الرئيسية » التاريخ » سلسلة دراسات في التاريخ الكردي/( الحلقة الثانية عشرة )

سلسلة دراسات في التاريخ الكردي/( الحلقة الثانية عشرة )

السياسات ثقافات.
والسياسات الخاطئة هي تجسيد لثقافات خاطئة.
وكي تتغير السياسات لا بد من تغيير الثقافات.
تلك حقائق ينبغي أن نأخذها في الحسبان ونحن نقرأ تواريخ الشعوب، ونتأمل حاضرها ونخطط لمستقبلها، وقد اعتدنا أن نسرع إلى تحميل ساسة غربي آسيا وزر ما قد حلّ- وما زال يحلّ- بشعوب هذه المنطقة من خصومات تزرع الأحقاد، ومن صراعات تدمّر البلاد والعباد.
والحقيقة أن المثقف الغرب آسيوي هو المسؤول في الدرجة الأولى عن تهيئة المناخ النفسي والفكري لنشأة تلك الخصومات والصراعات، لأنه هو الذي أنتج الثقافات الخاطئة، وجمّلها وبَهْرَجها، وروّج لها صباح مساء، وربّى عليها الأجيال على امتاد القرون، ومن ثَمّ فهو المسؤول الأول عن تصحيح المسار الثقافي لشعوب هذه المنطقة، والعمل بإخلاص وبنبل لإحلال ثقافة (التكامل مع الآخر) بدل ثقافة (إلغاء الآخر).
أسألك بالله – عزيزي القارئ- أن تمد يدك إلى أقرب كتاب يتحدث عن الحضارات البشرية الأولى، وأن تكتفي بقراءة الصفحات الأولى منه فقط، ستجد أن منطقة غربي آسيا كانت من جملة الحواضن الأولى للحضارة على امتداد الكرة الأرضية، ها هنا تم ابتكار الزراعة، وها هنا ظهرت صناعة التعدين، وها هنا اختُرعت الكتابة، وها هنا نشأت المدن، وها هنا قامت الدول المركزية الكبرى.
بلى، وها هنا – في غربي آسيا- ظهرت الديانات الكبرى، وها هنا أُحرقت أطنان من البخور للآلهة الكبرى والصغرى، وها هنا كان أبو البشرية الأول (آدم)، وأبو البشرية الثاني (نوح)، وأبو الأنبياء (إبراهيم)، وخاتم الأنبياء (محمد)، فما السر في أن شعوب هذه المنطقة باتت متخلفة عن ركب الحضارة؟ وما السر في الحديث عن أنبل القيم على المنابر وصفحات الكتب، وتجسيد بعض أكثر القيم همجية في ميدان الممارسة؟ أما كان جديراً بهذه الشعوب أن تكون في المقدمة؟
مرة أخرى أقول: إن جوهر المشكلة ليس في السياسات، وإنما في الثقافات، وتحديداً في ثقافة (إلغاء الآخر)؛ ثقافة (أنا الموجود وغيري هو المعدوم)، ثقافة (أنا السيد وغيري هو التابع)، ثقافة (أنا المقدس وغيري هو المدنّس)، ثقافة (أنا الإلهي وغيري هو الشيطاني).
جبل الجليد
وإننا إذ نُبدئ القول ونعيده في مشروع (أَبلسة الكرد) فلأنه أحد نتاجات ثقافة (إلغاء الآخر)، إنه مثل قمة الجبل الجليدي، يظهر صغيراً فوق سطح الماء، لكنه ينتمي إلى هيكل أخطبوطي عملاق يغوص في الأعماق، ويتمدد في كل اتجاه.
إن مشروع فريد من نوعه؛ مداه الزمني يتجاوز خمسة وعشرين قرناً من الزمان، ومداه الجغرافي يغطي جميع مناطق غربي آسيا. وطوال هذه المدة، وعلى امتداد هذه الجغرافيا، كان المشروع يلقى دعماً لوجستياً مستمراً من جهات غرب آسيوية في الدرجة الأولى، ومن جهات أخرى عولمية في الدرجة الثانية.
ويبدو مشروع أبلسة الكرد، من حيث بنيته وهيكليته وآلياته، وكأنه شركة مساهمة عملاقة، لها مخططوها ووكلاؤها ومروّجوها ومنفّذوها، إضافة إلى القائمين على تقديم الدعم اللوجستي المطلوب، وهؤلاء خليط عجيب إثنياً، ودينياً، ومذهبياً، وسياسياً، خليط أفراده مختلفون فيما بينهم على أمور وقضايا كثيرة وخطيرة، لكنهم متفقون فيما بينهم ضمناً، وبالتضامن والتكامل والتكافل، على هدف واحد؛ هو الشطب على الكرد، ورميهم ليس خارج دائرة التاريخ الغرب الآسيوي، وإنما خارج دائرة التاريخ البشري كله.
وأعتقد أن الأدلة والشواهد التي اطلعنا عليها في الحلقات السابقة كافية لأن ترسم الملامح الحقيقية لهذا المشروع العملاق، وهي كافية أيضاً لإقناعنا بأن المسألة ليست وهماً نطارده، ولا حُلماً مزعجاً نستريح منه بمجرد اليقظة، ولا هو نوع من الرُّهاب الثقافي الذي يتمترس به بعض الناس؛ تارة لتوحيد الصفوف من خطر داهم، وأخرى لاستدرار الشفقة من هذه الجهة أو تلك.
وكيف يكون الموضوع مجرد وهم أو حلم أو رُهاب ثقافي؛ والشهود على المشروع- طبعاً بحسب الروايات المتواترة- شخصيات تتفاوت مكانتها في الذاكرة الغرب آسيوية بين المرموقة جداً، والمرموقة؟ وأولئك الشهود فريقان:
1. فريق نخبة النخبة: منهم الأنبياء (النبي إبراهيم، النبي سليمان، النبي محمد) عليهم السلام، ومنهم الملوك (أزدهاك، نمرود)، ومنهم كبار الصحابة (عبد الله بن عبّاس، عبد الله بن عمر بن الخَطّاب، أبو هُرَيْرة)، ومنهم كبار الأئمة، والتابعون، وحُفّاظ الحديث البنوي، والفقهاء (الإمام جعفر الصادق، مُجاهدِ، عِكْرِمة، السُّدِّي، الكُلِيني…).
2. فريق النخبة: فيهم المفسّر من أمثال (الطَّبَري، والبَغَوي، والفَخْر الرازي، والقُرْطُبي، والبَيْضاوي، والنَّسَفي، وابن كَثير، والشَّوْكاني)، وفيهم المؤرخ من أمثال (الطَّبَري، والمَسْعودي، وابن الأَثِير، وابن الجَوْزي، والمَقْرِيزي)، وفيهم الجغرافي مثل (ابن الفقيه الهَمَذاني، وياقوت الحَمَوي)، وفيهم اللغوي البارز من أمثال (الزَّبيدي)، وفيهم الموسوعي من أمثال (ابن قُتَيْبة الدِّنَوَري، والراغب الأصفهاني).
ومشروع أبلسة الكرد مشروع شامل متكامل، تفاصيله متعددة، وقد يبدو بعضها بعيداً عن بعضها الآخر، لكنها تنتظم في النهاية ضمن نسق واحد، هو التشكيك في الكرد من حيث هم شعب، والسير بالعقول والقلوب إلى اتجاه واحد، هو تقديم الكرد إلى العالم في أبشع صورة ممكنة.
