الرئيسية » مقالات » على شرف الذكرى الماسية لميلاد الحزب

على شرف الذكرى الماسية لميلاد الحزب

الرفيق أبو ستار رجل المهام الصعبة
وذاكرة حية لمناضل كبير

الرفيق عزت الحاج عثمان صالح (أبو ستار) أو (أبو علي)، أحد الرفاق الكوادر من المناضلين القلائل الذين تمتعوا بالحس الثوري والأمني اليقض، تدهشك بساطته رغم عطائه الكبير وصموده وتحمله لأصعب المهام وحمله لأخطر الأسرار، سنوات طويلة عاشها في ظروف ٍ صعبة للغاية كان بينه وبين الموت خيط شعره، لكنه كان يقضا بحس ثوري ملفت.
ولد الرفيق أبو ستار في كركوك سنة 1938م، في مدينة التآخي العراقية التي تجمع كافة ألوان الطيف العراقي، حيث أنهى فيها دراسته الابتدائية والمتوسطة والإعدادية، ومن ثم أنهى الدورة التربوية ليصبح معلما في قرى كردستان التي تعاني آنذاك من الأمية، ويتذكر أول تعيين له في بامرني سنة 1959م.
البدايات
عاش وسط عائلة الحاج عثمان الذي كان يدير مطعما للكباب وكان يشجع أبناءه على العمل وترك الدراسة، وكان ولده عزت من الذين أجبرهم على ترك المدرسة والعمل معه، كانت العائلة مؤلفة من أحد عشر فرداً ومع ذلك كانت الحالة المادية ميسورة، ترك الوالد مهنة أدارة المطعم بعد عودته من الحج سنة 1952م، وليتبرع بالمحل إلى أقدم عامل لديه. ليتحول إلى مهنة أخرى وهي بيع الأقمشة، حينها عاد عزت إلى مقاعد الدراسة ليواجه صعوبات جديدة لكنه اجتازها بمهارة، في هذه البيئة البسيطة الطيبة ترعرع الرفيق أبو ستار، وليتعرف على أفكار الحزب الشيوعي في المرحلة المتوسطة عن طريق الرفيق فتح الله عزت وأخيه محمد عزت المعروفين لدى الجميع ولدى التحقيقات الجنائية كونهما شيوعيين، حيث كانا يعتقلان كلما زار الملك فيصل الثاني المدينة أو حتى عند عبوره من كركوك لزيارة السليمانية مثلاً، ثم يطلق سراحهما بعد رجوع الملك إلى بغداد، كما يتعرض بيتهما للتفتيش بين فترة وأخرى، أحتك الرفيق أبو علي مع فتح الله وأصبح صديقا مرتبطاً بالحزب منذ سنة 1953م، ولصغر سنه لم يرشح للحزب حينها حتى أصبح عمره 18 عاماً، لكنه كان خلالها نشطا وكسب العديد من الأصدقاء والمتبرعين، والغريب في الأمر عندما أخبره الرفيق فتح الله بقبول ترشيحه وعليه ملأ بطاقة الترشيح للحزب، تردد وطلب مهلة للتفكير ليسأل نفسه، (هل باستطاعتي أن أكون شيوعياً وأواصل الطريق مع حزبي)، وطلب إمهاله للرد إلى الغد ليفكر جيداً، يتذكر الرفيق أبو ستار تلك اللحظات ومكانها حيث كان اللقاء في مقبرة كركوك الكبرى، (وهذا الرفيق أنشق عن الحزب ثم أستشهد تحت التعذيب في أقبية نظام البعث العفلقي)، ووسط استغراب وذهول الرفيق الذي أحمر وجهه من الرد أتخذ أبو ستار قراره بأن طلب من الرفيق ملء الاستمارة فوراً، وهكذا بدأت الخطوات الأولى من المسيرة التي امتدت لخمسة وخمسين عاماً ولا زالت مستمرة.
بعد أشهر من ترشيحه نال شرف العضوية منتصف عام 1956، ليبدأ مشواره ككادر حزبي في كركوك، قبل العمل في الحزب نشط في العمل الطلابي وتحمل العديد من المهام وبعد دمج اتحاد طلبة كردستان مع اتحاد الطلبة العام، قاد اتحاد الطلبة العام عندما كان في الإعدادية.
في يوم 13 تموز 1958 كان مع والده عائدامن بغداد إلى كركوك، وفي اليوم التالي كان في طريقه ليفتح المحل وإذا به يسمع من المذياع خطابات وكلمات حماسية عن ثورة الضباط الأحرار الذين أطاحوا بالحكم الملكي العميل، فرجع مسرعا إلى البيت ليرمي المفاتيح للوالد بشكل لاشعوري صائحا “صارت ثورة وسقط النظام الملكي، أفتحوا الراديو” ثم خرج راكضاً إلى وسط المدينة وإذا بمظاهرة صغيرة تنطلق من بين المحال التجارية خلف شارع الأطلس، لكن المظاهرة بقيت محدودة.
