الرئيسية » شؤون كوردستانية » حـول مـقـولـة ” أنا كوردي، ولكنني لست من القوميين الكورد “

حـول مـقـولـة ” أنا كوردي، ولكنني لست من القوميين الكورد “

ترجمة عن الكوردية : جان ايزيدخَلو*

إنّ مقولة “أنا كوردي، ولكنني لست من القوميين الكورد” تُعتبَر من الشعارات التي يردّدها المثقفون الكورد في أكثر الأحيان، فهم يردّدونها للدفاع عن أنفسهم مثلا في فروع الأمن وأمام القضاة والمحاكم وفي السجون وأيضاً أمام الإعلام الذي يمثّل دائما الإيديولوجية الرسميّة، وكما يردّدونها أيضاً أمام المؤسسات المدنيّة و…الخ. إنّ محتوى هذا الشعار ليس واضحا. إنّ هذا الشخص الذي يدافع عن نفسه بهذا الشعار، لا يمكن للمرء أن يتكهّن فيما إذا كان يطالب بأي من حقوق الكورد أم لا.
إنني أعتبر المرافعة أو الدفاع عن النفس بهذا الشكل، أي أنّ الشخص الذي يقول “أنا كوردي، ولكنني لست من القوميين الكورد”، يريد أن يقول للآخر: “أنا كوردي، ولكن ليس لي علاقة بأي من اللغة والثقافة والحقوق الكوردية، ولا أدافع عنها ولا أسعى إلى حمايتها”. إنّ النظرة الرسمية تعتبر الكورد تركاً وتحاصر وتمنع اللغة الكوردية كي لا تُستخدم في المجالين السياسي والفكري. فهو يريد أن يقول بهذا الشعار: أنا لست ضد هذا أيضاً.
إنّ قسم من الكورد الذين ينادون بهذا الشعار يرفضون هذا التحليل، بل يعملون ما بوسعهم كي يُظهروا بأنّهم يطالبون بالكثير من حقوق الكورد. يقول “لست من القوميين الكورد، ولكنني أطالب بالكثير من الحقوق الكوردية …” ويقولون أيضاً “إنني أطالب بالكثير من الحقوق اللغوية والثقافية للكورد، ولكنني أناهض العنصريّة، أنا ضد الفاشيّة والتخلف، أنا أمَمي، أنا ماركسي، أنا …” وهنا تتعقد المسألة أكثر. فمثلا نلاحظ ظهور مُصطلحَيْ “عنصريّة الكورد” أو “عنصرية الأقليّة”.
من المهم جداً أن نتعرّف على حقيقة مطالبة هؤلاء بأي حقوق من حقوق الكورد، يجب أن نهتم بهذه المسألة ونبحث فيها لنعلم كيف يُوجِدونَ مُصطلحَيْ “عنصريّة الكورد” أو “عنصرية الأقليّة” وكيف يُدخلونها في أذهان الكورد. لنتساءل هل يوجد كوردي واحد يقول “كم أكون فخوراً عندما أقول أنني كوردي” أو “كوردي واحد يُعادل الدنيا برمتها”؟ هل يوجد كوردي يريد أن يعمل على صهر الترك والعرب والفرس والأرمن والآشوريين ويجعلهم كورداً؟
أنا كشخص لم أرى أي كوردي يحمل هذه الأفكار، ولكنني رأيت الكثير من الكورد الذين يقولون “أنا كوردي، ولكنني لست من القوميين الكورد”. إنّه من الصعب الدخول في مناقشة جديّة مع الأشخاص الذين يحملون هذه الأفكار. على الرغم من أنّ هذا الشعار لا يحمل أي محتوى واضح، فإنّ مجرد التفوّه به يريح الإيديولوجية الرسمية، كما
أنه يروّح عن مؤازري تلك الإيديولوجية أيضاً. إنّ الأشخاص الذين يصرّحون بهذا الرأي، لا يستطيعون أن يقولوا شيئا جديّا.
لنفترض أنّ هناك مجموعة أو فئة من الكورد تريد أن تعمل على صهر العرب والفرس والترك والأرمن والآشوريين و…الخ. هل سيكون ذلك أكثر من مجرد رغبة رومانسية ومؤقتة؟ ذلك لأن الكوردي لا يملك أي مؤسسات قوية مُقتدرة، وأيضاً لا يملك الآلية البيروقراطية كي يستطيع أن يلبي ما يريد. إنّ الآليات والمؤسسات التي يستخدمها كل من العرب والفرس والترك لصهر الكورد مثلا الآليات والمؤسسات ذات الأدوات المُهيمنة مثل بيروقراطية الدولة والأحزاب السياسية والشرطة والعسكر والجيش، وأيضاً المحاكم والسجون والإعلام والمؤسسات المدنية و …الخ. هل يملك الكورد أي من هذه الإمكانيات؟ هل يملك الكورد أي من هذه المؤسسات؟ وبالرغم من كل ذلك كيف يمكن للعقل الكوردي أن يحوي شعارات مثل “أنا ضد العنصرية الكوردية”؟ فهل هناك أي مسعى للكورد غير أن يُقلصوا من ظلم السلطات العربية والفارسية والتركية وان يُبرزوا قيَمهم القومية؟