وما دمنا إزاء مشروع عملاق كهذا، يدور حول (أَبلسة) شعب بكامله، وليس أبلسة فرد أو أفراد أو شرائح فقط، فمن المفيد أن نسعى للإجابة عن تساؤلين اثنين: ما الأهداف الحقيقية لمشروع (أَبْلسة الكرد)؟ ومن هي الجهات القائمة على المشروع (تخطيطاً وتنفيذاً، ودعماً لوجستياً)؟ لكن قبل ذلك، وكي يكتمل أبعاد الصورة أمامنا، دعونا نستعرض لوحات أخرى ذات صلة بالمشروع.
بداوة وجفاء
إن الآليات المعمول بها، في مشروع الأبلسة، لتبشيع صورة الكرد متنوعة، ومنها وصف الكرد بالبداوة والجَفاء والفَظاظة والغِلْظة، وفيما يلي بعض الوشاهد:
• ذكر الطَّبَري خبر الصراع بين أَرْدَشِير بن بابك أول ملوك بني ساسان، وأَرْدِوان آخر ملوك البرثيين (الأرشاكيين) فقال: ” فبينا هو [أردشير] كذلك إذ وَرَد عليه رسولُ الأَرْدِوان بكتاب منه، فجمعَ أَرْدَشير الناس لذلك، وقرأ الكتاب بحضرتهم، فإذا فيه: إنك قد عَدَوْتَ طَوْرَك، واجتلبتَ حَتْفَك، أيها الكردي المُرَبَّى في خيام الأكراد، مَن أَذِن لك في التاج الذى لَبِسْتَه, والبلاد التى احتوَيتَ عليها، وغَلَبْتَ ملوكَها وأهلَها “؟ (الطبري: تاريخ الطبري، ج 2، ص 39).
تعليق: الملاحَظ هنا أن أردوان لم يكتف في تهجّمه على أردشير بأنه تربّى في خيام الأكراد، وإنما خاطبه بصفة (الكردي)، فهل كانت صفة (كردي) تعني – في الثقافة الفارسية القديمة- بدوي، جلف، متخلّف؟ وكانت تُطلق من ثَمّ على كل من يراد الحطّ من قدره، أم أن الأسرة الساسانية كانت كردية الأصل حقاً؟ الأمر بحاجة إلى دراسة علمية موثَّقة، وأتمنّى أن يتفضّل الباحثون الكرد الذين يجيدون اللغة الفارسية بمتابعة هذا الموضوع.
• أورد الطَّبَري في تاريخه أخبار الصراع بين الملك الساساني كسرى أَبْرَويز بن هُرْمُز والقائد بَهْرام جُوبِين، وذكر أن حواراً دار بينهما، جاء فيه: ” فبدأ كسرى فقال: إنك- يا بَهْرام- ركنٌ لمملكتنا، وسِنادٌ لرعيّتنا، وقد حَسُن بلاؤك عندنا، وقد رأينا أن نختار لك يوماً صالحاً لِنولّيَك فيه إصْبَهْبَذَة [= حاكم عسكري، سمّي في العهد العثماني: سِباهي] بلاد الفرس جميعاً. فقال له بهرام- وازداد من كسرى قرباً-: لكني اختار لك يوماً أَصلُبك فيه. فامتلأ كسرى حزناً من غير أن يبدو في وجهه من ذلك شيء، وامتدّ بينهما الكلام، فقال بَهْرام لأَبْرَويز: يا ابن الزانية المُربّى في خيام الأكراد؛ هذا ومثلَه [= قال هذا ومثله]، ولم يقبل شيئاً مما عرضه عليه “. (الطبري: تاريخ الطبري، ج 2، ص 178).
تعليق: سار بَهْرام جُوبين على خُطا أردوان، واستعمل عبارة (المربّى في خيام الأكراد) للحط من مكانة أبرويز، أو لتذكيره بأصله الكردي.
• وصف اليَعْقوبي فضل العراق، حيث دارُ الخلافة، على غيره من البلدان، فقال: ” وإنها ليست كالشَّأْم [= الشام] الوَبيئة الهواء الضيّقة المنازل، الحَزْنَة [= المرتفعة الخشنة] الأرض، المتصلة الطواعين، الجافية الأهل. ولا كمِصر المتغيّرة الهواء، الكثيرة الوباء، … ولا كأفريقية البعيدة عن جزيرة الإسلام، وعن بيت الله الحرام، الجافية الأهل، الكثيرة العدو، ولا كأرمينية النائية الباردة الصَّرِدَة [= الشديدة البرد] الحَزْنة، التي يحيط بها الأعداء. ولا مثل الجَبَل كُوَر[= جمع كُورَة: منطقة] الحَْزنَة، الخَشنة، المُثلِجة، دار الأكراد الغليظي الأكباد “. (اليعقوبي: البلدان، ج 1، ص 2).
تعليق: الفنون التي يتقنها خرّيجو (ثقافة إلغاء الآخر) في غربي آسيا كثيرة ومتنوّعة، ولهم في هذا المجال خبرة متراكمة تعود إلى لا أقل من أربعة آلاف عام، ويوظّفون تلك الفنون كل مرة بما يحقق أهدافهم الدفينة، وفي المعلومات التي ساقها اليعقوبي اثنان من تلك الفنون:
1 – فن التعميم: فـ (الأكراد) كلهم غليظي الأكباد.
2 – فن الخداع اللغوي؛ فاليعقوبي – وهو مؤرخ وجغرافي- تعامل مع وصف البلاد بطرائق شتّى: مرة اكتفى بوصف سلبيات البيئة فقط. ومرة أضاف عبارة (الجافية الأهل) إلى سلبيات البيئة. أما عندما تناول وصف منطقة الجبال (موطن الكرد في العراق وشمال غربي إيران) فقد علت نبرته التهجمية أكثر، ووصف الكرد بـ (الغليظي الأكباد)؛ أي القساة جداً.
• قال المسعودي في معرض الإشادة بالعرب، والربط بين طباعهم ونزولهم في البوادي: ” ولذلك جانبوا فَظاظةَ الأكراد وسكان الجبال من الأجيال الجافية وغيرهم الذين مساكنهم حُزُون [= الأماكن المرتفعة الوعرة] الأرض “. (المسعودي: مروج الذهب، ج 2، ص 121).
تعليق: مارس المسعودي أيضاً فن التعميم؛ إذ جعل (الفظاظة) صفة عامة في (الأكراد). ومارس فن الخداع اللغوي؛ في وصف الكرد استعمل صفة (فظاظة)، أما مع الآخرين من سكّان البيئات الجبلية الوعرة فاستعمل صفة أخفّ وطأة؛ وهي (الجافية).
• قال شيخ الإسلام ابن تَيمية بشأن مهر المرأة: ” وينبغي أيضاً اعتبارُ الصّفاتِ المُعتبَرةِ فِي الكَفاءة، فإذا كان أبوها مُوسِراً ثُمّ افتقَر، أو ذا صَنْعةٍ جيّدةٍ ثُمّ تَحوَّلَ إلى دُونها، أو كانت له رئاسةٌ أو ملْكٌ ثُمّ زالت عنه تلك الرّئاسةُ وَالمِلْكُ، فيجبُ اعتِبارُ مِثْلِ هذا، وكذلِك لو كان أهلُهُما لهم عِزٌّ في أوطانهم ورئاسةٌ، فَانْقلَبوا إلى بلدٍ ليس لهم عِزٌّ فيه ولا رئاسةٌ، فإن المَهْرَ يختلِفُ بِمِثْلِ ذلك فِي العادةِ، وَإن كانت عادتُهم يُسَمُّونَ مَهْراً، ولكن لا يَسْتَوْفُونَهُ قطُّ مِثْلُ عادةِ أهلِ الجَفاءِ مِثْلُ الأكرادِ وغيرِهم، فوجودُه كَعَدَمِه “. (ابن تيمية: الفتاوى الكبرى، ج 5، ص 476).
