الرئيسية » بيستون » الفيليون وحكومة النعيم

الفيليون وحكومة النعيم

ان حملات التطهير تمثل أقصى درجات الجريمة ضدّ الإنسانية في زمن الحروب أو عهود حكم السلطات الفاشية وأن التهميش ما هو إلا الخطوة الأولى لهذا التطهير ، وحتى لو كان جزئيا” ومحدودا” وهو اليوم يمثل منتهى الاستبداد والتعسف وبالخصوص إذا مارسه من كانوا أخوان لنا في سنوات المحنة والحصار وفي وقت يفترض أن يكون ترجمة لأحلامنا المشتركة بالحرية ودولة العدل والمساواة وشعاراتنا التي ( كانت ) مقدّسة .
لقد ولّت الدولة الأيدلوجية المغلقة وكانت هي الحاكم المستبدّ وكانت أبشع ما عرفه العالم والتي ما كانت لتزول لولا فعل (القدر) في تلاقي القوى ذات المصالح والإرادات المشتركة ، وما زال البعض ولحدّ الآن يحاول ( إلغائنا ) وتناسى إننا رغم عهود طويلة من هذه الممارسة وبأبشع صورها وعلى أيدي أشدّ الحكام استبدادا” وتعطشا” للدماء ، أقول : إننا مازلنا هنا أو بالأصح ………..إن ما هنا مازال موجودا” لأننا فيه .
متى سيتعلم قادة الوطن من التجارب والتاريخ شيئا” إيجابيا” وفريدا” ( لنجرّبه) وهو إن السلام يعتمد على العدل الاجتماعي…… كي ننسى آلامنا …..ولو لفسحة من الزمن .
إن الكورد الفيليون يجدون اليوم إن تمييزا” موجها”ضدّهم كان وما زال يطبّق وفق برنامج منظم ومعدّ مسبقا”ولم يكن هذا الشعور نابعا” من محض الخيال أو المبالغة لأن المؤشرات كثيرة ومسلسل الإقصاء مازال مستمرا” وبصور جديدة ، ولقد تراكمت لدينا من المظالم ما لم تكن من قبل لشعب لأي شعب في العالم وحتى انه يفوق ما لاقاه السود من التمييز العنصري وما لاقاه الهنود الحمر في أميركا وما لاقاه اليهود إبان المحارق المزعومة في العهود النازية.
إن كل المنتفعين من السلطة السابقة كانوا قد شاركوا في سلبنا والفتك بنا وامتصوا من دمائنا الكثير ( بشكل أو بآخر) وهذه الفئات هي نفسها اليوم تعاود الكرّة مع ( البعض ) الآخر ممن ساهم أو حاول أن يساهم في ( التغيير ) وما زال دورنا في السلطة والإدارة محظور ( وبخندق ) أحمر هذه المرة فلا اعتبار اليوم للخطوط .
أليست الحروب ونتائجها تمتحن استعداد ومصداقية الأمم والجماعات وحتى الأفراد في استغلال الموارد وممارسة السلطات والنظريات وتضع عناوينها وشعاراتها على المحك المباشر ..؟ ترى أين الجميع من هذا كلّه . إن نظرة سريعة لتاريخ الحروب في العالم توضّح أمرا” يكاد يكون القاعدة وهو ( إن الحرب تدعم الوحدة الوطنية ) للمجتمعات الضحيّة وأحيانا” حتى للذين شنّوا الحرب أما في العراق ” ……. فقد توحدت كل القوى ومن مختلف الأحزاب والمذاهب السياسية في حربها على شعبنا من خلال نسيان البعض وتعمد إقصاء الآخر ، لا بل وصل الأمر إلى أن يمنع آخرين أي محاولة للملمة البيت ألفيلي والعمل على إحباط الآمال ووأد كل الخطوات التي تهمّ بهذا الاتجاه .
لقد توحد شعبنا بدوره بتلقي الاحباطات التي كان وقعها عليه اشدّ من المفخخات والموت .




