الرئيسية » مقالات » العراقيين في اوربا لا يعولون على العودة

العراقيين في اوربا لا يعولون على العودة

تدفقت موجات اللاجئين العراقيين الى الخارج باعداد كبيرة خلال فترة الحكم البعثي ومن كل القوميات والطوائف الدينية ، ولم يعرف تأريخ العراق المعاصر هذه الظاهرة الحديثة إلا بعد مجـيء حزب البعث للحكم ثانيـة عام 1968 نتيجة اشتداد المضايقات السياسية والفكرية والتمييـز القومي والطائفـي والتبعيث القسري في أوائـل السبعينات وازدادت منـذ عقد الثمانيات من القرن الماضي عندمـا بدأت النظام البعثي حملة تهجير واسعة شملت الكورد الفيلية أثـر الحرب العراقية الإيرانية وغيرهم من العراقيين ومن المؤكد ان تلك الهجرة ضمت في صفوفها الكثير من الكفاءات .
ومن اخطـر الهجرات على العـراق قد بدأت وبصورة واضحة في بداية التسعينات عقب حرب الخليج الثانية عام 1991 وأثر انتفاضة الشعب العراقي ضد النظام البائد التي اضطرت الملايين من العراقيين الى الهجرة هربـا من بطش النظام وقمعـه ، وكذلك هاجرت الاعداد الاكبر من العراقيين منذ ذلك التأريخ وذلك لسبب معروف لدى الجميع بدافع أقتصادي ، فالحصار الاقتصادي الذي فرض على العراق مما حد العراقيين بهم للهجرة الى خارج الوطن لتحسين أوضاعهم المالية حيث نتج عن ذلك الحصار تضخم مالي الذي ادى الى ارتفاع في الاسعار ، من الطبيعي فان الكفاءات كان لها نصيب أكبر من هذه الهجرة بسبب عجز الاقتصادي لديهم .
ان هذه الهجرة العراقيين ازدادت وبشكل ملفت للنظر وبعد سقوط النظام البائد بعد ان ازدادت العنف الطائفي والنزعات المسلحة الذي اجتاح البلاد وارتفع موجات اللاجئين الى الخارج والتي تجاوز الاربعة ملايين لاجئ عراقي توزعوا على سائر ارجاء المعمورة من دول العالم ، وان غالبية المهاجرين من الكفاءات العلمية والاكاديمية بسبب استهدافهم من قبل العصابات الاجرامية المؤجرة بصورة منهجية مدروس نتيجة للأنفالات الأمني الذي رافق النزاع الطائفي . الذين تركوا ديارهم ووطنهم اثناء حكم البعث وبعد سقوطه طلبا لملاذ آمن ، بعد ان صرفوا كل مدخراتهم وباعو كل ممتلكاتهم ، وتعذبوا وذاقوا المر وعاشوا اوضاعا مزرية في رحلة سفرهم الى اوروبا من اجل سلامة انفسهم وعوائلهم . حيث تؤكد تقارير المفوضية السامية لشؤون اللاجئين التابعة للامم المتحدة تضاعف طلبات لجوء العراقيين الى الدول الغربية ، واخذت العقول تهاجر أكثر فاكثر منذ تولى صدام حسين الحكم كرئيس الدولة بسبب حكمه المستبد ، وتشير بعض الاحصائيات ان هناك عشرات الألاف من العقل العراقي يعيش في الخارج ، وامريكا تكون لها الجزء الاكبر من هذه العقول ، وتقول وزارة البريطانية في اخر احصائية لها ان العراق يحتل المرتبة المتقدمة في قائمة الدول التي تأتي منها طلبات اللجوء بما يشكل زيادة نسبتها الى 117 % .
وتحتل الدول الاوربية ومنها الاسكندينافيـة المرتبـة الاولى في نسبة استقبال المهاجرين العراقيين اذ تشير الاحصاءات الرسمية الى ارتفاع نسبة المطالبين بالهجرة الى دول الدنمارك والسويد والنرويج وفنلندا من العراقيين الى 75 في المئة قياساً الى عام 2005 فيما وصل عدد المقيمن الرسميين والمسجلين في سجلات الامم المتحدة العراقيين في تلك الدول الى اكثر من 45 الف شخص خلال سنوات اخيرة .
ومعروف ان العديـد من الدول الاوروبيـة التي تميزت بسخائها في منح الاقامات الى اللاجئين العراقيين الهاربين من الاوضاع في العراق اثناء حكم النظام السابق ما لم تقدمه غيرها من الدول العربية وحتى الاسلامية الى العراقيين ، لقد غيرت من سياستها هذه الدول واوقفت منح العراقيين اللجوء منذ عام 2003 اي بعد سقوط النظام البعثي ، بسبب ماتقول عنه انتفاء الاسباب الحقيقية لمنح الاقامة بعد زوال نظام صدام حسين . في حين اكتفت هذه الدول في ايقاف منح الاقامات الا في حالات فردية خاصة التي تنظربعين العطف والرحمة للحالات الانسانية لعدم توفر الرعاية الطبية في العراق وقدوم المعينات للبيت والاهتمام بنظافه ورعايه المريض و بتلبية احتياجاته .