ومن ثم دخل الدورة التربوية في ثانوية كركوك وتخرج معلماً عام 1959م، حيث عين بعدها في الموصل وأول تعيين له في قرية بامرني التابعة آنذاك لسرسنك، تلك القرية التي تميزت بشدة صراعها الطبقي بين الفلاحين من جهة وعائلة النقشبندي من جهة أخرى، هذه التجربة أكسبته الكثير من الخبرة في العمل بين الفلاحين.
فترة النشاط الصعب
كانت المشاوير طويلة وظروف العمل السياسي صعبة، تنقل خلالها للعمل بين عدة مدن مواصلا نشاطه الحزبي، وعندما حصل انقلاب 1963م، كان مديراً لمدرسة ابتدائية في احدى قرى الناصرية، التابعة لناحية العكيكة ضمن قضاء سوق الشيوخ، كان رفاق الحزب في حالة إنذار إلا أن الرفاق المسؤولين أصروا عليه للسفر إلى أهله عبر بغداد بسبب عطلة نصف السنة، فسافر إلى بغداد حيث التقى عائلته في منطقة باب الشيخ، في يوم الانقلاب الأسود بدأت المقاومة في المنطقة حال شيوع خبر الانقلاب، تقدمت دبابات الانقلابيين باتجاه وزارة الدفاع، فساوره القلق، وكان همه العودة إلى الناصرية ليكون بين رفاقه، وحال رفع حظر التجوال سافر إلى هناك ليعرف أن العديد من رفاقه قد شتتوا بين معتقل وهارب.
بقي هناك إلى أن عاد بعض الزملاء، أحدهم عاد مع أمه التي قالت لهم أتركوا أبني لا يريد أن يكون شيوعيا، تبين بعدها أنه قد أعتقل وأعترف على الرفيق أبو ستار وأنه هو من رشحه للحزب، علماً أن الرفيق أبو ستار يقول بأنني لم أرشحه بل تم ترشيحه من قبل رفيق آخر قبل أن أتعرف عليه، كما طلب هذه الرفيق منه أن يغادر المكان كي لا يعتقلوه، وبعد التداول من الزملاء الآخرين تقرر مغادرة المنزل إلى آخر قريب، ويخبر أهل المنزل أنه شقيق المعلم “ع” كونه منقولا من طوزخورماتو، رحبت العائلة به أجمل ترحيب وقدموا له الخدمات، ولعدم الإحراج أنتقل إلى بيت أحد الأخوة المندائيين في القسم الثاني من مدينة سوق الشيوخ عبر نهر الفرات، سكنة المنطقة كلهم عوائل إخواننا المندائيين، وإذا بالعوائل تزوره بعد أن عرفوا بتواجده هناك، كونه شيوعيا وأخذ عدد الزوار يزداد، ويردد الرفيق أبو ستار:”يا لهم من أناس طيبون”، وبسبب خطورة الوضع لم ينصاع للدعوات بالزيارة والاستضافة ودبر الاتصال مع الرفاق في منطقة الجبايش وكرمة بني سعيد، حيث كان للحزب نفوذ قوي. بعدها نزل إلى الناصرية للقاء الرفاق الذين أعتقل معظمهم وكان الظرف صعبا، التقى صدفة الرفيق حسن علي غالب في الشارع، حيث أخذه إلى منزل فيه رفيقان من أهالي السليمانية، ففكر مع بعض الرفاق بكسر السجن والانتقال بالرفاق المعتقلين إلى الأهوار، لكن ذلك لم يكن عملا سهلا، فطلب منه الرفاق العودة إلى كردستان ليحافظ على حياته ومن أجل خدمة الحزب، فسافر إلى بغداد ومن ثم إلى السليمانية ليلتحق مع أخيه الذي سبقه إلى هناك، وكذلك عائلته تركت كركوك ولجأت إلى السليمانية ليبدأ عمله السياسي في ظروف جديدة، أما أخوه نوري فقد طلب منه الرفاق العودة إلى بغداد ليعود لعمله في جهاز مراسلة “لجنة التنظيم المركزية” ولكن تبين أن الرفاق هناك قد اعتقلوا وجاء الدور عليه حيث جاءه أحد الرفاق مع مجموعة من الحرس القومي يرأسهم ناظم كزار، فحاول الهرب منهم لكنهم أعادوا اعتقاله في الشورجة، وبعد أن أخبروا المجرم ناظم كزار بمحاولة هروبه قام برميه في ساقه بمسدسه، فأخذوه مجروحا إلى قصر النهاية.
