيلها , فتضطهدها باسم تحريرها هذه المرة , قد يريد العض مفاضلة أي من هذين الوهمين عن الحرية أفضل من الآخر , فهذه بالنسبة للمستغلين و الطغاة أفضل الطرق لترسيخ الوهم الذي يخدمهم , كما قد يكون من الصعب الآن مقارنة القمع الستاليني بالقمع المكارثي أو القمع الموجه ضد حركة حقوق السود مثلا , لكن الخلاف يبقى , رغم ميل المؤرخين لوصف القمع الستاليني بأنه كان أكثر همجية و وحشية , في الدرجة و ليس في النوع )…فالخلاف هنا هو في الشكل و ليس في الجوهر , فذات السبب الذي يدفع الرأسمالية إلى إبقاء البطالة سيفا مسلطا على رقاب العمال هو نفسه الذي كان يدفع البيروقراطية الحاكمة الستالينية لتشغيل شبه كامل لقوة العمل , ألا و هو تكريس و تبرير سلطتها على العمال هنا و هناك , بالنسبة للبيروقراطية الستالينية كان هذا التشغيل الكامل أو شبه الكامل , إلى جانب أشياء أخرى , المبرر الأساسي لتسمية المشروع كله بالاشتراكي , و مبرر السلطة المطلقة التي راكمتها بيروقراطية الحزب و الدولة في يدها و التهميش الكامل لجماهير العمال و الفلاحين الروس و لتحويل السوفييتيات إلى مجرد ألعوبة بيد البيروقراطية الحاكمة و لقمع أية معارضة للزعيم حتى داخل رأس هرم الحزب , استخدمت رأسمالية الدولة القومية عربيا شعارات مشابهة لتبرير وضعيتها كسلطة مطلقة , كطبقة جديدة مستغلة و استبدادية , بشكل ربما فاق ما فعلته البرجوازية الناشئة في أنظمة ما بعد الاستقلال , يجب أن نذكر أن شعارات مثل بترول العرب للعرب كانت هي البداية لصعود ديكتاتور دموي كصدام حسين , و أن الجماهير المصرية و العربية , و ربما الكثير من غيرهم من البشر , صفقوا بقوة يومها لعبد الناصر و هو يعلن تأميم قناة السويس , نفس عبد الناصر الذي أباح كل شيء لأجهزة أمنه و للمقربين منه بما في ذلك رقاب المصريين العاديين و كرامتهم و خيرات بلادهم , كان خلف كل هذه الشعارات إصرار هائل لا يعرف الهوادة على استبعاد أي نشاط مستقل عن السلطة , و منذ وقت مبكر جدا , قمع أية معارضة أو حتى بوادر معارضة للنظام , و إصرار هائل على استبعاد أي نشاط مستقل للجماهير و على ضرورة إلحاقه بأجهزة النظام و وضعه تحت رقابتها , كان من أوائل أعمال ما تسمى بثورة يوليو تموز 1952 إعدام خميس و البقري لكسر إضراب عمالي , و كان رد عبد الناصر على موقف الشيوعيين السوريين و المصريين من الوحدة السورية المصرية قاسيا لا يعرف الرحمة , تماما كما كان رده على محاولة حلفاء الأمس , الإخوان المسلمين , مقاومة نفوذه , كان حافظ الأسد أيضا لا يتساهل أبدا مع أي ظهور للسلاح الفلسطيني في الشارع السوري رغم أنه كان يدعم وجوده و تظاهراته المسلحة في الشارع اللبناني , كما أن البعثيين السوريين و العراقيين أصروا بشدة في إطار مفاوضات تأسيس جبهات محلية “تقدمية و وطنية و قومية” مع الشيوعيين و الناصريين على أن يوقف هؤلاء أي نشاط تنظيمي ذا شأن بين العسكريين و بين الطلبة , أن يتحولوا في الواقع إلى جزء من الصف الثاني أو الثالث من بيروقراطية السلطة المشاركين عمليا في تغطية سياساتها و من ثم جرائمها , مقابل بعض المقاعد المضمونة في مجالس ألعوبة بيد النظام و في حكوماته , هكذا أصبح القرار منذ الساعات الأولى للانقلاب الناصري أو البعثي في سوريا و العراق بيد