بات من الصعب الان على العراقيين الحصول على اللجوء في الدول الاوربية التي تعاني من مشاكل عديدة ومنها اقتصادية واجتماعية بسبب من الاعداد المتزايدة من اللاجئين ، الذين ترتفع وسطهم معدلات البطالة وكثرة عدد افردها مما يلقي بثقل مالي كبير على برنامج الضمان الاجتماعي ، حيث اتخذت بعضها خطوات وقرارات لترحيل المهاجرين العراقيين ممن لم يحصل على الاقامة الى العراق بحجة ان العراق تتجه الى الاستقرار وبات اكثر امانا ، وتقلصت الاوضاع الصعبة ، وتحاول البعض يقدم مغريات لهم ، بتقديم منح مالية لأعادة بناء حياتهم من جديد في وطنهم ، برغم دعت الحكومة العراقية وحكومة اقليم كوردستان الدول الاوروبية التي تحتضن عشرات الالاف من اللاجئين العراقيين ، ممن رفضت طلبات لجوئهم ، الى التريث لأن الاوضاع الانسانية صعبة جدا في العراق او تأجيل ترحيلهم لحين استتباب الاوضاع الامنية فيه ، وعدم الضغط على اللاجئين العراقيين وارغامهم واغراءهم على العودة الى العراق بالعودة النهائية .
وسبب آخر عدم منح اللجوء العراقيين هو توقيع هذه الدول لاتفاقية مع حكومة العراق تعين بموحبها التزام الحكومة العراقية باستقبال اللاجئين المرفوضة طلباتهم من قبل دائرة الهجرة والمحكمة التي تحتم عليهم مغادرة الدول الاوربية ، بعد ان قال رئيس الوزراء الحالي نوري المالكي ان حكومته تحاول اقناع اللاجئين العراقيين بالعودة الى الوطن للمساعدة في ” إعادة بناء العراق ” حسب القول وزير الداخلية الألماني : ان حكومة المالكي تسعى لدينا كي لا نقدم على اتخاذ مبادرات مناوئة لجهودها ، لأنه يعمل على اقناع اللاجئين بالعودة من اجل اعادة بناء البلاد .
هناك كثير من اللاجئين العراقيين عالقون في الدول الاوربية بدون اقامات ، البعض منهم رفضت طلباتهم رفضا نهائيا وحصلوا على قرارات طرد فيما ينتظر الاخرون ردا من دائرة الهجرة . والكثير من هؤلاء امضوا في هذه الدول سنوات عديدة ، مع عوائلهم انتظارا لمنحهم الاقامة كي يتسنى لهم البدء في حياة جديدة بعد طول عذاب ، خاصة وان الغالبية الساحقة منهم لاتريد العودة الى العراق لاسباب كثيرة منها صرفهم لمدخراتهم وبيعهم لممتلكاتهم ، اضافة الى الاوضاع الامنية غير المستقرة في العراق ونقص في الخدمات الإنسانية وعدم ثقتهم في قدرة الحكومة العراقية على ضبط الامن .
وفي هذا الإطار التقينا بمجموعة اللاجئين العراقيين في المانيا وتحدثنا حول وضع اللاجئ العراقي بشكل عام ولاستنباط فكرة عن رغبة في العودة والعوائق التي تحول دون ذلك ، حاولنا ان نجري استطلاعا للرأي العام العراقي في هذه الدولة لرفضهم العودة الى العراق :
يقول المهندس هادي احمد رغم اني عانيت كثيرا من الغربة لعدم حصولي على اقامة وكنت معرضا لطرد من قبل الحكومة الالمانية ، ولكن قبل الأيام حصلت على الإقامة المؤقتة واقل الحمد لله ، ان انفلات الوضع الامني في العراق يجعل من حلم العودة امرا غير قابل للتحقيق لأنه يتجه من سيئ الى أسوأ ، ولو نسمع عن عودة الامن والاستقرار الى ربوع العراق من قبل المسؤولين العراقيين ، ولكن نسمع ايضا بين حين واخر هنا وهناك الانفجارات وتكون ضحيتها دائما الناس البسطاء … كيف العودة الى العراق والارواح البريئة تتبعثر حول اشلاء السيارات المتفجرة والاحزمة الناسفة وكيف العيش وبقايا سموم الاسلحة تسمم الجوي العراقي ومياة دجلة والفرات . كيف العودة وانا اخشى قتلي من قبل جهات مجهولة .
وتصر الطبية تغريد محمد باقر وهي من سكنة بغداد في كلامها انا اخشى العودة بالرغم اني عاطلة عن العمل وعدم اعتراف المانيا بشهادتي الطبية ، ان هناك الكثير من ينتظرنا من العصابات المحترفة واضافة الى العصابات الطائفية وفي ايدهم الاسلحة لقتلنا بسبب وظيفتنا . واما الخدمات الأساسية في العراق تدهورت بشكل مثير للقلق . ويعاني المواطن العراقي من نقص في إمدادات الغذاء ولا يستطيع الحصول على مياه صالحة للشرب . واما الاطفال الذين لا تقل أعمارهم عن خمسة سنوات يعانون من اعراض سوء التغذية . وانا بصفتي الدكتورة اتابع الاحداث في العراق من ناحية صحية وطبية .
