الرئيسية » شؤون كوردستانية » شعب كردستان الشمالية يرسم خارطة انتخابية جديدة لتركيا

شعب كردستان الشمالية يرسم خارطة انتخابية جديدة لتركيا

حظي اردوغان بصلاحيات من العسكر ما لم يحظى به رئيس وزراء من قبله , ليخضع مع حزبه لامتحان حقيقي حول جديته في تطبيق الإصلاحات التي وعد بها في برامجه , ما يضمن حل المشاكل الجوهرية التي تنخر في بدن الدولة التركية , ولكنه كحزب انتهازي ما إن تخلص من قبضة العسكر حتى انخرط في عمليات الفساد , وسرعان ما تبين زيف دعاوى اردوغان حول الإصلاح والتنمية , لتتراجع نسب النمو في الاقتصاد التركي وترتفع نسبة البطالة ويزداد عدد الفقراء ,خاصة بين الأكراد , هذا من الناحية الاقتصادية والاجتماعية , أما سياسيا فلم يأتي حزب العدالة والتنمية بالإصلاحات والتجديد , بل حافظ على النهج التقليدي للسياسة التركية , بل زايد اردوغان على الأحزاب الأخرى وعلى العسكر في إبداء إخلاصه للإيديولوجية الطورانية , فلم يحاول المساس بها حين رفض إجراء إصلاحات بنيوية في الدستور التركي الذي يستمد مبادئه من هذه النظرية العنصرية – الشوفينية , التي لا تسمح لتركيا بالخروج من مشكلاتها المزمنة,حيث لم يفعل اردوغان حيالها شيئا بل اكتفى بإجراء تعديلات ظاهرية طفيفة , أدت تفاقم المشاكل , وعلى رأسها مسالة كردستان الشمال , التي تكلف تركيا خسائر سياسية وعسكرية ومالية هائلة , وتقف عقبة رئيسية أمامها لدخول الاتحاد الأوروبي , أراد اردوغان التهرب من هذه الاستحقاقات الملحة , وأراد أن يخفي حقيقة حزبه كحزب انتهازي فاسد , لا يملك أية مشاريع حقيقية لتحديث الدولة , ولا ينوي المساس بأسس الجمهورية التي وضعها أتاتورك , لذلك بحث عن منفذ للتهرب من وعوده وعن وسيلة لخداع الشعب التركي , فانصرف باهتمامه إلى الجوانب السياسية مستفيدا من تجارب الدكتاتوريات العربية التي عطلت كل جوانب الحياة في مجتمعاتها بحجة وجود قضايا سياسية مصيرية تتطلب التفرغ لها , فإذا به يحشر انفه في القضايا العربية والإسلامية ليشغل الشعب التركي عن إفلاس مشروعه النهضوي في الداخل , ويظهر بمظهر البطل المدافع عن الإسلام , وهذا سر وساطته بين سوريا وإسرائيل , وغيرته الحامية على أهالي غزة , ومشاجرته مع الرئيس الإسرائيلي , حتى يبرهن لأوروبا وأمريكا انه قادر على تحويل تركيا إلى جسر تواصل بين المشرق الإسلامي وبين العالم الغربي , بغية ضمان استمرار دعم الحكومات الغربية لسياسته و لضخ الدماء في شرايين الاقتصاد التركي الذي بدأ يدخل مرحلة الركود في عهده , ولم يعد بمقدور حكومته مواجهة تأثير أزمة الاقتصاد العالمي على الاقتصاد التركي العاجز في ظل حكومة حزب العدالة والتنمية عن تحمل الهزات الناجمة عن تقلبات الاقتصاد العالمي , فالمعروف أن الاقتصاد التركي يعتمد في بقاءه على المساعدات السخية القادمة من جانبي الأطلسي , فتركيا ككيان استعماري طفيلي لا يمكنها البقاء دون الرضاعة الأوروبية – الأمريكية , ولان اردوغان لم ينجح تماما في استجرار الدعم الغربي لبلاده , فقد تفاقمت مشاكل تركيا من جديد , ولكن مع ذلك فقد حافظ حزب العدالة والتنمية على شعبيته , هذا لان الآثار السلبية لنهج اردوغان ما زالت في بدايتها و لم تظهر إضرارها بعد بالشدة الكافية في الشارع التركي , وكذلك لأنه ما زال يحظى بدعم الجنرالات , وتأييد بعض العواصم الغربية ,ولأنه ما زال يحسن التلاعب بالعواطف الدينية والقومية فيرضي بعض الأتراك بهويته الاسلاموية ويرضي بعضهم الآخر بخطابه القومي المتشدد , خاصة في التعامل مع المسالة الكردستانية داخل تركيا وخارجها , فقد صمم اردوغان على الاستمرار برفض الاعتراف بمسالة كردستان الشمال ليتابع السياسة التقليدية للدولة التركية في هذه المسالة , مع أن العسكر منحوه الصلاحية في كيفية معالجة الملف الكردي , وبدل أن ينتهز الفرصة ويبحث عن حل منطقي , فقد أصابته الغطرسة والعنجهية و ركبه الغرور , فمال إلى الاستبداد , ليتشدد أكثر من العسكر والقوميين في التمسك بالحل العسكري والأمني لتصفية قضية شعب كردستان الشمال , معتمدا على خطة لمحاربة الشعب الكردي على جبهات عدة, الجبهة الأولى هي ممارسة عمليات البطش وإرهاب الدولة المنظم ضد المواطنين الأكراد المدنيين حيث اصدر أوامر صارمة بضرورة قتل النساء والشيوخ وتحطيم عظام الأطفال إذا ما حاولوا التعبير عن هويتهم الكردية , بموجب هذه الأوامر ارتكب جيش اردوغان مذابح في مدن كردستان الشمال حيث نقلت التلفزة العالمية مشاهد تكسير الجنود الأتراك لعظام أطفال أكراد وقتل النساء تذكرنا بجرائم الاحتلال الإسرائيلي بحق أبناء الشعب الفلسطيني , وأما الجبهة الثانية فهي تصعيد الحرب الخاصة القذرة والعمليات العسكرية برا وجوا ضد ثوار حزب العمال الكردستاني في ميدان كردستان الشمال وكردستان الجنوب , وعلى الجبهة الثالثة فقد كشف عن حقده الشوفيني السافر ضد الأمة الكردية بالتدخل العسكري في كردستان الجنوب والقصف المستمر للقرى والمدن الكردية هناك وإرهاب أهالي المناطق الحدودية , بهدف منع عملية البناء السياسي الجارية فيها .