تعليق: ابن تيمية معروف بأنه (شيخ الإسلام) في عصره، بل لعله كان- طوال القرن العشرين وإلى يومنا هذا- من أكثر الأئمة تأثيراً في الفكر الإسلامي المعاصر، ولاسيما الفكر السلفي والجهادي، وكان من المتوقّع أن يقيّد لفظه، ولا يعمّم الأحكام، والمؤسف أنه لم يستطع ذلك، فهو من كبار خرّيجي (ثقافة إلغاء الآخر)، وهو في الوقت نفسه من كبار أساتذتها، وها نحن نجده يعمّم صفة (الجفاء) على الكرد جميعهم، قديماً وحديثاً، صغاراً وكباراً، جهلةَ ومتعلمين وعلماء، وإلى أبد الآبدين.
وإضافة إلى فن التعميم نجد في طيّات عبارة ابن تيمية فنّاً آخر من فنون خرّيجي (ثقافة إلغاء الآخر)؛ وهو فن التمويه، فكي يضرب مثالاً على عادة أهل الجفاء أسرع إلى التصريح باسم (الأكراد)، أما غير الأكراد فلم يصرّح بأسمائهم، وعتّم عليهم بكلمة ( وغيرهم).
• قال الإمام أبو حامد الغزالي في طرائق (علاج الحرص والطمع): “الرابع: أن يُكثر تأمّلَه في تَنعُّم اليهود والنصارى، وأراذل الناس، والحَمْقى من الأكراد والأعراب الأجلاف، ومَن لا دِين لهم ولا عقل. ثم ينظر إلى أحوال الأنبياء والأولياء، وإلى سَمْت الخلفاء الراشدين وسائر الصحابة والتابعين، ويستمع أحاديثَهم ويُطالِع أحوالَهم. ويُخيّر عقلَه بين أن يكون على مُشابَهة أراذل الناس، أو على الاقتداء بمن هو أعزُّ أصناف الخلق عند الله “. (أبو حامد الغزالي: إحياء علوم الدين، ج 3، ص 243).
تعليق: الإمام أبو حامد الغزالي عَلَم آخر كبير جداً وشهير جداً من علماء الثقافة الإسلامية، وها نحن نراه يضع (الأكراد والأعراب) عامة، ودون تمييز، في خانة اليهود والنصارى، وهؤلاء هم من الكفّار والضالّين بحسب معايير الغزالي، وما اكتفى بذلك، بل جعل الأكراد في خانة واحدة مع الأراذل والحمقى والأجلاف، فالأكراد والأعراب بشر مستباحون، ولا حرج عند الغزالي (الإمام!!) في أن يقول فيهم ما يطيب له. وما يُلفت الانتباه أكثر أنه قدّم (الأكراد) على (الأعراب).
• قال عبد الرؤوف المِناوي (والدته من حفيدات الحافظ الكردي الشهير زَين الدين العراقي، حسبما صرّح في مقدمة كتابه) في شرح بعض الأحاديث النبوية، ومنها ما يتعلق بمكانة الشيخ في قومه: ” (الشيخ في أهله)، وفي رواية في قومه (كالنبيّ في أمته)؛ أي يجب له من التوقير مثلُ ما للنبي- صلى الله عليه وسلم- في أمته منه؛ أو المراد: يتعلمون من علمه، ويتأدّبون من أدبه، لزيادة تجربته التي هي ثمرةُ عقله. ولذلك ترى الأكرادَ والأتراك وأجلاف العرب- مع قُرب رُتبتهم من البهيمة- يُوقِّرون الشيخَ بالطبع “. (المناوي: فيض القدير، ج 7، ص 3696).
تعليق: مهمة المناوي في كتابه (فيض القدير) هو شرح الأحاديث النبوية التي جمعها السُّيُوطي في كتابه (الجامع الصغير)، ويُفترَض ممّن يتعامل مع الأحاديث النبوية شرحً وتفسيراً أن يكون تقياً ومهذَّباً، ولا يستعمل الألفاظ الجارحة إزاء الأفراد، فكيف إذا كان الأمر يتعلق بأمم وجماعات؟!
لكن يبدو أن (المؤمنين!) من خرّيجي (ثقافة إلغاء الآخر) لهم معايير خلقية غير التي ألزم الله بها سائر المؤمنين، فها هو ذا المناوي لا يتحرّج في وضع (الأكراد والأتراك وأجلاف العرب= الأعراب) في خانة قريبة من خانة (البهائم)، والملاحظ أن قدّم (الأكراد) على (الأتراك) و(الأعراب)، تنبيهاً لنا بأن للأكراد الأسبقية في تلك الخانة.
• قال الجاحظ: في رسالة مناقب الترك: ” وكذلك الترك أصحابُ عَمَدٍ، وسكّان فيافٍ، وأربابُ مواش، وهم أعراب العجم، كما أن هُذَيْلاً أكراد العرب “. (الجاحظ: رسائل الجاحظ، ج 1، ص 71).
تعليق: لا يتضح البعد الحقيقي لما يريده الجاحظ بقوله هذا ما لم نعرف من هي (هُذَيْل)؛ إنها قبيلة عربية بدوية، كانت تسكن جبال الحجاز قرب مكة، وكانت معروفة بالفقر، وشدّة البأس، وكثرة الصعاليك وممارسة الغزو، وقد جمع السُّكّري أشعار تلك القبيلة في ديوان ضخم اسمه (ديوان الهُذَلِيِّين)، وكي يُقرّب الجاظ فهم حقيقة قبيلة هُذِيْل العربية إلى الأذهان شبّهها بـ (الأكراد)؛ وهذا يعني أن (الأكراد) كانوا معروفين في الوسط الثقافي خاصة والاجتماعي عامة بأنهم مضرب المثل في الفقر وشدة البأس والسطو على ممتلكات الآخرين.
• ذكر الراغب الأصفهاني أن صبياً قرأ على معلم:” (عليها ملائكةٌ غِلاظٌ شِدادٌ يَعصُون الله ما أمرهم ولا يفعلون ما يؤمرون). فقال: هؤلاء أكراد لا ملائكة “. (الراغب الأصفهاني: محاضرات الأدباء، ج 1، ص 54). والمقصود هو الآية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) [سُورة التَّحْرِيم، الآية 6].
تعليق: إذاً كان الحديث عن (الأكراد) مادة صالحة للإضحاك، ولتوضيح المفارقات، فالملائكة النورانيون لا نقيض لهم في غربي آسيا، بل في العام كله، إلا (الأكراد) الشيطانيون، وحينما يكون الأمر متعلقاً بتبشيع صورة الكرد يصبح كل شيء مباحاً؛ وحتى الآيات القرآنية (كلام الله) يجوز التلاعب بها، وإخراجها عن مساراتها الصجيجة، وتوظيفها بما يحقق أهداف الناشطين في مجال تعميم مشروع (أبلسة الكرد).
• ذكر ابن عَساكِر الخبر نفسه برواية أخرى، مفادها أن الصبي قرأ على المعلم: (عليها ملائكةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعصون الله ما أمرهم ويَفعلون ما يَأمُرون). فقال له: يا ابن الخبيثة، ما هؤلاء إلا أكراد شَهْرَزُور، وليس هؤلاء ملائكةٌ “. (ابن عَساكر: تاريخ دمشق ج 68، ص 73).