أقلية محدودة جدا , و جرى بناء السلطة المطلقة لهذه الأنظمة لبنة لبنة , حتى رأينا بشار الأسد يرث أباه و كذلك جونغ إيل يرث والده الزعيم الكوري الشمالي الستاليني , هنا كما هو الحال في روسيا السوفيتية و سائر الدول التي كانت تسمى بالاشتراكية , و التي سميت بالدول القومية أو الممانعة عربيا , كانت الدولة تعتبر , في ظل حكم الحزب الشيوعي أو القومي الاشتراكي , اختزالا للمجتمع , خاصة الطبقات التي كان الحزب الحاكم أو القائد يدعي تمثيلها , و بالتالي كانت ملكية السلطة لكل شيء و خاصة لأدوات الإنتاج تعتبر وفق هذه الإيديولوجيا السائدة ملكية “عامة” , و كانت أية معارضة للسلطة توصم بمعاداة الشعب أو الاشتراكية أو القومية العربية و التآمر مع “العدو” الطبقي الداخلي أو الخارجي و تلاحق و تقمع بقسوة , هنا للحقيقة و للإنصاف , يجب أن نذكر أن أنظمة رأسمالية الدولة التابعة في السعودية و الأردن و المغرب و مصر السادات و مبارك , التي كانت تعادي المشروع “القومي و الاشتراكي” استخدمت مبررات مختلفة مضادة أو متناقضة تماما مع التي استخدمتها أنظمة رأسمالية الدولة القومية , غالبا الأصولية الإسلامية ( و المسيحية في لبنان ) على الأقل حتى سقوط الاتحاد السوفيتي , لتبرير ذات شكل و حقيقة السلطة المطلقة حيث تكون البيروقراطية الحاكمة هي الرأسمالي الأساسي إن لم يكن الوحيد و رب العمل الأكبر و بالتالي القوة الأساسية المهيمنة على مجمل النشاط الاقتصادي كما يهيمن على أي فعل أو تعبير سياسي , لنعد إلى التنظير الستاليني لرأسمالية الدولة السوفيتية و لنقرأ كيف وقف ستالين بقوة ضد اقتراح تمليك التعاونيات الكولخوزية للتراكتورات و غيرها من أدوات الإنتاج التي تستخدمها و تحصل عليها من الدولة في أوائل الخمسينيات ** , يعترض ستالين بشدة هنا على هذا الاقتراح و يتساءل “لنفترض لحظة أننا قبلنا اقتراح الرفيقين سانينا و فنجر و بدأنا نبيع للكولخوزات بيعا باتا أدوات الإنتاج الرئيسية … فماذا يمكن أن ينتج عن ذلك ؟ ينتج عن ذلك أولا أن الكولخوزات ستصبح صاحبة أدوات الإنتاج الرئيسية , أي أنها ستجد نفسها في وضع استثنائي لا تعرف مثله أية مؤسسة في بلادنا , لأن المؤسسات المؤممة نفسها كما هو معلوم ليست صاحبة أدوات الإنتاج عندنا . فكيف يمكن تبرير هذا الوضع الاستثنائي للكولخوزات و بأي اعتبار من اعتبارات التقدم ؟” , “الكولخوز يعمل بواسطة أدوات إنتاج أساسية ليست ملكية كولخوزية بل للشعب بأسره” , طبعا هنا ستالين يقصد بالشعب الدولة تحديدا , كما أنه يتناسى أن المؤسسة الوحيدة التي كانت تملك وضعية استثنائية في روسيا الستالينية كانت هي الدولة تحديدا , و أنه برفضه منح التعاونيات تلك الوضعية الاستثنائية , الحصول على أدوات الإنتاج التي تستخدمها مباشرة, التي يصر على أن تبقى ملكية عامة أي ملكية خاصة بالدولة , فإنه يصر على أن تبقى الدولة هي وحدها التي تتمتع بوضع استثنائي , أن تبقى الدولة هنا هي صاحبة وسائل الإنتاج الفعلية و ليس الكادحين الذين كانت تدعي التحدث باسمهم و تمثيلهم , الأمر الذي كان يتطلب بالضرورة إخراسهم فعليا ( عن طريق قمع أي صوت مستقل أو مبادرة ذاتية و حتى أي معارضة ) كي تبقى أسطورة التمثيل تلك جدية , نفس أسطورة تمثيل البشر من قبل بعض السياسيين