بقي الرفيق ابو ستار يقود الخط الطلابي والعمالية وعضو في اللجنة المحلية في السليمانية حتى 1965، بعدها أنتقل إلى بغداد ليحترف العمل الحزبي بطلب من الرفاق وعمل في عدة أماكن حزبية، والبيوت السرية للحزب منها مع الرفاق عزيز محمد وزكي خيري وبهاء الدين نوري، كما عمل في منطقة بغداد السرية التي كانت تجتمع ليلا وتتألف من الرفاق أبو فاروق، بهاء الدين نوري، عادل حبه، حسين سلطان، وأبو ستار، وعمل في “لجنة التنظيم والرقابة المركزية” من العام 1969-1971، اي قبل وبعد المؤتمر الثاني للحزب، وكانت تتألف من الرفاق كريم أحمد سكرتيرا، بهاء الدين نوري، حازم سلّو، وأبو ستار، أما بعد المؤتمر فأصبحت تتألف من الرفاق، باقر إبراهيم سكرتيرا، عبد الوهاب طاهر، يوسف حنا القس(أبو حكمت)، حازم سلّو، وأبو ستار، ثم عمل باللجنة العمالية في بغداد الموازية لمنطقة بغداد ومرتبطة مع قيادة الحزب وكانت تتألف من الرفيق الشهيد شاكر محمود والرفيق (ح- ج) الذي كان مسئوله الحزبي في العهد الملكي وتسلم الرفيق أبو ستار المسؤولية بعد استشهاد الرفيق شاكر محمود، ثم تم ضم العمالية إلى لجنة منطقة بغداد، بعدها سافر إلى الخارج للدراسة الحزبية عام 1968-1969.
العمل السري
عندما عاد عمل في لجنة منطقة بغداد ومكتبها حتى انعقاد المؤتمر الوطني الثالث للحزب، بعدها تحول للعمل في المقر العام والعمل في “لجنة التنظيم المركزية” حتى اختفائه الأخير في شباط 1978م، ليتحول إلى العمل السري، فبعد إعدام عدد من الرفاق عام 1978، كان الحزب في وضع حرج يتطلب التحول إلى العمل السري وحماية كادره وقيادته، فشخص الحزب مجموعة رفاق ذوي إمكانيات تنظيمية بعد انسحاب رفاق اللجنة المركزية خارج العراق، فتشكلت لجنة الداخل القيادية من عدة رفاق، أنيطت المسؤولية بالرفيق (أبو فاروق) من المكتب السياسي، ومن الرفيقة عائدة ياسين والرفيق أبو عامل(سليمان يوسف) والرفيق أبو ستار، لقيادة خطوط سرية للغاية، مع تحديد أسماء رفاق المناطق العلنية التي عملت أثناء الجبهة، ثم أنسحب الرفيق السكرتير (أبو فاروق) بقرار من الحزب، واتخذت العديد من التدابير وحتى ذلك الوقت كان مقر الحزب العام مفتوحاً وبقي في المقر باقر إبراهيم وجاسم حلوائي إلى وقت متأخر. ويتذكر الرفيق أنه من بين الأمور التي تم الاتفاق عليها في الجلسة الثنائية قبل مغادرة الرفيق (أبو فاروق)، هو الاستمرار على لقاءات بينه وبين الرفيقة عائدة ياسين وكذلك الرفيق (ن ع)، كي يوحدوا التوجهات التي يرونها ضرورية، والتي ترسل إلى المنظمات.
يقول أن بعض الرفاق العلنيين للأسف وجهوا القاعدة باستمرار لزيارة مقرات حزب البعث والضغط على البعثيين، كونهم كانوا يتأملون وجود أمكانية لردم الثغرة وإعادة العلاقات الجبهوية وكشفوا بذلك العديد من الرفاق الجدد للقوة البوليسية.
كما اتفقوا على بقاء الصلة الحزبية مع أبو فاروق على شكل رسائل مشفرة وفعلا تم استلام رسالة منه بعد خروجه من بغداد.