تعليق: هذا سرد آخر للخبر السابق، لكن الملاحظ هنا أن أصبحت الشيطانية (نقيض نورانية الملائكة) صفة لأكراد شَهْرَزُور خاصة، وليست صفة للأكراد عامة. وكان اسم شهرزور يُطلق على المنطقة التابعة لمدينة سُليمانية الحالية في إقليم كردستان- العراق، وكانت مدينتها الكبرى تسمّى شَهْرَزُور.

جهالة وسذاجة
جاء في عدد من مصادر التراث الإسلامي وصف الكرد بالجهالة والسذاجة والغفلة، وفيما يلي بعض تلك الأقوال:
• ” وسأل كِسرى مَوْبَذه [= المَوْبَذ: كبير رجال الدين الزردشتي]: أيُّما أكثر: الشياطين أو الناس؟ فقال: إن حَسَبْتَ الأكرادَ والرعاةَ والعامّةَ وأهلَ الأسواق من الناس فإن الناس له كثيرٌ “. (الآبي: نثر الدر، ج 2، ص 51). / الباب 3 حكم ونوادر للفرس.
تعليق: إذاً فـ (الأكراد) من بين جميع شعوب غربي آسيا على أقل تقدير هم في الدرك الأسفل جهالة وتخلفاً، وهم معدودون من الشياطين، وليس لهم مكان في خانة البشر الصالحين (الناس)؛ هكذا كان حكم الموبذ، حسبما تفيد الرواية، ولا يجوز لهذا الحكم أن يتبدّل.
• قال الإمام أبو حامد الغزالي في بيان علاج الغضب: ” بل ينبغي أن يعالَج هذا الجاهلُ بأن تُتْلى عليه حكاياتُ أهل الحِلم والعفو، وما استُحسِن منهم من كَظْم الغَيْظ، فإنّ ذلك منقولٌ عن الأنبياء والأولياء والحكماء والعلماء وأكابر الملوك الفُضلاء. وضدُّ ذلك منقولٌ عن الأكراد والأتراك والجهلة والأغبياء الذين لا عقولَ لهم ولا فضلَ فيهم “. (أبو حامد الغزالي: إحياء علوم الدين ج 3، ص 172 – 173).
تعليق: الملاحظ أن الغزالي (وهو فارسي) جعل الأكراد والأتراك في خانة الجهلة والأغبياء، لكنه لم ينس أن يجعل للكرد قصب الشبق في هذا المجال.
• قال ابن تَيْمِيَة بشأن مسألة خَلْق القرآن: ” وكان بعضُ أهل الحديثِ إذْ ذاك أَطْلَقَ القولَ بأنّ لَفْظِي بِالقُرآن غيرُ مَخلوقٍ؛ مُعارَضةً لِمَن قال: لَفْظِي بالقُرآن مَخلوقٌ، فبَلغَ ذلك الإمامَ أحمد، فأَنْكَرَ ذلك إنكاراً شديداً، وبَدَّعَ مَن قال ذلك، وأَخْبَرَ أنّ أحداً مِن العلماء لم يَقُلْ ذلك، فكيف بِمَنْ يَزْعُم أنّ صوتَ العبدِ قديمٌ؟ وأقبحُ من ذلك مَن يَحْكي عن بعض العلماء أنّ المِدادَ الذي في المُصْحَف قديمٌ، وجميعُ أئمّة أصحابِ الإمامِ أحمد وغيرُهم أَنكَروا ذلك، وما عَلِمتُ أنّ عَالِماً يقول ذلك إلا ما يَبْلُغُنا عن بعض الجُهّال مِن الأكراد ونَحوِهم “.(ابن تيمية: مجموع فتاوى ابن تيمية، ج 3، ص 29).
تعليق: مرة أخرى عمد ابن تيمية إلى الحيل اللغوية، فصرّح باسم (الأكراد)، وأدرج الآخرين من الجهّال تحت بند (ونحوهم)، باعتبار أن الأكراد (جدارهم وَطيء)، أما جدران الآخرين فعالية.
• قال ابن منظور الإفريقي: ” الرَّشْمُ أن تُرشمَ يد الكُرْدِيِّ والعِلْجِ كما تُوشَمُ يدُ المرأة بالنِّيل لكي تُعرف بها وهي كالوَشْمِ “. ( ابن منظور: لسان العرب، مادة رشم).
تعليق: كي يوضّح ابن منظور معنى (الرَّشْم) ضرب مثالاً من الواقع، وهو رشم يد الكردي والعلج، وهو نوع من الختم كان تًختم به السلطات أيدي بعض الناس، كي يكونو معروفين أينما حلوّ ورحلوا، وكي يسهل القبض عليهم عند اللزوم، وكان الحجّاج أشهر من مارس ذلك بحق النَّبْط (سكان جنوبي بلاد الرافدين). والمهم في هذه المعلومة اللغوية أن الكردي والعِلْج في خانة واحدة من حيث الإذلال والاتهام، ويتّضح الأمر أكثر إذا أخذنا في الحسبان أن معنى (عِلْج) في العربية هو (حمار الوحش) الضخم القوي، وفي الإسلام أُطلق لقب (عِلْج) على أعداء العرب المسلمين من الفرس والروم، والجمع (علوج)؛ بمعنى الناس الكفّار والمنحطين ولأراذل.
• قال أبو الحسن محمد بن عبد الله السلامي، وهو شاعر عراقي بغدادي (ت 393 هـ = 1003 م):
وأنا دَعِيٌّ في البلاغة، مُلْصَقٌ
في الشعر، مُنسلِخٌ من الآدابِ
ويُباع في الأكراد شعري إنّه
يغلو إذا ما بيع في الأعرابِ
(الثعالبي: يتيمة الدهر، ج 2، ص 414).
تعليق: إن الشاعر يُقرّ بأن لشعره الرديء سوق رائجة بين (الأكراد)، باعتبار أهم أناس جهلة وساذجون، وهذا يذكّرنا بالمقولة الدارجة في بلاد الشام ومصر (هل تستكردني؟).
اللصوصية
جاء في بعض مصادر التراث الإسلامي وصف الكرد باللصوصية.
• قال ابن الأثير في أحداث سنة (421 هـ): ” وفيها ظهر مُتلصِّصةٌ ببغداد من الأكراد، فكانوا يَسرِقون دوابَّ الأتراك، فنَقل الأتراك خيلَهم إلى دُورهم، ونقل جلال الدولة [= من ملوك بني بُوَيْه] دوابّه إلى بيت في دار المملكة “. (ابن الأثير: الكامل في التاريخ، ج 9، ص 410).
• نقل ابن كَثير الخبر السابق نفسه في حوادث سنة (421 هـ)، فقال: ” وفيها دخل خَلقٌ كثير من الأكراد إلى بغداد، يَسرِقون خيلَ الأتراك ليلاً، فتحصّن الناس منهم، فأخذوا الخيول كلَّها حتى خيلَ السلطان “. (ابن كثير: البداية والنهاية، ج 12، ص 28).
• ونقل الحافظ الذهبي أيضاً الخبر نفسه في أحداث سنة (421 هـ) قائلاً: “وتجدَّد دخول الأكراد اللصوص إلى بغداد، فأخذوا خيول الأتراك من الإصْطَبْلات “. (الذهبي: العِبَر في خَبر مَن غَبَر، ج 2، ص 243).