المحترفين في ما يسمى بالديمقراطية البرجوازية التي تعمل على تحويل السيطرة الاجتماعية و الاقتصادية للرأسمالية إلى سيطرة سياسية في شكل أقل توليدا للأزمات , مرة أخرى نجد أنفسنا أمام التشابه الهائل بين أنظمة رأسمالية الدولة و الرأسمالية , فيما يتعلق بوجود قوة تتمتع بوظائف استثنائية , بوضعية استثنائية , في مقابل جمهور المنتجين الأوسع الذي يجب أن يكون مستثنى تماما من هذه الوضعية , لا يمتلك وسائل الإنتاج , و ليس له أي دور في عملية نقاش و اتخاذ القرارات التي تقوم بها في المرة الأولى مجموعة من السياسيين المحترفين “المتخصصين” لصالح البرجوازية التي تملك وسائل الإنتاج و في الحالة الثانية بيروقراطية حاكمة تملك و تحكم فيما يبقى المنتجون المباشرون دون وسائل إنتاج أو أي دور في تقرير مصيرهم..المبرر يختلف , تختلف الشعارات , لكن الجوهر وحده , و حتى السياسات نفسها…..لاحظ تشومسكي في وقت سابق ذلك التوافق أيضا بين منظومتي الدعاية الستالينية و الإمبريالية في اعتبار الاتحاد السوفيتي ممثلا عن الاشتراكية *** , فقد استفادت الرأسمالية من حقيقة أن خصمها كان هو الاتحاد السوفيتي و أنظمة مثل الخمير الحمر و صدام حسين كسلاح دعائي و إيديولوجي فعال لتلميع “ديمقراطيتها” أو سياساتها العدوانية ضد شعوب العالم , و لذلك عملت على تكريس فكرة أن الستالينية كانت نموذج الاشتراكية الفعلي , و تريد اليوم أن تؤكد أن أنظمة إيران و سوريا و كوريا الشمالية هي نماذج الممانعة الحقيقية المعادية لسياساتها العدوانية , إلى جانب منظمة القاعدة التي تتفنن في القتل و التكفير كيفما شاءت , لتشرعن قتلها و انتهاكها لحقوق كل الناس في كل مكان تريد , لا تتحدث الرأسمالية أبدا عن أشكال أخرى حقيقية لحرية البشر خارج إطار سيطرتها , أو شكل سيطرتها الذي يقوم على تهميش الناس لصالح الأقلية التي تملك و تحكم في النهاية , هكذا تستطيع الرأسمالية أن تمايز نفسها عن رأسمالية الدولة “الاشتراكية” أو “القومية” و تحاول أن تقنع كل من اكتشف , مثل ويلز , ذلك التشابه الهائل بين محاولتها إنقاذ سيطرتها و نظامها باستخدام سلطة الدولة الرأسمالية و بين تلك الأنظمة المرعبة التي تقلدها , أنها مختلفة “جذريا” على الرغم من ذلك….إن البديل الذي يمثل حرية الناس , حرية المنتجين , هو هناك , بالضبط حيث حاول ستالين أن يقضي عليه لصالح دولته و هو يعتقد , كأي مستغل و طاغية , أنه قادر على تأبيد سيطرة طبقته الجديدة على الناس , و حيث تحاول الرأسمالية أن تقمعه و تقتله بتجاهله مفضلة عليه خصومة طغاة و حتى مجرمين كصدام حسين و عمر البشير , إنه في امتلاك المنتجين لوسائل إنتاجهم مباشرة , لا عن طريق أية مؤسسة استثنائية ما , إنه في حرية الناس , في امتلاكهم مباشرة كل وسائل الإنتاج التي يستخدمونها , و في مؤسسات ديمقراطية حقا يناقشون من خلالها شؤون حياتهم و إنتاجهم و يقررون كل ذلك بحرية فعلية………..

* J. Stalin , Marxism versus Liberalism , interview with H. G. Wells ,
www.marxists.org/reference/archive/stalin/index.htm

** جوزيف ستالين , القضايا الاقتصادية للاشتراكية في الاتحاد السوفيتي ,الحوار المتمدن , العدد 2575

*** Chomsky , The Soviet Union versus socialism , 1986
//Chomsky.info