شجاعة الرفيقة عائدة ياسين
ظلت اللقاءات مستمرة مع الرفيق عائدة ياسين في بغداد ومحافظات أخرى، كما استمرت العلاقات المباشرة مع الرفيق (ن ع) في مدينته، وكانت هذه اللقاءات مفيدة ومهمة للجميع، وكانت التنظيمات التي يقودها والرفيق أبو عامل سرية للغاية، أما المنظمات التي كانت تقودها عائدة ياسين، فكانت سرية لكن بسبب تداخل باقي تنظيمات بغداد العلنية فيها، وكان ذلك خطأ من الرفيقة عائدة بسبب قبولها توجيهات الرفاق القياديين المتواجدين في بغداد، ولم تمر فترة طويلة حتى عرف الرفيق باعتقالها حيث أنها لم تحضر مواعيد متفق عليها مسبقاً، علما أن مواعيدها كانت في غاية الدقة، فأخبر الرفيق (ن ع) الذي هو الآخر كان لديه موعد معها ولم تحضر، يتذكر الرفيق آخر لقاء معها، حيث كانت على عجلة من أمرها وكان لديها موعد آخر قريب من المكان رغم أن الرفيق هو الذي يحدد المكان للقاء بالاتفاق معها، في هذا اللقاء الأخير يقول أنها كانت متألمة جداً حيث قالت له، (رفاق تنظيمي كلهم اعتقلوا والباقي– قالتها بتحدي وثقة مع النفس- الباقي أذهب إلى المركز وأقول لهم ها أنذا)، أي تتحداهم ولن يستطع العدو الاستفادة منها، وهذا ما حدث حقاً، كما يتوقع أبو ستار، فالرفيقة عائدة كانت لا تخاف شيئاً وفي كل لقاء معها في بغداد كانت تسمو وتثبت بأنها قامة شامخة، كانت متواضعة وعلاقتها مع رفاقها علاقة محبة من نوع خاص، ويربط الرفيق بين سلوكها وسلوك الأم في قصة مكسيم غوركي.
أستمر ابوستار في العمل السري المعقد في الداخل حتى عام 1991م وهو الخط الوحيد الذي أستمر بسرية، كان التنظيم على شكل خيطي غطى العراق كله رغم قلة عدد الرفاق العاملين، وكان يتواصل مع قيادة الحزب عن طريق الرفيق المتابع الذي أستمر الاتصال المباشر به إلى ما بعد المؤتمر الرابع للحزب، ثم مع الرفيق (أ د) حتى نزول الرفاق إلى الداخل بعد الانتفاضة وتشكيل هيئة قيادية في الداخل، ورغم أن الرسائل المرفوعة للحزب كانت معظمها إخبارية لكنها كانت مهمة وسرية للغاية من بعض الصلات الحزبية.
بعد الانتفاضة سنة 1991م، عقد الرفيق أبو فاروق اجتماع في بغداد وطلب الرفيق أبو ستار السفر إلى كردستان للإطلاع على الملفات الأمنية التي وقعت بيد الرفاق ولكنه لم يستطع دراستها كلها، علما (أن أحدى المحطات التلفزيونية البريطانية طلبت اللقاء بشأن الملفات)، ثم طلب من الرفيق أن يحضر اجتماع الإقليم وكان حضوره كأحد أعضاء الهيئة، وكانت هناك هيئة السكرتارية وهنالك غياب للرفاق أبو عامل وأبو جوزيف وأبو سيروان حيث كانوا في زيارة إلى سوريا، اجتمعت السكرتارية المؤلفة من الرفيق أبو ستار والرفيق مام قادر وملا حسن ثلاثة اجتماعات ، وبعد مداولات وتغييرات حصلت، ألغيت السكرتارية باقتراح منه وبقي يعمل في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي وفي لجنة الإقليم ويشرف على عمل ثلاث محافظات هي الموصل وكركوك ودهوك، ويعمل في الإقليم كعضو لجنة إقليم في المقر العام في شقلاوة من الصباح حتى المساء ويساعده أحياناً الرفيق أبو سيروان، حتى المؤتمر الثاني للإقليم حيث أنتخب إلى لجنة الرقابة المركزية وأصبح سكرتير تلك اللجنة.
وصل عام 1994م إلى السويد. وفي المؤتمر الأول للحزب الشيوعي الكردستاني، لم يرشح نفسه، مما دعى العديد من الرفاق لأن يستغربوا ذلك، طالبين منه الترشيح ومعرفة سبب امتناعه، فجاءهم جوابه، (أنني مستعد أن أمزق جواز سفري أمام المؤتمر ولا أعود للسويد، لكنكم عليكم أن تعلموا بأنني لم أرى أطفالي وعائلتي منذ أربعة عشر عاماً ونصف العام، حينها انطلقت عاصفة من التصفيق تحية له على موقفه الإنساني الرائع.
هذه اللقطات البسيطة لمسيرة طويلة لا تمثل إلا جزءاً يسيرا من المهام والصعوبات الجمة التي عاشها الرفيق أبو ستار، هذا الإنسان الشيوعي الطيب المعطاء، وها هو يواصل عطاءه في صفوف حزبه لا يثنيه عن ذلك قدم العمر أو المرض أو المشاكل العديدة الأخرى التي نواجهها كل يوم. نقول له عمراً مديدا وعطاءا مستمراً في صفوف حزبك.