الرئيسية » شؤون كوردستانية » ألهجرة المليونية للشعب الكوردي… آذار 1991

ألهجرة المليونية للشعب الكوردي… آذار 1991


البرلمان العراقي الاصدار رقم 321
——————————————————————————–

ثمانية عشرة عاما مرَّت على اهم صفحة من صفحات نضال الشعب الكوردي، انها هجرة مئات الآلاف من الكورد قاربت المليونين في 31 آذار 1991 والنزوح الجماعي للعوائل الكوردية نحو الحدود العراقية التركية الايرانية، نحو المجهول،
تاركة ارضها وسكنها وما تملك، هائمة على وجوهها سيرا على الاقدام، قاطعة مئات الكيلومترات في ارض جبلية وعرة مرهقة، يعانون من البرد والجوع والخوف من الموت الذي يلاحقهم والمصير المجهول، هاربة من بطش الطاغية وزبانيته المسعورين وجنوده، فلهم معهم تجارب ومآسي مروعة، فها هي انفالاتهم القبيحة لم تلتئم جروحها بعد، وها هي حلبجة لازالت رائحة سمهم تخنق انفاسها، حتى جنكيزخان وهولاكو لم يفعلا ما فعل جلاد العراق، الوحوش الجائعة عادت وكشرت عن انيابها مرة اخرى، توعدت وتحركت… لتخمد انتفاضة شعب اراد ان يتنفس بملأ صدره هواء الحرية بعد ان خنقه المتسلطون، اراد ان يتذوق طعم الحرية كبقية شعوب الارض بعد ان استعبده الاخرون واهانوا كرامته وانكروا عليه هويته و وجوده.
لم تكن هذه الهجرة هروبا من الموت طلبا للنجاة والحياة بقدر ما كانت هروبا من حياة ذليلة سيعيشونها تحت ظلم الطاغية وانتقامه الى الحياة بحرية وان كانت بالتشرد في ارض الله الواسعة.
فبعد ان انتفض الشعب الكوردي في 631991 وامتدت الانتفاضة في الايام التي تلتها لتشمل جميع المدن والقصبات والقرى بعد فشل صدام باحتلال الكويت وهزيمته منها، كانت الانتفاضة اشبه بكسر ابواب سجن كبير والخروج منه بعد ترنح السجّان وضعفه، فرحة عارمة غمرت الناس، انها السعادة التي يشعر بها الانسان عندما يرى سقوط الظالم وفرصة الانعتاق من عبوديته المقيتة.
فمن طيبتهم وسعادتهم تلك، لم يفكروا حتى بالانتقام، القطعات العسكرية الموجودة هناك بعد ان تفرقت وهربت لم تجد غير هؤلاء الناس لهم ملجأ ومأوى، وحتى في بعض المدن التي بقيت تحت سيطرة قيادة النظام كالموصل، تمكنت اعداد من الكورد بالخروج منها والالتحاق بالانتفاضة المباركة والمشاركة فيها، وقيام النظام البعثي باعتقال اعداد كبيرة من الرجال والشباب الكورد من سكنة هذه المدينة وحجزهم في معسكرات وقواطع الجيش الشعبي في حمام العليل والسلامية، والقيام بتبليغ المواطنين الكورد بواسطة مكبرات الصوت لسيارات الشرطة والرفاق الحزبيين، طالبين منهم بالخروج الفوري من المدينة وخلال (24 ساعة) والا فسيكون مصيرهم الموت المحقق، ولم يستثنى من هذا الامر احدا حتى عوائل الاسرى والمفقودين والشهداء الكورد اللذين زج بهم صدام في حربه مع ايران، خرج اغلبهم وهربوا الى المدن الكوردية الاخرى لينضموا بعدها الى الهجرة الجماعية في رحلة المليون، أي خوف وأي قلق يصيب الانسان حين يعيش هذه الاحداث، لايمكن تصور هولها على النفس البشرية الا من عاشها و وقع تحت كابوسها ورأى مأساتها وعانى من بؤسها.