تعليق: من الظاهرات العريقة في (ثقافة إلغاء الآخر) الغرب آسيوية تقديم المعلومة بعيداً عن المعطيات البيئية والاجتماعية والسياسية المواكبة لها، وهذه سُنّة متّبَعة بقوة وإصرار إلى يومنا هذا، سواء أكان في مجال التعظيم والتمجيد، أم في مجال التبشيع والتنديد.
وهذه الظاهرة بارزة في الخبر السابق، فالمهم بالنسبة إلى صانع الخبر وراويه هو إلباس الكرد صفة اللصوصية، وليس من الضروري أن يعرف الرأي العام السبب الذي جعل بعض الكرد يسطون على خيول الأتراك والبويهيين في عاصمة الخلافة بغداد.
أما ما لم يرغب صانع الخبر في أن يعرفه الرأي العام هو أن العسكرية التركية والبُوَيهية كانت قد سيطرت على عاصمة الدولة العباسية بغداد، وهيمنت على جميع مفاصل الدولة، وراحت تسوم الناس ألوان الظلم والقهر، ومعروف أن الكرد (قومٌ أولو بأس شديد)، ولذلك فهم في مقدّمة الثائرين على الظلم والقهر حيثا كان؛ وما أقوله ليس مبالغة، وإنما هي حقيقة تؤكدها مواقف كثيرة قديماً وحديثاً، ولعلي أقف عندها بالتفصيل ذات يوم.
ولنعد إلى (اللصوصية) والكرد، فالمعروف أنه ليس ثمة شعب إلا وفيه من يمارس اللصوصية، ولا سيما عندما يكون ذلك الشعب ضحية للفقر، ولذا لا أنكر أنه من الممكن أني يكون بعض الكرد لصوصاً، لكن اللصوصية التي التي ألصقت بالكرد هي نوع من تزوير الحقائق، والحقيقة أن ثمة حرباً شرسة كانت دائرة بين الكرد الثائرين والسلطات طوال العهود الأموية والعباسية، وكان من جملة ما يقوم به الكرد في هذا المجال هو السطو على خيول الجنود الترك والبويهيين في عقر دارهم، أقصد في العاصمة بغداد،، لاستخدامها في القتال ضدهم.
• قال ياقوت الحموي يذكر إنجازات أبي الحسين علي بن أحمد الراسبي (ت 301 هـ): ” وكان يتقلّد مِن حَدّ واسِط إلى حَدّ شَهْرَزُور، وكُورَتَيْن من كُوَر الأهواز جُنْدِيسابُور والسُّوس، وبادَرايا وباكَسايا، وكان مبلغُ ضمانه ألفُ ألفُ [= مليون] وأربعمائة ألف دينار في كل سنة، ولم يكن للسلطان معه عاملٌ غيرَ صاحب البريد فقط؛ لأن الحَرْث والخَراج والضِّياع والشجر وسائر الأعمال كان داخلاً في ضمانه، فكان ضابطاً لأعماله، شديد الحماية لها من الأكراد والأعراب واللصوص “. (ياقوت الحَمَوي: مُعْجَم البلدان، ج 2، ص 548).
تعليق: الملاحظ أن الرواية جمعت بين الأكراد والأعراب واللصوص، لكن جعلت الأسبقية للأكراد.
• قال أبو الفتح المُطَرِّزي (ت 616 هـ): ” الكَلبُ الكُرديّ مَنْسوبٌ إلى الكُردِ؛ وهم جِيلٌ مِن النّاس لهم خُصُوصِيَّةٌ في اللُّصُوصيّة”. (المُطَرِّزي: المُغَرِّب في ترتيب المُعَرِّب، ص 404).
تعليق: كل شيء كردي هو غير عادي، حتى لصويتهم لها خصوصية!
قطع الطرق والإفساد
وردت في مصادر التراث الإسلامي روايات متعددة حول قيام الكرد بالاضطرابات ضد السلطات الحاكمة، وقطع الطرق، وإحداث الفوضى:
• قال البلاذري: ” وحدثني المَدائني وغيره أن الأكراد عاثوا وأفسدوا في أيّام خروج عبد الرحمن بن محمّد بن الأَشْعَث. فبعث الحجّاجُ عمرَو بن هانئ العَبْسي في أهل دمشق إليهم، فأَوْقعَ بهم، وقتل منهم خلقاً “. (البلاذري: فتوح البلدان، ص 319).
• قال الخليل بن أحمد الفَراهِيدي ما يلي: ” المِئذُ: جيل من الهند بمنزلةِ الكُرْدِ يغزون المسلمين في البحر “. (الفراهيدي: العَيْن، مادة مئذ).
• قال ابن الأثير في أحداث سنة (148 هـ): ” وفيها استعمل المنصور على الموصل خالد بن بَرْمَك، وسبب ذلك أنه بلغه انتشار الأكراد بولايتها وإفسادهم، فقال: من لها؟ فقالوا: المُسَيَّب بن زُهَير، فأشار عُمارة بن غمرة [= كذا، والصواب: عُمارة بن حَمْزة] بخالد بن بَرْمَك، فولاّه وسيّره إليها، وأحسنَ إلى الناس، وقَهر المفسِدين وكَفّهم، وهابه أهل البلد هيبةً شديدة مع إحسانه إليهم”. (ابن الأثير: الكامل في التاريخ، ج 5، ص 585).
• قال ابن الأثير في أحداث سنة (231 هـ): ” وفيها قَدِم وَصِيف التركي من ناحية أصْبهان، والجبال، وفارس، وكان قد سار في طلب الأكراد؛ لأنهم كانوا قد أفسدوا بهذه النواحي، وقَدِم معه نحوٌ مِن خمس مائة نفس فيهم غِلمان صغار، فحُبِسوا، وأُجيز بخمسة وسبعين ألف دينار، وقُلِّد سيفاً “. (ابن الأثير: الكامل في التاريخ، ج 7، ص 23).
• قال ابن كثير في أحداث سنة (433 هـ): ” فيها شَعَثَت الأكراد ببغداد؛ لسبب تأخّر العطاء عنهم “. (ابن كثير: البداية والنهاية، ج 12، ص 49).
• قال ابن الأثير في أحداث سنة (445 هـ): ” وفيها، في شوال، وصل الخبر إلى بغداد بأن جمعاً من الأكراد وجمعاً من الأعراب قد أفسدوا في البلاد، وقطعوا الطريق ونهبوا القرى، طمعاً في السلطنة بسبب الغُزّ، فسار إليهم البَساسِيري جَرِيدة، وتبعهم إلى البَوازيج، فأوقع بطوائف كثيرة منهم، وقتل فيهم، وغنم أموالهم، وانهزم بعضهم فعبروا الزاب عند البوازيج فلم يدركهم، وأراد العبورَ إليهم، وهم بالجانب الآخر، وكان الماء زائداً، فلم يتمكن من عبوره، فنَجَوا “. (ابن الأثير: الكامل في التاريخ، ج 9، ص 596).
تعليق: هذه الأخبار كلها تؤكد فشل السلطا الحاكمة في فرض السيطرة على الكرد، وهذه حقيقة معروفة منذ عهد الإمبراطورية الآشورية، فقد كانت المشكلة التي تؤرّق الملوك الآشوريين هو إخضاع الميديين (أجداد الكرد)، وعجوا عن ذلك رغم كل الحروب التي شنّوها على الكرد، ورغم جميع أصناف البطش والتنكيل، بل إن نهايتة الإمبراطورية الآشورية كانت على أيدي الميديين، وكي تصبح الأمور في مسارها الصحيح ما علينا إلا أن نستخدم عبارة (ثاروا، ثورة، ثائرون) بدل كلمة (أفسدوا، إفساد، مفسدون).