واما صباح محمد علي وهو موظف عراقي متقاعد كنا سابقا يثيرشفقتنا على الفلسطينين او كنا نتعجب عن وجودهم خارج وطنهم وبعيدين عن اهلهم ، واما اليوم نحن الى جانبهم ولن يثير علينا الشفقة . وكيفية العودة في هذه الظروف الصعبة والذي نرى أقرباءنا تقتل بحراب الطائفيين ، وكيفية العودة والحياتية التعيسة .. لا كهرباء ولا ماء ولا خدمات إنسانية وخدمية وفقدان الامن والامان وان ثلث العراقيين لا يتلقون اي نوع من أنواع الرعاية الصحية . ولا اريد ان اتكلم عن الفساد الاداري والمالي تنتشر في مفاصل الحكومة مثل مرض السرطان .
اما مهدي رشيد كنت احلم بالعودة بعد سقوط نظام البعث الى العراق لأني عانيت ما عانيت في الغربة ، ولكن مايشجع للعودة رغم سنوات الغربة الطويلة ، فأرى ان نزوح ازدادت من مدينتي الى الدول المجاورة بحثا عن ملاذ لا سيما في الاردن وسوريا وبعض البلدان العربية الاخرى بسبب بوجود الميليشيات وقتلهم اليومي للناس الابرياء ، حيث اصبح الدم العراقي أرخص من أي شيء . والقوى الظلامية التي تبعث بالبلاد الفساد والدمار في البنية التحتية . علاوة الى نقص في الخدمات الحياتية والإنسانية .
ويعقب الرجل المسن ابو سعود رغم إنني أفتخر بموقفي ضد سلطة نظام البعث ولكن لا استطيع العودة الى العراق رغم كبر سني ومرضي مزمن ، بسبب وحيد لا اريد ان اشوه ما لدي من الصور الجميلة عن حياة المجتمع العراقي وطيبة أبنائه وجمال مدنه ، لأني غادرت العراق قبل 30 عاما تقريبا ، احب ان تبقى تلك الصور في ذهني ، وبخلاف ما اسمعه اليوم من تشوه مخيف في جوانب حياة المجتمع العراقي . إضافة الى تردي الوضع الآمني الى مستويات لا يتصورها عقل الانسان ، ورغم سماعنا من خلال الاعلام عن رجوع الامان الى مدينة بغداد ولكن نرى التفجيرات من قبل الفضائيات هنا وهناك .
ويقول الدكتور جمال اسد منذ الايام الاولى لسقوط نظام البعث كانت لدية رغبة شديدة للعودة الى العراق بعد سنوات الغربة والمساهمة في بنائه ، فالمحاصصة والطائفية المقيتتين التي سيطرة المفاهيم والسلوكات الطائفية على الهياكل الادارية داخل المؤسسات وسادت كل مناحي الحياة السياسية والوظيفية ، إذ لم يعد هناك مجال للكفاءات والإختصاصات للأشخاص الذين لا ينتمون الى الاحزاب الحاكمة العمل في مؤسسات الدولة ، أي أنتشار المحسوبية والمنسوبية والحزبية الضيقة في التوظيف على حساب الكفاءات والمواطنة . وهناك مشاكل أخرى تحول دون العودة وأهمها توفير السكن والاستقرار الأمني وأرتباط أبناءنا بالدراسة .

دون شك ان الخسارة التي تلحق العراق من خسائر فادحة جراء هجرة كفاءاتها الذي هو في أمس الحاجة اليها لتطوير بنيته الاساسية في مختلف فروع الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية والحياتية والخدمية ومساهمتها في تطوير مهارات الكفاءات العلمية والإنسانية من خلال تطوير للبنية الاكاديمية والتخصصية الكاملة ، وهناك جانب آخر من الخسارة لأصحاب الكفاءات لا يجدون أعمالاً تتناسب مع مؤهلاتهم العلمية والمهنية في مهجرها نتيجة عدم الاعتراف يشهادتها وتقييمها وهناك ايضا التمييز العنصري بحقهم في بعض بلدان اللجوء لعدم افساح لهم العمل ضمن اختصاصهم ، إضافة الى عدم اتقان لغة البلد بصورة حديدة .
الغربة تعب وشقاء وملل وكأبة وتفكير بالأهل والأقرباء والاصدقاء وحنين للوطن وهذه بعض من معاناة العراقيين في الغربة ، وان اغلبهم يرغبون العودة الى العراق إذا أستقر العراق وعدم تردي الوضع الامني والاهتمام الدولة بالجانب الانساني والنفسي للفرد العراقي وتوفير الخدمات الحياتية والرعاية الطبية له . استطيع ان اقول في هكذا الحال لتعود الطيور المهاجرة الى أوطانها .