وكان رهان اردوغان على الورقة الاسلاموية والقومية خاسرا , لأنه بانتهاجه السياسة العدوانية ضد القومية الكردية لم ينجح في كسب الشارع التركي , بل فوجئ بنتائج عكسية , فالحرب القذرة الجارية بحق الأكراد أضرارها تطال الأتراك بقدر ما تطال الأكراد , فالمواطنين الأتراك غير سعداء بإرسال الجيش لأبنائهم إلى جبال كردستان حيث ينتظرهم الموت المحتم , وكذلك فأنهم لا يطيقون تكاليف الحرب التي تهدر أموالهم في معارك لا طائل منها حيث يعود الجيش مهزوما أمام مقاتلي حزب العمال الكردستاني , بدل أن تصرف هذه الأموال على التنمية وتحسين مستوى معيشة المواطن , هذا غير الخسائر السياسية التي تصيب تركيا من وراء معاداتها للشعب الكردي , فالإصرار على الحسم العسكري يبعد تركيا كليا عن قطار الاتحاد الأوروبي ويحرج موقفها في المحافل الدولية , خاصة أن اردوغان اختار التصعيد في المكان والزمان الحظا , فمن الناحية السياسية لم يعد العالم يقبل بإبادة الشعوب المســتـَعمـَرة ولم يعد الشعب الكردي لقمة سائغة حتى يبتلعها الآخرون بسهولة , في ظل خلافات بين تركيا وشركائها الغربيين جراء تبني حكومة اردوغان مواقف من بعض القضايا العربية والإسلامية تخالف مواقف الغرب وإسرائيل , مع العلم انه لم يتخذ هذه المواقف إلا للاستهلاك المحلي , ولو كانت له مواقف صادقة من قضايا المنطقة لكان قد أعاد النظر في علاقات تركيا الإستراتيجية مع الناتو ومع إسرائيل , ومن الناحية الاقتصادية فان أزمة الاقتصاد العالمي تلقي بظلالها على الاقتصاد التركي الذي لا يستطيع تحمل تكاليف حرب لا نهاية لها , لكل ذلك بدا الشارع التركي يمتعض من سياسة حزب العدالة والتنمية , ولم يعد يجد في اردوغان رجل الساعة الذي ينتظر منه أن يأتي بالخلاص لتركيا من مشاكلها المزمنة .
في ظل هذه التحولات في الرأي العام التركي جاءت انتخابات المجالس البلدية , حيث عبر الأتراك عن موقفهم من حزب العدالة والتنمية , بمنح أصواتهم إلى الأحزاب المنافسة , وهذه أول مرة منذ سنوات يفقد فيها الحزب الحاكم أصوات الناخبين ,لصالح حزب الشعب الجمهوري , لماذا هذا الحزب بالذات , لان زعيمه دينز بايكال أبدى بعض المرونة حيال الملف الكردي وتحدث عن إمكانية الحل السياسي السلمي الديمقراطي , وقد وافق هذا الطرح الشارع التركي والشارع الكردي في تركيا , فكانت المحصلة نجاحه في وضع حد لتقدم حزب العدالة والتنمية وانتزاع أصوات الناخبين منه , فقد حاز حزب الشعب الجهوري على أصوات المعتدلين الأتراك وكذلك على صوت الأكراد في المتروبولات التركية , وبذلك فقد عاقب الأكراد اردوغان وحزبه جراء معاداته لهم , بوضع معالم خارطة انتخابية جديدة في تركيا , وكانت العقوبة الأشد في كردستان الشمال حيث توضحت تضاريس هذه الخريطة تماما , ليس لحزب العدالة والتنمية فحسب بل كذلك للدولة التركية والمجتمع التركي وللدول الغربية .
يتبع الحلقة ( 3 )