• روى الشاعر الشيعي المعروف دِعْبِل بن علي الخُزاعي (ت 246 هـ = 860 م) قصة طويلة خلاصتها أنه ألف قصيدة، منها قوله (مدارسُ آياتٍ خَلَتْ من تلاوةٍ)، وقصد بها الإمام الشيعي علي بن موسى الرضا، وهو بخراسان، إذ كان وليّ عهد الخليفة المأمون، فأنشده القصيدة، ثم أنشدها أمام المأمون أيضاً، وقبض منهما على أموال كثيرة، إضافة إلى ما وهبه له علي بن موسى الرضا من ثياب خاصة به، كما أن الوزير ذا الرئاستين وهبه بِرْذَوْناً أصفر، وقال دِعْبِل: ” وقضيت حاجتي، وكَرَرْت راجعاً إلى العراق، فلما صرت ببعض الطريق، خرج علينا أكراد يُعرَفون بالماريخان [الصواب: المازنجان، وهم قبيلة من الكرد في حدود أصفهان]، فسلبوني، وسلبوا القافلة، وكان ذلك في يوم مَطِير. فأعتزلت في قميص خَلَق قد بقي علي، وأنا متأسف- من جميع ما كان علي- على القميص والمنشفة اللذين وهبهما لي علي بن موسى الرضا، إذ مرّ بي واحد من الأكراد، وتحته البِرْذَوْن الأصفر الذي حملني عليه ذو الرياستين، وعليه المِمْطَر [= ثوب لاتقاء المطر] الخَزّ، ثم وقف بالقرب مني، وابتدأ ينشد: (مدارس آيات)، ويبكي. فلما رأيت ذلك، عجبت من لص كردي يتشيّع، ثم طمعت في القميص والمنشفة.
فقلت: يا سيدي لمن هذه القصيدة ؟ فقال: ما أنت وذاك؟ ويلك.
فقلت له: فيه سبب أخبرك به.
فقال: هي أشهر من أن يجهل صاحبها.
قلت: فمن هو ؟ قال: دِعْبِل بن علي الخُزاعي، شاعر آل محمد، جزاه الله خيراً.
فقلت له: يا سيدي، أنا – والله – دِعْبل، وهذه قصيدتي.
فقال: ويلك، ما تقول؟ فقلت: الأمرُ أشهرُ من ذلك، فسَل أهل القافلة، تُخْبَرْ بصحة ما أخبرتك به.
فقال: لا جَرَمَ – والله – لا يذهب لأحد من أهل القافلة خِلالة [= عود تُخَلَّل به الأسنان. وبالضم خُُلالة: تمرة] فما فوقها.
ثم نادى في الناس: من أخذ شيئاً فليردّه على صاحبه، فردّ على الناس أمتعتهم، وعليَّ جميع ما كان معي، ما فَقَد أحدٌ عِقالاً.
ثم رحلنا إلى مأمننا سالمين”. قال راوي هذا الخبر عن دعبل: فحدثت بهذا الحديث علي بن بَهْزاد الكردي، فقال لي: ذاك – والله – أبي الذي فعل هذا “. (التنوخي: الفرج بعد الشدة، ج 4، ص 227- 230).
تعليق: واضح من سياق الخبر أن بهزاد الكردي كان من الكرد الشيعة المثقفين الناقمين على السلطات الحاكمة، الثائرين عليها.
• نقل التنوخي خبر قاطع طريق كردي يُفتي فقال: ” وحدثني عبد الله بن عمر بن الحارث الواسِطي السَّرّاج، المعروف بأبي أحمد الحارثي، قال: كنت مسافراً في بعض الجبال، فخرج علينا ابن سباب الكردي، فقطع علينا، وكان بزِيّ الأمراء، لا بزيّ القُطّاع.فقربت منه لأنظر إليه وأسمع كلامه، فوجدته يدل على فهم وأدب، فداخلْته فإذا برجل فاضل، يروي الشعر، ويفهم النحو، فطمعت فيه، وعملت في الحال أبياتاً مدحته بها. فقال لي: لست أعلم إن كان هذا من شعرك، ولكن اعمل لي على قافية هذا البيت ووزنه شعراً الساعة، لأعلم أنك قلته، وأنشدني بيتاً. قال: فعملت في الحال إجازة له ثلاثة أبيات.
فقال لي: أيُّ شيء أُخذ منك ؟ لأردَّه إليك.
قال: فذكرت له ما أُخذ مني، وأضفت إليه قماش رفيقين كانا لي.
فردّ جميع ذلك، ثم أخذ من أكياس التجار التي نهبها، كيساً فيه ألف درهم، فوهبه لي.
قال: فجزيته خيراً، ورددته عليه.
فقال لي: لم لا تأخذه؟ فوَرَّيت عن ذلك.
فقال: أحب أن تَصْدُقني.
فقلت: وأنا آمن؟
فقال: أنت آمن.
فقلت: لأنك لا تملكه، وهو من أموال الناس الذين أخذتَها منهم الساعة ظلماً، فكيف يَحِلّ لي أن آخذه؟
فقال لي: أما قرأت ما ذكره الجاحظ في كتاب اللصوص؛ عن بعضهم قال: إن هؤلاء التجار خانوا أماناتهم، ومنعوا زكاة أموالهم، فصارت أموالهم مستهلكة بها، واللصوص فقراء إليها، فإذا أخذوا أموالهم – وإن كرهوا أخذها – كان ذلك مباحاً لهم، لأن عَين المال مستهلكة بالزكاة، وهؤلاء يستحقون أخذ الزكاة، بالفقر، شاء أرباب الأموال أم كرهوا.
قلت: بلى، قد ذكر الجاحظ هذا، ولكن من أين يُعلَم أن هؤلاء ممن استَهلكت أموالَهم الزكاةُ ؟ فقال: لا عليك، أنا أُحضر هؤلاء التجار الساعة، وأُريك بالدليل الصحيح أن أموالهم لنا حلال.
ثم قال لأصحابه: هاتوا التجار، فجاءوا.
فقال لأحدهم: منذ كم أنت تَتْجُر في هذا المال الذي قطعنا عليه؟
قال: منذ كذا وكذا سنة.
قال: فكيف كنت تُخرج زكاته؟ فتَلَجْلَج، وتكلم بكلام من لا يعرف الزكاة على حقيقتها فضلاً عن أن يُخرجها.
ثم دعا آخر، فقال له: إذا كان معك ثلثمائة درهم، وعَشَرة دنانير، وحالتْ عليك السنة، فكم تُخرج منها للزكاة ؟ فما أحسن أن يجيب.
ثم قال لآخر: إذا كان معك متاع للتجارة، ولك دَين على نفسَين، أحدهما مليء، والآخر مُعْسِر، ومعك دراهم، وقد حال الحَوْل على الجميع، كيف تُخرج زكاة ذلك ؟ قال: فما فَهِم السؤال، فضلاً عن أن يتعاطى الجواب.
فصرفهم، ثم قال لي: بانَ لك صِدقُ حكاية أبي عثمان الجاحظ؟ وأن هؤلاء التجار ما زكَّوا قطُّ؟ خذ الآن الكيس.
قال: فأخذته، وساق القافلة لينصرف بها.
فقلت: إن رأيت أيها الأمير أن تَنفُذ [= ترسل] معنا مَن يُبلغنا المأمِن، كان لك الفضل.
