الرئيسية » مقالات » الارهاب السياسي في العراق … المجلس الاسلامي الاعلى انموذجا

الارهاب السياسي في العراق … المجلس الاسلامي الاعلى انموذجا

لقد شعر النظام الملكي , بقوة نفوذ وجماهيرية الحزب الشيوعي العراقي , وخطورته على مستقبل حكمه في العراق بشكل اكبر, بعد نجاح الحزب في اجهاض معاهدة بورتسموث في وثبة كانون عام 1948 , ولم تكن السلطات العراقية حينها , هي الوحيدة التي كانت تشعربالقلق من قوة و نشاط الشيوعيين العراقيين . بل ان السفارة البريطانية في بغداد , كانت هي الاخرى تشعر بالقلق البالغ من تعاظم نفوذ الحزب الشيوعي , وتاثيره على قطاعات واسعة من ابناء الشعب العراقي . ولما كانت وسائل مجابهة الحزب الشيوعي من قبل السلطات الامنية الملكية تعتبر( بدائية ) . لانها تعتمد على السجن والتعذيب , والفصل عن العمل والنفي واسقاط حق المواطنة , والتي لم تستطع ان تنال من ايمان الشيوعيين بحزبهم , بل على العكس كان السجناء الذين يطلق سراحهم , يعودون الى سوح النضال بعزيمة اقوى وامضى من السابق . فان السفارة وجهاز المخابرات البريطانين اخذا على عاتقيهما , مهمة ايجاد الاساليب التي من شأنها الحد قدر الامكان , من شعبية وتأثير الحزب الشيوعي العراقي بين الجماهير . ومن هذه الاساليب كانت مسألة الدين وموقف الشيوعيين والشيوعية منها .

وفي هذا المجال كتب ضابط الاستخبارات البريطاني ب.ب.راي رسالة في 20 نيسان 1949 , موجهة الى مدير الشرطة السرية , بهجت العطية يقول فيها ( لن تقتلع الشيوعية من جذورها بما يمكن ان نسميه
( الطرق البوليسية ) وحدها … ولن تفعل قوات الامن من عندها , الا القليل لاجتثاث الشيوعية , ولن تستطيع اكثر من المراقبة وانتظار نموها , ثم تطبيق اجراءات تصحيحية ) ( 1 ) ومن هذه الاجراءات التصحيحية ومن خلال خبرة الاستخبارات البريطانية في مستعمراتها الكثيرة , كان عامل الدين هو الهدف المنشود في الخطط , التي ستضعها لاحقا مع الشرطة السرية ( التحقيقات الجنائية ) لمحاربة الحزب الشيوعي العراقي , و محاولة ايقاف مده . وفي نفس الرسالة نوه راي على ان الشيوعيين العراقيين , بذلوا جهدهم لعدم اثارة مسألة الدين , ولكن هذا لايمنع حسب توصيته , في ان تستفاد الحكومة من هذا العامل في محاربتهم .

واستمرارا لهذا الخط يكتب حنا بطاطو ( ويبدوا انه في متابعة لهذا الخط قام السفير الانكليزي في العراق السير جون تروبتيك , في وقت لاحق – وفي 6 تشرين الثاني ( اكتوبر) تحديدا – باقامة اتصال مباشر مع المجتهد الشيعي الاكبر , الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء , اذ زاره في مدرسته في النجف وناقش معه – كما ذكر الشيخ لاحقا -مسألة ((( العدو المشترك ))) الذي انتشرت دعايته السوداء التي لا يدعمها اي منطق او برهان ومن دون الافادة من مال , او رعاية أو رفعة محتد , على نطاق واسع الى درجة ان خلايا عديدة تضم شبابا مندفعين ومتحمسين , تنمو اليوم في هذه المدينة نفسها , التي هي مركز الاسلام والقدسية ) . ولم يكن الشيوعيون غافلين عن محاولات تعبئة القوى الدينية ضدهم , ولهذا فقد تجنبوا بطريقة مدروسة توجيه حتى اصغر اساءة الى معتقدات الناس . ( 2 )

وبعد نجاح ثورة 14 تموز في عام 1958 و اثرالضربات الموجعة التي تلقتها القوى الغربية, و القوى الرجعية والاقطاع وانهيار حلف بغداد , تحرك السيد محسن الحكيم ذو الروابط المتينة مع طهران الشاه لاتخاذ موقف ضد الثورة , وضد اكبر الاحزاب المؤيدة لها اي الحزب الشيوعي العراقي , على الرغم من ان ثورة تموز وزعيمها , انصفوا الشيعة اكثر من اية حكومة اخرى , فاعترفت جامعة بغداد بكلية الفقه التي افتتحت في النجف عام 1958 , وعينت وزارة التربية المعممين من خريجي الحوزات الدينية , في مدارسها وكان الزعيم الشهيد عبد الكريم قاسم ( الذي اعدمه البعثيون وحلفائهم ) اول زعيم عراقي , يزور مرجع شيعي في المستشفى بل قيل انه قبل يديه . وعلى الرغم من كل هذا , استمر الحكيم المعارض لثورة تموز وبعض اقطاب الشيعة , ينتهزون الفرص حتى نجح البعث وبدعم الدوائر الغربية بانقلابه الاسود في شباط 1963 , واعدموا الزعيم قاسم الذي كان صائما على عكس عبد الكريم نصرت حليف المجرم عبد الغني الراوي , الذي كان سكرانا في صباح رمضاني ويهتف امام وزارة الدفاع , من الله كان في اجازة صبيحة الانقلاب الاسود !!! . وحال نجاح الانقلاب حصل المجرم الطائفي عبد الغني الراوي , على فتويي قتل بحق الشيوعيين احداهما من الشيخ محمد مهدي الخالصي والثانية من السيد محسن الحكيم , وكانت نص فتوى الخالصي هي ( الشيوعيون مرتدون وحكم المرتد القتل , وان تاب , وان كان متزوجا وحكم الزوجة والاولاد , وان كان لديه اموال منقولة وغير منقولة وحصة الامام ) .