لم تدم الفرحة بعد الانتفاضة طويلا، ان رأس الافعى لازالت سالمة، ولازالت بعض قواته من الحرس الجمهوري بكامل عدتها وعددها تحت امرته ورهن اشارته، ورأى الناس ماذا فعل المجرم وبقايا قواته بانتفاضة الجنوب! فكيف سيكون انتقامهم من الكورد؟
خرجوا عن بكرة ابيهم بعد ان تقدمت قوات الدكتاتور وبدأت بقصف المدن الرئيسية وما حولها بالمدفعية البعيدة المدى، ولم يبق الا كبار السن والعجزة ومن فوض امره الى الله تعالى وبقى في داره، رجال ونساء اطفال وشيوخ بمئات الآلاف تركوا مساكنهم، وما اصعب على الانسان حين يترك داره ومعه عائلته لا يحملون معهم غير اشياء ضرورية بسيطة وقد يتركونها في منتصف الطريق بعد ان ينال منهم الجوع والارهاق، وحتى اللذين هربوا بسياراتهم تركوها في الطريق اما لنفاذ الوقود او لوعورة الطرق والزحام، فكان كيوم الحشر حين يسير الناس افواجا لا ترى لها بداية و نهاية، قدر شعب مسالم كتب عليه العذاب والقهر وردَّ على اخلاصه وامانته بالخيانة والغدر.
قامت قوات من البيشمركة التي تجمعت خلال ايام الانتفاضة بمجابهة قوات صدام في عدة محاور وتمكنوا من عرقلة تقدمها نحو الجموع البشرية النازحة عبر الجبال، شهران من الزمن قضتها هذه الاعداد الكبيرة من الناس منذ بداية هجرتهم تلك وعودتهم، قضوها بالسير في الطرق الجبلية وفي العراء يفترشون الارض والصخور بين البرد وقلة الطعام والمرض ومحظوظ من تمكن من جلب بعض الاغطية والفرش والطعام معه.
بعد وصولهم الى داخل الحدود الايرانية والتركية، حيث كان الناس قد اتجهوا في اتجاهين، مجموعات توجهت الى حدود ايران، وكانت اكبر هذه التجمعات في منطقتي (زيوه) و(نغده)، ومجموعات توجهت الى حدود تركيا وكانت اكبر هذه التجمعات في منطقة (جلى)، قدمت لهم بعض الدول والمنظمات الانسانية مساعدات من اغذية وخيام وعلاج طبي. لقد سقط الكثيرون من هؤلاء الناس وماتوا نتيجة الظروف القاسية التي مرّوا بها، فاختلطت دماؤهم بدماء شهداء حركة التحرر الكوردية اللذين سقطوا دفاعا عن وطنهم وكرامتهم، فرَوت هذه الدماء الزكية ارضهم الطاهرة، قائلين للمتسلط الظالم… لن ندعك تسلبنا حريتنا بعد الآن مهما كان الثمن.
وفي منتصف شهر مايس من نفس العام صدر قرار مجلس الامن الدولي المرقم (688) بأنشاء منطقة آمنة للكورد في كوردستان العراق شمال خط العرض (36)، طردت منها قوات الجيش العراقي.
وهكذا بدأت هذه الملايين البشرية برحلة العودة الى مساكنها وممتلكاتها والتي اغلبها كانت قد سرقت ونهبت.
فتحية اجلال واكبار لانتفاضتك وهجرتك ايها الشعب الابي الطيب، فما ننعم به الان من عبق الحرية انما هي ثمرة تلك الانتفاضة وتلك الهجرة والتضحيات التي قدمتها، وتحية حب وتقدير لكل مخلص وامين يقود مسيرتك الى بر الامان، وسيدوم نضالك وثورتك على كل من ينكر ويسرق حقك حتى تناله واِن كان الشوك يملأ طريقك.
* * *
حسين بلاني
3032009
31/03/2009