ففعل ذلك. (التنوخي: الفرج بعد الشدة، ج 1، ص 231 – 233).
تعليق: واضح من سياق الخبر أن ابن سباب الكردي كان أيضاً من الكرد المثقفين الناقمين على السلطات، الثائرين عليها.
• قال ابن جُبَيْر ( ت 614 هـ = 1217 م) يصف رحلته إلى مناطق آمد (ديار بكر) في شمالي كردستان: ” فتمادى سيرُنا أوّلَ الظهر، ونحن على أُهبة وحَذَر من إغارة الأكراد الذين هم آفة هذه الجهات من الموصل نِصِيبين مدينة دُنَيْصِر، يقطعون السبيل، ويسعون فساداً في الأرض، وسكناهم في جبال منيعة على قرب من هذه البلاد المذكورة، ولم يُعِن اللهُ سلاطينَها على قَمْعهم وكَفِّ عادِيَتهم، فهم ربما وصلوا في بعض الأحيان باب نِصيبين، ولا دافعَ لهم ولا مانعَ الا الله عز وجل “. (ابن جُبَيْر: رحلة ابن جُبَيْر، ص 215).
• ” قال أبو دلف: دخلتُ على الرشيد وهو في طارِمة [= بيت كالقبة من خشب] على طِنْفِسة، ومعه عليها شيخٌ جميلُ المنظر [هو العبّاسُ بن الحسين بن عُبَيد الله بن العبّاس بن علي بن أبي طالب]؛ فقال لي الرشيد: يا قاسم، ما خَبَرُ أرْضك؟ فقلت: يا أمير المؤمنين، خَرَابٌ يَبَاب، أَخْرَبَها الأَكراد والأعراب. فقال قائل: هذا آفةُ الجبل، وهو أفسده “. (الحُصْري القَيْرَواني: زهر الآداب وثمر الألباب، ج 1، ص 90 – 91). وذكر ابن حَمْدون الخبر ذاته في كتابه (التذكرة الحمدونية، ج 2، ص 197)، ويُفهم منه أن أرض أبي دُلَف كانت تقع في منطقة إقليم كردستان – العراق.
• ” كان رُكن الدولة أبو الحسن علي بن بُوَيْه ضعيف السياسة على خير فيه وكَرَم طبع، فخرجت له بغال للعلف، فقطع عليها اللصوص وأخذوها، فلما أُخبر بالحال قال: كم كانت البغال؟ فقيل: ستة. قال: واللصوص؟ قيل: سبعة. قال: الآن يختلفون، كان ينبغي أن تكون البغال سبعة حتى تصح قسمتها بينهم. وذُكر له أكراد قطعوا الطريق، فقال: وهؤلاء الأكراد أيضاً يحتاجون إلى خبز ومعيشة “. (ابن حمدون: التذكرة الحمدونية، ج 1، ص 464).
تعليق: إن الملك البُوَيهي وضع النقاط على الحروف كما يقال، وصرّح بما أخفاه الآخرون؛ فالأكراد الذين كانوا يمارسون قطع الطرق لم يكونوا يفعلون ذلك من باب الهواية واللهو، وإنما لأن سبل الحياة كانت قد سُدّت في وجوههم، ولم يبق أمامهم سوى فرض الغرامات على التجار الذين كانوا يضطرون إلى المرور من جبال كردستان، لنقل البضائع شرقاً وغرباً.
إن افتقار المناطق الجبلية إلى الأراضي الصالحة للزراعة، وتهميش المناطق الكردية بشكل عام، وسيطرة السلطات على حركة التجارة، ونقمتها على الكرد؛ هذه العوامل جميعها قذفت بالكرد بين براثن الفاقة والحرمان، وووضعته أمام خيار وحيد، هو الاعتماد تحصيل أسباب الحياة بالقوة.

النفاق والكفر
• ” ولما دخل الأكراد مدينة السلام مع أبي الهَيْجاء، واجتازوا بباب الطاق، قال بعض المشايخ من التجّار: هؤلاء الذين قال الله تعالى في كتابه: (الأكرادُ أشدُّ كُفراً ونِفاقاً). فقال له إنسان: يا هذا، إنما قال الله (الأعرابُ). قال الشيخ: يا سبحان الله! يقطع علينا الأكراد، ونكذب على الأعراب “؟! (الآبي: نثر الدر، ج 2، ص 114).
• ” سُمع رجل يقرأ: الأكرادُ أشدُّ كُفراً ونِفاقاً. فقيل له: ويحك، الأعرابُ. فقال: كلُّه يقطع الطريق “. (الزَّمَخَشَرِي: ربيع الأبرار وفصوص الأخبار، ج 1، ص 364).
• ” سمع رجل يقرأ: (الأكرادُ أشدُّ كُفراً ونِفاقاً). فقيل له: ويحك! (الأعرابُ). قال: كلُّهم يقطعون الطريق “. (ابن حمدون: التذكرة الحمدونية، ج 9، ص 419).
• سئل ابن تَيْمِيَة بشأن جواز قتال التتار الذين أظهروا الإسلام، وقاتَلوا المسلمين، فقال: ” وَأَمَّا هَؤلاءِ فَدَخَلُوا فِيهِ وَمَا الْتَزَمُوا شَرَائِعَهُ. وَقِتَالُ هَذَا الضَّرْبِ وَاجِبٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، وَمَا يَشُكُّ فِي ذَلِكَ مَنْ عَرَفَ دِينَ الإِسْلامِ وَعَرَفَ حَقِيقَةَ أَمْرِهِمْ؛ فَإِنَّ هَذَا السِّلْمَ الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ وَدِينَ الإِسْلامِ لا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا. وَإِذَا كَانَ الأَكْرَادُ وَالأَعْرَابُ، وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْبَوَادِي الَّذِينَ لا يَلْتَزِمُونَ شَرِيعَةَ الإِسْلامِ، يَجِبُ قِتَالُهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَتَعَدَّ ضَرَرُهُمْ إلَى أَهْلِ الأَمْصَارِ فَكَيْفَ بِهَؤُلاءِ “؟! (ابن تيمية: مجموع فتاوى ابن تيمية، ج 6، ص 425).
• قال الصارم مرجى بن بتاه البطائحي يهجو الأَكراد:
لقد عرَضَ الأَكرادُ جيشاً عَرَمْرَما
كفى اللهُ ربُّ النّاسِ شَرَّهُمُ البَـقّا
إذا رَكِبوُا واْستَلأَمُوا خِلْتَ أنَّهـم
ذُبـابٌ إذا ما كان أكثرهُم زُرْقا
وما خَلقَ اللهُ الذُّبــابَ لحاجةٍ
إليها، ولكنْ كي يَغِيظَ بها الخَلْقا ”
(العماد الأصفهاني: خريدة القصر وجريدة العصر، ج 1، ص 253).

المراجع
1. الآبي: نثر الدُّر، كتاب إلكتروني، موقع الوَرّاق، http://www.alwarraq.com
2. ابن الأَثير: الكامل في التاريخ، دار صادر، بيروت، 1979.
3. البَلاذُري: فتوح البلدان، تحقيق رضوان محمد رضوان، دار الكتب العلمية، بيروت، 1978.
4. التَّنُوخي: الفرج بعد الشدة، تحقيق عبود الشالجي، دار صادر، بيروت، 1978.
5. ابن تَيْمِيَة: الفتاوى الكبرى، تحقيق محمد عبد القادر عطا ومصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1987.
