الرئيسية » بيستون » بمناسبة الذكرى التاسعة والعشرين لتهجير الكورد الفيليين حقائق عن ابعاد واهداف عمليات التهجير

بمناسبة الذكرى التاسعة والعشرين لتهجير الكورد الفيليين حقائق عن ابعاد واهداف عمليات التهجير

(سفرهم سيدي، اشمرهم عالحدود… ذولة العجم)
تلك العبارة التي نطقت بها فريال في ذلك اليوم المشؤوم من تاريخ الكورد. في يوم نيساني اسود اعتلاه غبار العاصفة الهوجاء التي اججتها ريح الحقد الدفين للامة الكوردية لتصفر بعد ثلاثة وثلاثين عاماً من تحزبهم خلف ستار ما يسمى بالبعث…

وما هو الا بعث الشياطين فمن هي فريال ومن يكون سيدها!!؟ وما علاقتهما بتاريخ الكورد تلك هي الحكاية .. حكاية شريحة، بل شعب باكمله، فما الشريحة الفيلية الا جزء من الشعب الكوردي، وما معاناتها الا معاناة شعب باكمله.
خيوط المؤامرة..
مع مطلع العام 1980 ظهرت بوادر العداء للثورة الايرانية التي لم تكن حينها قد اتمت عامها الأول ونتيجة لتكالب القوى من اجل اخماد انفاسها في المهد او اضعافها على اقل تقدير كان لابد من التخطيط لمؤامرة محكمة الجوانب وهذا ما حدث فعلا اذ اشتركت فيها قوى مختلفة واتحدت من اجلها تيارات متناقضة وما يهمنا من ابعاد هذه المؤامرة رغم شموليتها تلك الفقرة الخاصة بالكورد الفيليين حيث تم استخدامهم كورقة ضغط على النظام الجديد في ايران (لاسباب سنأتي لذكرها لاحقا) ولكي تخفى خيوط المؤامرة تم التخطيط لاجزائها وخطواتها بصورة دقيقة ومحكمة.
فمع تصاعد الحملات الاعلامية الشديدة بين البلدين المتجاورين العراق وايران لاسباب لا علاقة لها بالكورد الفيليين ولا بقضيتهم القومية تم في الثالث من شهر شباط عام 1980اصدار القرار المرقم (180) عن مجلس قيادة ثورة النظام في بغداد(1) والذي تضمن احكام تجنيس الاجانب ومنح وزير الداخلية الصلاحية كاملة بتجنيس الاجنبي البالغ سن الرشد بشروط منها ان يكون ساكنا في العراق قبل عام 1958 ومستمراً على السكن وان يكون احد اقاربه من الدرجة الاولى والثانية قد حصل على الجنسية العراقية وعلى ان لا يكون في وجوده ضرر على أمن وسلامة الجمهورية العراقية، كما تضمن فقرة يمكن اعتبارها اهم فقرات القرار والذي خول فيه وزير الداخلية صلاحية قبول او رفض تجنيس افراد عشائر (سوره ميري وكركش والزركوش وملك شاهي وقه رةلوس والفيلية والاركوازية) بنفس الشروط السابقة وقد ورد هذا في الفقرة الثانية من القرار كما جاء ذكر عشيرة (الكويان) في الفقرة الثالثة منه حول تجنيسها وبنفس الشروط ايضاً .
ومن خلال التمعن في فقرات هذا القرار مع التحليل الدقيق لاهدافه نستنتج بانه قد جهز قالبا لاستيعاب الكورد الفيليين الذين ورد ذكرهم في الفقرة الثانية منه على انهم اجانب، ورغم ان بقية فقرات القرار تدعو الى التفاؤل بامكانية حصول الكورد الفيليين على الجنسية والذين فعلا قاموا بالتوافد على دوائر الجنسية للاستفادة من هذا القرار ولكن ماذا حدث؟!!..
المستنصرية وقميص عثمان..
قد يتذكر الكثير منا حادثة المستنصرية في الثالث من نيسان عام 1980 والتي اودت بحياة العشرات من الطلبة الابرياء، حيث اتهم في هذه العملية سمير ملك شاهي- لاحظ الاسم وقارنه مع العشائر المذكورة آنفاً – ونفذ فيه حكم الاعدام فيما بعد ورغم تعدد وجهات النظر حول المتهم الا ان هذا ليس محور القضية، ففي مساء اليوم ذاته بدأ التلفزيون العراقي يصب جام غضبه ولعنات من وراءه على الكورد الفيليين- والذين نعتهم بالعجم – ولو بصورة غير مباشرة، ثم عرض التلفزيون صورا عن زيارة رئيس النظام العراقي لجرحى الحادث لتنطق فر يال- وهي طالبة جرحت اثناء الحادث- بمغزى النظام بقولها الذي افتتحنا به مقالنا، والمفارقة الغريبة ان فريال بعد ان نطقت بما املاه عليها النظام السابق كانت ضمن قوافل المهجرين حيث تم تهجيرها الى (دولة العجم!!) حسب تعبيرها لانها كانت من الكورد الفيليين.