اما نص فتوى الحكيم فانها كانت ( الشيوعيون مرتدون وحكم المرتد القتل وان تاب , والشيوعيون نوعان , الاول من امن بها وحمد بها ولم يرجع عنها فحكمه كما جاء اعلاه , والنوع الثاني من اعتبرها تقدمية ومعاونة للمحتاجين , وهؤلاء يحجزون ويفهمون ويعلمون الصح من الخطأ , فان تابوا يطلق سراحهم , وان اصروا عليها فحكمهم كما جاء اعلاه , وبين حكم الزوجة والاولاد والاموال المنقولة وغير المنقولة وحصة الامام ) ولا اعرف عن اية اموال يتحدث رجلي الدين الشيعيين , وعن اية حصة من حصصهم يطالبون , وماذا لو كان الشيوعي مسيحيا اومندائيا او ايزيديا او مسلما سنيا ؟ , فهل يريد الامامين سرقة ايتامهم ام ماذا ؟؟ ومن الملفت للانتباه هو رفض اي رجل دين سني , من تقديم مثل هذه الفتاوى الى مجرمين متمرسين بالقتل كالبعثيين .

واشترك اتباع وانصار الشيخ الخالصي في مدينية الكاظمية , مع قطعان الحرس القومي في تعذيب وقتل واغتصاب المئات من خيرة شابات وشبان العراق , ولم تمر الا فترة قصيرة , حتى انتهى شهر العسل بين القوى الاسلامية الشيعية وبين البعثيين , وقام البعثيون لاحقا بأغتيال نجل الحكيم في السودان . وتم منع كل الطقوس الشيعية في زمن البعث , على عكس الحرية التي كان يتمتع بها الشيعة في زمن قاسم والذي ساهمت المرجعية في اسقاطه بتحالفها مع البعث والرجعية والدوائر الغربية .

وبعد اندلاع الحرب العراقية الايرانية , انتقل ال الحكيم الى ايران , وساهمت المخابرات الايرانية اطلاعات ومخابرات رئاسة الوزراء ( نخست وزيري ) بتأسيس المجلس الاسلامي الاعلى , وذراعه العسكري قوات بدر , وتم تسليم المجلس ظاهريا الى السيد محمد باقر الحكيم ( الذي قتل في انفجار شاحنة مفخخة ) بعد ان رأسها في البداية اقاى هاشميان , وخصصت الحكومة الايرانية للمجلس , بناية من عدة طوابق في المنطقة التي تقع بين تقاطع استانبول وساحة الفردوسي , في قلب طهران , ولا ادري هل هي الصدفة وحدها , التي وضعت البناية على بعد عشرات الامتار فقط من مبنى السفارة البريطانية ام ماذا ؟ وتحرك المجلس في بداية تأسيسه نحو الجنود والمراتب الاسرى في معتقلات الاسر , وانضم عددا كبيرا منهم الى قوات بدر للتخلص من المعاملة السيئة التي كانت تحصل لهم من الايرانيين , وسمي هولاء المتطوعين بالتوابين وغالبيتهم لم يكونوا كفرة ليتوبوا بل كانو بعثيين فتابوا !!!! وهؤلاء لا يختلفون بشيء عن بعض قياديي المجلس الان , من الذين كانوا يتبخترون في شوارع الكاظمية مع رشاشاتهم البور سعيد بمعية رفاقهم من ضباع الحرس القومي في شباط من عام 1963 .

ان ما قاله ممثل المجلس الاعلى في العمارة قاسم الموسوي , في حفل استذكار رحيل السيد محسن الحكيم , يعتبر ارهابا سياسيا وهذا مايمنعه الدستور العراقي , والذي كان السيد همام حمودي القيادي في المجلس الاعلى رئيسا للجنة التي صاغت هذا الدستور . والذي جاء في مادته السابعة , اولا … مايلي ( يحظر كل كيان او نهج يتبنى العنصرية او الارهاب او التكفير او التطهير الطائفي او يحرض او يمهد او يمجد او يروج او يبرر له . وبخاصة البعث الصدامي في العراق ورموزه وتحت اي مسمى كان ولا يجوز ان يكون ذلك ضمن التعددية السياسية في العراق وينظم ذلك بقانون ) .

والسؤال المطروح الان امام حكومة المحاصصة الطائفية البغيضة هو , هل يجوز استمرار المجلس الاسلامي في العملية السياسية وفقا للمادة اعلاه , وهم يكفرون قوة سياسية تؤمن بالديموقراطية وتساهم في العملية السياسية في البلد ؟؟؟


(1 ) حنا بطاطو , الكتاب الثاني ص 361
( 2 ) نفس المصدر