الرئيسية » شؤون كوردستانية » شعب كردستان الشمالية يرسم خارطة انتخابية جديدة لتركيا

شعب كردستان الشمالية يرسم خارطة انتخابية جديدة لتركيا

احتلت انتخابات المجالس البلدية التي أجريت مؤخرا في 29 /3 / 2009 في تركيا ومستعمرة كردستان الشمال أهمية خاصة لدى مختلف الأوساط السياسية والإعلامية التركية منها والكردية والغربية , لأنها قبل أن تكون انتخابات محلية , كانت امتحان عسير لسياسة رئيس الوزراء رجب طيب اردوغان وشعبية حزبه الحاكم حزب العدالة والتنمية, فرغم فوز الأخير بالمرتبة الأولى في الانتخابات الأخيرة , إلا انه قياسا على نتائج المعارك الانتخابية السابقة قد خسر شعبيته بنسبة 5% هذه المرة لصالح الأحزاب التركية الأخرى كحزب الشعب الجمهوري وحزب السعادة, بينما خسارته كانت ساحقة في كردستان الشمالية أمام حزب المجتمع الديمقراطي الذي يمثل الشعب الكردي ضمنيا بقدر ما يمثل الجناح السياسي – المدني لحزب العمال الكردستاني, حيث استطاع تحقيق انتصار ساحق على الأحزاب التركية , رغم عمليات التزوير الواسعة التي قامت بها السلطات التركية لصالح حزب العدالة والتنمية في كردستان الشمال بغية منع حزب كردي عن الفوز بمجالس البلديات في مدن كردستان الشمال , ولكن الشعب الكردي أعطى قراره وأعلن صوته ومنح ثقته المطلقة لـحزبه الكردي ليمنحه الفوز بغالبية المجالس البلدية في كردستان الشمال , ويقول لا لاردوغان ولا لحزبه ولا لحكومته ولا لدولته الاستعمارية الباغية , وحتى نبين لماذا احتلت هذه الانتخابات أهمية اكبر من حجمها الطبيعي باعتبارها انتخابات لمجالس محلية وليست انتخابات تشريعية , وما هي منعكسات نتائجها على الساحة التركية والساحة الكردية , علينا أن نقف بشيء من التفصيل على سياسات وبرامج حزب العدالة والتنمية بعد توليه الحكم في تركيا لدورتين متواليتين , خاصة أن هذا الحزب قدم نفسه إلى الشعب التركي والى العالم على انه حزب آخر يختلف عن الأحزاب التركية التقليدية , وانه يحمل مشروع الخلاص لتركيا حتى ينقذها من أزماتها المستعصية .
استطاع اردوغان خداع غالبية الأتراك وكذلك قسم كبير من الأكراد ليمنحوا أصواتهم لحزبه فيفوز في الانتخابات التشريعية ويتسلم رئاسة الحكومة التركية , حيث راهن عليه الأتراك وكذلك الأوروبيين و الأمريكيين على انه رجل الساعة الذي سوف يأتي بالتغيير والتجديد إلى تركيا , كونه يقود حزب يمثل الإسلام العصري الحداثوي المعتدل ,و يحمل في جعبته برامج سياسية واقتصادية واجتماعية مبتكرة , يمكن أن يكون البديل النموذجي في العالم الإسلامي للإسلام المتشدد والمتطرف , وكان المتوقع منه انه سوف يتخذ نهجا جديدا مخالفا للعقيدة الرسمية التي تعتمدها الجمهورية التركية وهي الإيديولوجية الطورانية – الاتاتوركية التي ترتكز على الفكرة العلمانية القومية الشوفينية حيث تضع العنصر التيوركي في مرتبة أعلى من الأمم والشعوب الأخرى , وتتبنى مفهوم الدولة القومية العنصرية حيث ترفض وجود قوميات أخرى في تركيا غير القومية التركية , وعلى هذا الأساس ترفض الاعتراف بالهوية القومية للشعب الكردي والارمني والاثنية العربية واللاز وغيرهم , وتتطلع دائما إلى التوسع والاحتلال العسكري على حساب دول الجوار كما احتلت شمال قبرص وكما تحاول احتلال إقليم كردستان الجنوب , ولهذا فان الطورانية تعطي أهمية قصوى للمؤسسة العسكرية التي تعتبر الحاكم الفعلي للبلاد , باعتبارها القوة الأقدر في المحافظة على مبادئ الجمهورية التي أسسها اتاتورك , وبالفعل لم يسمح الجنرالات الأتراك طوال عمر الدولة التركية بظهور حركات سياسية لا تتبنى الإيديولوجية الطورانية , وقد قطعت الطريق تماما أمام الأحزاب العلمانية الحقة من يسارية أو ديمقراطية أو ليبرالية وكذلك أمام الأحزاب الإسلامية للوصول إلى السلطة , حيث كانت المؤسسة العسكرية تتولى السلطة بنفسها أمام كل حركة تهدد العقيدة الرسمية للدولة , فتاريخ تركيا الحديث ما هو إلا تاريخ الانقلابات العسكرية , ومن هنا كان لا بد من وضع علامات استفهام كبيرة أمام قبول العسكر بوصول حزب إسلامي مخالف لعقيدة الدولة العلمانية وهو حزب اردوغان إلى سدة الحكم في تركيا , ما لم يكن هناك اتفاق مسبق بين الجانبين , فقد اقتضت الحاجة وتبدل الظروف والمتغيرات الدولية ومصالح الدولة التركية مع الغرب أن تبتعد المؤسسة العسكرية عن واجهة السلطة المدنية في تركيا , حيث لم يعد العصر الجديد يحتمل انقلابات عسكرية في دولة تقف على تخوم أوروبا وتطمح إلى الدخول في عضويتها , فهذا يحرج شركائها الأوروبيين أمام شعوبهم المتمدنة التي لا تتقبل الانقلابات العسكرية والدكتاتوريات , فلم يجد الجنرالات ضالتهم إلا في اردوغان وحزيه , فسمحوا له بالتبرقع بعباءة الإسلام مقابل تعهده بعدم المساس بجوهر الإيديولوجية الطورانية , وهذا يعني أن حزب العدالة والتنمية بدوره طفل شرعي للطورانية – الاتاتوركية مطعم بالإسلام السياسي الانتهازي , ولذلك لم يحاول إجراء أية إصلاحات سياسية أو دستورية جدية مناقضة لمبادئ أتاتورك وإيديولوجيته الطورانية , بل اكتفى بفتح خلافات شكلية مع العسكر حول مسالة الحجاب والتعليم الديني , وكأن حل الأزمات الخانقة التي تواجهها تركيا متوقف على مسالة منع أو إباحة الحجاب , وهو لم يفتعل هذه الخلافات ويضخمها إلا ليستخدمها كدعاية انتخابية لحزبه , كونه يدرك أن الأتراك متخلفين مثل سائر الشعوب الإسلامية ينجذبون إلى المسائل الهامشية وينسون القضايا الجوهرية , وبذلك تهرب اردوغان من الإصلاح السياسي في ولايته الأولى , واستفاد من الدعم الاقتصادي والمالي والسياسي والمعنوي المقدم إليه من الاتحاد الأوروبي , ليحقق نجاحا نسبيا ومنقوصا في الميدان الاقتصادي , حيث شهد الاقتصاد التركي نموا مرحليا قصيرا , ساعده على فوز حزبه ثانية بالانتخابات لينفرد بحكم تركيا حيث تولى هو رئاسة الوزراء وتولى نائبه عبدالله غل رئاسة الجمهورية , خاصة أن المؤسسة العسكرية انكفأت على نفسها أكثر وأطلقت يد اردوغان ليكون الأول في صناعة القرار في تركيا .
يتبع الحلقة ( 2 )