المجرم صدام يتوعد الفيليين
)والله والله والله.. وبحق كل ذرة في تراب الرافدين.. الدماء الطاهرة التي سالت في المستنصرية لن تذهب سدى).. بهذه المقولة المشؤومة اطلق طاغية العراق المقبور صدام عنان اجهزته القمعية للهجوم على مئات الآلاف من المواطنين العراقيين العزل في اماكن سكنهم وعملهم ودراستهم بدون ان يفرق بين الجنس او العمر .
ومع تواصل الحرب الكلامية ضد ايران من قبل اجهزة اعلام نظام البعث وتوجيه اصابع الاتهام لطهران بالوقوف وراء الحادث تم في اليوم التالي أي في الرابع من نيسان تنظيم مسيرة حاشدة.. لتشييع ضحايا الحادث لتستغل هذه التظاهرة بخسة من قبل النظام، حيث تم الايعاز بتوجيه هذه المسيرة نحو المركز الثقافي الايراني في بغداد ليقوم بعض من دسهم النظام بأثارة المشيعين للهجوم على المركز في محاولة واضحة لتأكيد الاتهام وبالتالي رفع حماسة الغضب الشعبي وتوجيهه نحو ايران استعداداً لكسب الرأي العام للحرب التي اقبل عليها.
بداية عمليات التهجير
بعد هذه الشحنات التي اججها النظام لموجات الغضب الشعبي كان الطريق ممهداً لاستخدام صلاحيات وزير الداخلية برفضه طلبات التجنس التي تقدم بها ابناء العشائر التي ذكرناها سابقا وبدون الاخذ بنظر الاعتبار بالشروط الوارد ذكرها في القرار (180) حيث تم اصدار الاوامر بحجز كل هؤلاء من الكورد الفيليين- الذين تقدموا بطلبات التجنس – على اعتبارهم اجانب من التبعية الايرانية وحسب قرار .. استصدروه لهذا الغرض وهو القرار (518) الصادر في 15/ 4/ 1980 (2) والذي نص على استثناء الاجنبي الايراني الاصل من الاحكام الخاصة بالتجنس الواردة في القرار (180) لتبدأ على اثره عمليات التهجير القسرية والتي طالت حوالي (150) الف كوردي فيلي من سكان بغداد وخانقين ومندلي والكوت والحي وبدرة وزرباطية وعلي الغربي وجلولاء (3) وما صاحب هذه العمليات من اجراءات لا انسانية ان تدل على شيء فهي تثبت شوفينية النظام، كمصادرة الاموال والممتلكات وتجريدهم من الوثائق والمستمسكات.
فمداهمة البيوت كانت تحدث غالباً اثناء الليل وكان هؤلاء المواطنون يتعرضون خلالها لشتى انواع الاهانات على ايدي الحثالات التابعة للدكتاتور وجلاوزته.
ومن ثم تهجيرهم الى ايران وذلك من خلال رميهم في العراء في المناطق الحدودية المتآخمة لايران واجبارهم على تجاوز الحدود باتجاه الجانب الايراني وذلك بتهديدهم باطلاق النار على كل من لايفعل ذلك ، حيث كان يتم اطلاق عدة عيارات نارية في الهواء بهدف ترهيبهم. وقد مات وفقد العديد من المهجرين اثناء عمليات التهجيرات بسبب قسوة الظروف اذ كان بينهم المسنون والمعوقون والنساء الحوامل والاطفال الرضع، وكذلك المشي سيرا على الاقدام لمسفات طويلة في المناطق الوعرة وفي جو قاس وبدون ماء وطعام ناهيك عما تعرضوا له قبل نقلهم للمناطق الحدودية.
وعمليات التهجير بدأت فعلاً في السابع من نيسان اي قبل ايام من صدور القرار (518) مما يدل على صورية هذه القرارات وبانها قد صيغت فقط من اجل اعطاء الشرعية لعمليات التهجير.
القرار 666
بعد مضي شهر على بدء عمليات التهجير وتحديداً في السابع من شهر آيار صدر عن مجلس قيادة النظام العراقي القرار المرقم (666) والذي نص على اسقاط الجنسية العراقية عن كل (عراقي) من اصل اجنبي اذا تبين عدم ولائه- طبعاً للنظام – وبأمر وزير الداخلية(4) بأبعاد من تسقط عنه الجنسية العراقية ما لم يقتنع- بناء على اسباب كافية بأن بقاءه في العراق امر تستدعيه ضرورة قضائية او قانونية او حفظ حقوق الغير الموثقة رسمياً .. ويمكن اعتبار هذا القرار بالمصيدة التي تم بها تهجير عدد آخر من الكورد الفيليين من الذي يحملون اصلا شهادة الجنسية العراقية وذلك بأسقاطها بحجة عدم الولاء كما استغلت الفقرة الاخيرة منه لاحتجاز اكثر من ستة الآف شاب فيلي (5) ما يزال مصيرهم مجهولاً، كما ان هذا القرار لم يطبق لحد الآن سوى على الكورد الفيليين الذين وقعوا في مأزق هذا القرار كما راحوا ضحية المؤامرة الكبيرة التي خطط لها مسبقاً .