6. ابن تيمية: مجموع : مجموع فتاوى ابن تيمية، كتاب إلكتروني، موقع الإسلام، http://www.al-islam.com
7. الثَّعالِبي: يتيمة الدهر، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الفكر، بيروت، الطبعة الثانية، 1973.
8. ابن جُبَيْر: رحلة ابن جبير، دار صادر للطباعة والنشر، دار بيروت للطباعة والنشر، بيروت، 1964.
9. الإمام أبو حامد الغَزالي: إحياء علوم الدين، دار المعرفة، بيروت، 1982.
10. الحُصْري القَيْرَواني: زهر الآداب وثمر الألباب، تحقيق علي محمد البجاوي، دار إحياء الكتب العربية، القاهرة، 1970.
11. ابن حمدون: التذكرة الحمدونية، تحقيق إحسان عباس، وبكر عبّاس، دار صادر، بيروت، 1996.
12. الذَّهَبي: العِبَر في خَبر مَن غَبَر، تحقيق أبو هاجر محمد السعيد بن بسيوني زغلول، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1985.
13. الراغب الأَصْبَهاني: محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء، د. م، د. ن، 1970.
14. الزَّمَخْشِري: ربيع الأبرار وفصوص الأخبار، تحقيق الدكتور عبد المجيد دياب، والدكتور رمضان عبد التوّاب، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1992.
15. الطبري: تاريخ الطبري: تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعارف، القاهرة، الطبعة الرابعة، 1979.
16. ابن عَساكر: تاريخ مدينة دمشق، تحقيق محبّ الدين أبو سعيد عمر بن غرامة العَمروي، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق، 1995.
17. العماد الأصبهاني: خريدة القصر وجريدة العصر، كتاب إلكتروني، موقع الوَرّاق، http://www.alwarraq.com
18. ابن كَثِير: البداية والنهاية، دار ابن كثير، بيروت، 195.
19. المَسْعُودي: مروج الذهب ومعادن الجوهر، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، دار المعرفة، بيروت، 1982.
20. المُطَرِّّزي: المُغَرِّب في ترتيب المُعَرِّب، دار الكتب العلمية، بيروت، 1980.
21. المِناوي: فيض القدير في شرح الجامع الصغير من أحاديث البشير النذير، تحقيق حمدي الدمرداش محمد، مكتبة نزار مصطفى الباز، مكة المكرمة، الطبة الأولى، 1998.
22. ياقوت الحَمَوي: معجم البلدان، تحقيق فريد عبد العزيز الجندي، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1990.
23. اليَعْقوبي: البلدان، كتاب إلكتروني، موقع الوَرّاق، http://www.alwarraq.com

وإلى اللقاء في الحلقة الثالثة عشرة
د. أحمد الخليل في 15 – 3 – 2009
dralkhalil@hotmail.com

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مَنْ حل البدْوَ من العرب وغيرها من الأمم المتوحشة كالترك والكرد والبِجَةِ والبربر، ومن تقطن بالبراري وقَطَنَ الجبال، والعلة الموجبة لذلك من فعلهم.
(مروج الذهب، ج 2، ص 118)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تعليق: الجاحظ (عمرو بن بَحْر) زنجي الأصل، كِناني الوَلاء (بالكردية كِرِيف Kirif)، وهو ممثّل قدير لثقافة القرن الثالث الهجري (10 ميلادي) في غربي آسيا، وقد جمع في كتاباته الغزيرة جداً- وببراعة ناردة المثال- بين ثلاثة أمور؛ تبدو متباعدة في الظاهر، لكنها متكاملة من حيث الجذور والمنطلقات: رأي السلطة الحاكمة، ورأي النخبة المثقفة، والرأي الجماهيري العام. ومن هنا تأتي أهمية آرائه وتعليقاته.
وفي كتابه الضخم (رسائل الجاحظ) رسالة (فصل) طويلة بعنوان (فضل التُرك)، صبّ فيها جهوده على الإشادة بالعنصر التركي: شكل التركي، سيكولوجيا التركي، خلق التركي، خيل التركي، أسلحة التركي، وكل ما يتعلق بالتركي في المجال العسكري، وفضّل الترك على بقية الشعوب على الفرس والكرد والبَرْبَر (الأمازيغ) صراحة، وفضّلهم ضمناً على العرب لكن دون ذكر اسمهم.
وتتضح خفايا إقبال الجاحظ على تخصيص الترك برسالة مديح دون الفرس وغيرهم من مكوّنات الدولة العباسية إذا عرفنا الحالة السياسية حينذاك، فالمعروف أن الفرس والكرد المتفرّسين ثقافياًٍ (أمثال البرامكة، وربما أبو مسلم الخراساني أيضاً) كانوا وراء إسقاط الدولة الأموية، وإيصال البيت العباسي الهاشمي إلى منصب الخلافة، وكان من الطبيعي أن يكون للفرس والمتفرسين دور كبير في هرم السلطة إلى جانب الخليفة العباسي، والدليل على ذلك أن معظم الوزراء كانوا من هذه الشريحة.
لكن بين حين وآخر كان بعض الخلفاء العباسيين يستخدمون كل أساليب البطش والدهاء والمكر للحد من النفوذ الفارسي، والفتك بالوزراء والقادة منهم، فاغتيل أبو سَلَمة الخلاّل (أول وزير عباس متفرّس) في عهد الخليفة الأول أبي العباس السفّاح، وفتك المنصور بأبي مسلم الخراساني، وفتك هارون الرشيد بالبرامكة، وهكذا.
ومع وصول المأمون إلى الخلافة، بدأ بإقصاء الفرس والمتفرسين
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
• شهرزور: ” كورة واسعة في الجبال بين اربل وهمذان، بها قرى ومدن، أهلها أكراد قطاع الطريق؛ قال مسعر بن هلال: بلدهم ينشئ ستين ألف بيت من الأكراد ص (397)، وقصبتها دزران… يُنسب إليها طالوت الذي بعثه الله ملكاً إلى بني إسرائيل… ” . / القزويني: آثار البلاد وأخبار العباد، ص 398.
• تت إلا أن الأَكراد في جبال تلك النواحي على عادتهم في إخافة أبناء السبيل وأخذ الأموال والسرقة ولا ينهاهم عن ذلك زجر ولا يصدُهم عنه قتل ولا أسر وهي طبيعة الأكراد معلومة وسجية جباههم بها موسومة وفي ملح الأخبار التي تكْسَعُ بالاستغفار أن بعض المتظرفين قرأ قوله تعالى: الأكراد: أشدُ كُفراً ونفاقاً فقيل له: إن الآية ” الأعراب أشد كفراً ونفاقاً ” التوبة: 97، فقال: إن الله عز وجل لم يسافر إلى شهرزور فينظر إلى ما هنالك من البلايا المخبآت في الزوايا وأنا أستغفر الله العظيم من ذلك وعلى ذلك، وقد خرج من هذه الناحية من الأجلَة والكبراء والأئمة والعلماء وأعيان القضاة والفقهاء ما يفوت الحصر عنُه ويعجز عن إحصائه النَفس ومده وحسبك بالقضاة بني الشهرزوري جلالة قدر وعظم بيت وفخامة فعلٍ وذكر اللذين ما علمت أن في الإسلام كله ولي من القضاة أكثر من عدتهم من بيتهم وبنو عَصرون أيضاً قضاة بالشام وأعيان من فرق بين الحلال والحرام منهم وكثير وغيرهم جداًَ من الفقهاء الشافعية والمدارس منهم مملوءَة، معجم البلدان – (ج 3 / ص 69- 70)