يتم الإشارة إلى “تخلف الكورد”، فمن هي القوى التي تحافظ على نظام المشيخة والآغواتية والعشائرية وتساندها؟ هل هناك أي مساعدة جادة من جانب مؤسسات المشيخة والآغواتية والعشائرية للحركة القومية المرتبطة بالحركة التحررية الكوردية “الكوردايتي”؟ ولكننا نلاحظ بشكل واضح أنّ حركتي الجحوش وحماة القرى(1) قد بُنيت ووُضِعت أسسها على أرضية هذه المؤسسات.
لنتذكر الربع الأول من القرن العشرين، أي في عهد فرقة الاتحاد والترقي في عشرينات القرن الماضي وفي الفترة التي كانت تنتعش فيها النزعة القومية التركية. إنّ انتعاش النزعة القومية التركية قد استمر في تطوّره إبان عهد الجمهورية أيضاً. وكما هو معلوم، فان الجمهورية تصف نفسها على أنها دولة أحادية تقوم على أساس القومية التركية. ففي هذه الأيام، نلاحظ أنّ الأحزاب السياسية في تركيا والأحزاب السياسية التركية هي عبارة عن أحزاب سياسية تركية متطرّفة. هذه الأحزاب تتبع سياسة قومية متطرّفة دون التفوّه بها. فمثلا عدم التطرّق إلى الثقافة واللغة الكوردية هو من البرامج المشتركة للحكومات والأحزاب السياسية التركية، فهم دائما يؤيدون سياسة الصهر المتبعة بحق الكورد. عندما نذكر “التطرف القومي التركي” فهذا لا يعني أن نفهم هذا المصطلح ضمن معنى “الطورانية”. ولكن أكان في الربع الأول من القرن العشرين، أي في الفترة الأخيرة من عهد الإمبراطورية العثمانية، أو في عهد الجمهورية، فإن الإيديولوجية الرسمية قد أعلت من شأن “القومية التركية” و أعطت بعدا ايجابيا لـ “القومية التركية” وبعدا سلبيا لمُصطلح “القومية الكوردية”. إنّ الإيديولوجية الرسمية تعتبر إنكار الكورد واللغة الكوردية شيئاً طبيعياً جداً، ولا ترى ضمن هذا السياق أي شيء غير قانوني أو غير شرعي. فهي لا تقبل أن تُسمى هذه الممارسات بالعنصرية، في حين نلاحظ أنّ كل الذين يذكرون الكورد أو اللغة الكوردية وكل الذين يطالبون بالحقوق اللغوية-الثقافية للكورد يُتهمون على أنهم “عنصريون”. أياً كان انتماء هؤلاء الأشخاص يمينيين أو ليبراليين أو يساريين أو حتى ماركسيين، فإنهم يُتهمون على أنهم “عنصريون”. فهم يعتبرون سياسة الإنكار المتبعة بحق الكورد سياسة شرعيّة بل وعصريّة أيضاً، في حين أنّ الكورد الذين يقاومون الظلم ويحاولون أن يَحيوا بقيمهم القومية والذين يذكرون الحقوق الكوردية يُنتقدون ويُتهمون على أنهم “عنصريون”. هذا الموقف له تأثير كبير على الكورد، فعوضاً عن أن يَنتقد الكورد موقف الدولة هذا، يلتجؤون إلى الدفاع عن أنفسهم ويقولون: “نحن ضد العنصريّة”. أساساً مَن هي الجهة التي تُمارس العنصريّة؟ يجب أن يُبحث هذا النوع من الاتجاهات من الناحية النفسية أيضاً.
إنّ شعار “أنا كوردي، ولكنني لست من القوميين الكورد”، يُستبدل أحيانا بعباراتٍ أخرى، مثل “أنا لست من القوميين، أنا يساري، أنا أممي … ” فإذا علمنا حقيقة الوضع الحالي، نجد أنّ الكورد لا يزالون غير قادرين على تسمية أبنائهم بأسماء كوردية. إنّ الكورد، ورغم عددهم الذي يُقدّر بالملايين، لا يملكون أي تمثيل أو أي هويّة في المنظمات الدوليّة مثل الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والبرلمان الأوروبي ومنظمة المؤتمر الإسلامي.
(1) يُقصد بـ “الجحوش وحماة القرى” المرتزقة الكورد الذين ساعدوا ويساعدون المحتلين في حربهم ضد الشعب الكوردي وضد أبنائهم وبناتهم من البيشمركة والكريلا الكوردية.

هذا المقال منشور بنصّه الأصلي في مجلة «Esmer» عدد: 14 ، شباط/فبراير 2006

(*)
• النص الأصلي منشور في مجلة «Esmer» عدد: 14 ، شباط/فبراير 2006، و الترجمة الكوردية من قِبل الأخ روشان لازكين منشور في www.peyamazadi.org .
• النص مُترجُم عن الكوردية ومقارَن مع التركية، وبموافقة واطّلاع الدكتور اسماعيل بيشيكجي.