تشخيص الاهداف والابعاد..
من الطبيعي ان المؤامرة التي استهدفت الكورد الفيليين من خلال عمليات التهجير القسرية كان لها ابعاد سياسية ودوافع متعددة منها ارباك النظام الجديد في ايران من خلال موجات المهجرين الذين دفع بهم نظام بغداد خلف الحدود وتحميل الثورة الوليدة اعباء جديدة باجبارها على الانشغال بالالاف من العوائل المبعدة ومن ثم تمرير المخطط العالمي لاضعاف الثورة حتى اجهاضها كما نوهنا واستخدام ورقة الكورد الفيليين ما هي الا بداية للتمهيد لشن حرب خطط لها في دوائر الاستخبارات لبعض القوى الدولية ، هذه الحرب التي لم يدفع ثمنها سوى الابرياء من الجانبين . ومن ناحية اخرى كان يقصد من وراء عمليات التهجير وتفريغ تلك المناطق الكوردية من سكانها الاصليين-الكورد الفيليين- منتهجاً النظام بذلك سياسة التعريب والتي دأب عليها منذ اعلان اتفاقية آذار عام 1970م ، حيث كان الوفد الكوردي اثناء المفاوضات حول الحكم الذاتي قد طلب من وفد الحكومة ضرورة ضم تلك المناطق الى منطقة الحكم الذاتي ، وجوبه هذا الطلب آنذاك برفض شديد من قبل وفد الحكومة مما ادى الى نشوب بعض الخلاف الذي انتهى بالاتفاق على اجراء احصاء عام لسكان تلك المناطق ومن ثم الحاقها حسب نسبة وجود الاكثريات القومية (6).
الا ان الحكومة العراقية اخذت تماطل في موعد اجراء هذا الاحصاء حتى تتمكن من اجراء تغيير عرقي لهذه المناطق بانتهاجها سياسة التهجير والتي استهلتها عام 1971م بتهجير اكثر من 70 الف كوردي فيلي ليتم بذلك ترقين الوجود الكوردي في تلك المناطق ، ورغم انهيار اتفاقية آذار الا ان النظام استمر في سياسة التهجير والتعريب كما ذكرنا الى جانب عمليات الترحيل التي دأب عليها ليكون على اهبة الاستعداد لاجراء أي احصاء مستقبلي حول تلك المناطق ، هذا فضلا عن ذلك كله فقد كان دور الكورد الفيليين في حركات التحرر الكوردية مصدر ازعاج وتنغيص للنظام ولكون الكورد الفيليين يشكلون القاعدة لحركات التحرر الكوردية في مناطق بغداد والوسط والجنوب العراقي مما يشكل تهديداَ مباشراَ لمصالحه فأراد من حملاته الظالمة ضد الكورد الفيليين اضعافاً للحركة الكوردية التحررية ولهذا الموضوع تفاصيل اوسع ومضامين وتحليلات اكثر لايمكن استيعابها في اسطر محدودة ولكن في ضوء ذلك يمكن تشخيص ابعاد واهداف عمليات التهجير ويمكن الاستنتاج على ان الكورد الفيليين كانوا ضحية مؤامرة خطيرة تستهدف في الواقع ابادتهم وتفتيت الوحدة الوطنية للشعب العراقي بصورة عامة والشعب الكوردي بصورة خاصة بشرذمته الى طوائف وشيع حتى يتغلب الانتماء الطائفي على الانتماء الوطني ، مما يخلق لدى الشعب رواسب تمييزية ليس من السهل بل من الصعب نزعها وتصبح الطريق ممهددة لتعديل جغرافي في تركيب العراق السياسي بعد ان يستكمل هذا التغيير جذوره النفسية، ذلك ان الطائفية سلاح خطير وخبيث عميق الجذور لما له من آثار خطيرة على الخريطة السكانية والجغرافية..
الهوامش:
1- نشر هذا القرار في الوقائع العراقية العدد 2757 بتاريخ 18/ 2/ 1980.
2-نشر هذا القرار في الوقائع العراقية العدد 2771بتاريخ 5/ 5/ 1980.
3- استندنا في هذه الاحصائيات الى المعلومات التي اوردها الاستاذ عبد الجليل فيلي في كتابه اللور (الكورد) الفيليون في الماضي والحاضر.
4-نشر هذا القرار في الوقائع العراقية العدد 2776 بتاريخ 26/ 5/ 1980.
5-نفس المصدر رقم(3).
6-ذكر هذه الحادثة الاستاذ حبيب محمد كريم السكرتير السابق للحزب الديمقراطي الكوردستاني واحد اعضاء الوفد المفاوض، في مقابلة شخصية معه

نقل من موقع شفق http://www.shafaaq.com