أخوتنا في الوطن …. نودّ أن نقول :
لقد أنفقتم الكثير من الأسى والدموع على ما تعرّضنا له وما قدّمناه من ضحايا ، إن هذا التظاهر بالبكاء على مظلوميتنا قد تجاوز مرحلة المتاجرة السياسية وكسب التعاطف والحلفاء الى مرحلة التهميش ، لا بل وصل للتسقيط والاستهانة والاستخفاف وزيادة التنكيل وهذا من خلال بعد المتاجرة بجراحاتنا القديمة والتي كاد بعضا أن يلتئم ولو بصورة مشّوهة .
وعلى ما يبدوا من هذا كلّه إن محرقة الحرب لم تأتي على كل أشكال الديناصورات ولم تجدي نفعا” في تفكيك برنامج الاستنساخ الذي تتوالد من خلاله . كما إن أعادة بناء مجتمع المواطنة على قواعد أخلاقية عادلة وسليمة وبالشكل الذي كنا نحلم ستكون غير ممكنة …. ومستحيلة…………حتى لو لبثنا في الكهف ثلاث مائة من السنين وازددناها تسعا” .
لقد بات واضحا” أن النتيجة الحتمية و( الخاسر الأكبر) هم الفيليون……
ففي القرون الأخيرة وفي كل نتائج الحروب التي قامت في المنطقة سواء كانت دفاعية أو تحرير أو احتلال كان أبنائنا أول وأكثر الضحايا وكانت أراضينا هي المسرح الرئيسي لهذه الحروب والمقصود الأول بالتقسيم والمصادرة والنزوح والتهجير الجماعي الموجّه لأبنائها وتدمير البنى التحتية وقتل المزارع وتغيّير المسميات والمعالم العمرانية والطبيعية منها .
ومن المعلوم إن لنتائج الحروب أبعاد جغرافيّة أيضا” فقد غيّرت الحروب الجغرافيا السياسية وبشكل واسع في أوربا بعد الحرب العالمية الأولى والمعاهدات التي تمّت على أثرها . وأن هذه التغيرات للجغرافيا السياسية الناشئة عن الحروب ( وتسويات ) ما بعد الحرب تبدوا متشابهة عموما” مع واقع حال شعبنا” والذي وجد أبنائه أنفسهم مشتتين على عدّة مسميات سياسية جديدة ولم يكن هو واحدا” منها…..! أو أكثرية في أحداها على الأقل …..! ، ولا يخفى ما ترتب على ذلك من سلب للحقوق وبأشكال مختلفة وضياع الحريات بدرجات متفاوتة كحاصل التحصيل .
إن الشلل الزاحف في أغلب مفاصل الدولة التي تديرها أحزاب ( كانت ) في فترة التيّه جماهيرية لهو مؤشر كبير على بداية سقوط هذه الأحزاب في دائرة المصالح الذاتية أولا ثم السقوط جماهيريا” في المرحلة الثانية وهو أحد نتائج ممارساتها للتسلط وإقصاء البعض وتحجيم الآخر .
قد يكون من حقائق ما أفرزته السنوات القليلة المنصرمة أن الغزو والهزيمة كانا ضروريين لأحداث تحول سياسي كبير وهذا ما أظهرته القوى السياسية المختلفة على الساحة من خلال ضعفها الكبير وعجزها التام أحيانا” أخرى وهو ما بدا واضحا” من الأساليب وردّات الفعل التي قامت بها والتي توحي بضعف القرار والتشتت وعدم الانسجام في ما بينها وزيف أدعائها بامتلاك عصا موسى وخاتم سليمان والحل الأنجع لكل المشاكل . ولم تولّد سياساتها إلا تنظيمات مصغرّة ما هي إلا تكرارا” مقزما” للنظام المقبور والتي لا تلبث أن تتعملق علينا في أي فرصة سانحة ، وفي معطيات الواقع القريب الكثير من المؤشرات على ذلك .

لقد استفادت مجموعات اجتماعية مختلفة وفي مناطق مختلفة من مشاركتها وأخرى من عدم مشاركتها أو معارضتها………! ولا عجب في عملية التغيير السياسي وقد ربح الجميع بطريقة وأخرى ، وبشكل رئيسي أذا ما قورنوا بالضّحية الجاهزة على الدوام ونعني بها الكورد الفيليين والتي تخرج ( من كل مولد بلا حمص ) ورغم أنهم ( في كل عزاء لطّامة ) وأنهم من طلائع المضحين إلا إن الجميع استكثروا علينا حتى قول ( أجرك على أبا عبد الله ) . وحتى عندما استشهد أبنائنا في سبيل بقاء هذه الأمة فقد عوملوا فيها وما زالوا …بتحيّز شديد ، حتى ولو بالاستذكار من البعض وقراءة سورة الفاتحة .
إن من الظواهر المميزة بعد وقوف العمليات الحربية في كل أقطار العالم هو سن عدد كبير من التشريعات الاستثنائية للطوارئ والدعم وبالخصوص للجماعات التي تكون قد تضررت بشكل استثنائي على الأقل والمعني بها التي كانت الضحيّة الأكبر ويقابلها أحكام استثنائية بحق الجلادين والذين لهم يد في الجريمة .
……………….
ترى هل تعرّض شعب في العالم الى ما تعرض له الفيليون…؟
وهل كان في التاريخ محرقة بمستوى التي مورست علينا …؟
وهل هنالك أيدي أقذر من التي تلطخت بدمائنا …؟
أم إن الأمر بحاجة الى مزيد…….؟
نحن لم نكن يوما” من تجار الحروب ولا حتى من طلاّب الغنائم ولكن لابدّ أن يكون لنا نصيبا” مهما” في الإدارة والسلطة والأولوية بالتعويض إن لم يكن الأكبر لردّ الاعتبار ولاعتبارات كثيرة يعرفها القاصي والداني .
السنا المؤنفلين الأوائل ….؟
الم تجفف مزارعنا قبل الاهوار بعقود..؟
الم نكن السمهر في وجه الطغاة
السنا الأنصار….. ومنّا المهجّرون ومنّا المهاجرون
ونحن الشهداء السابقون ….. واللاحقون
ولكن ………ما كنّا من ( الفاتحين ) ولا من ( الطلقاء ) ولا من ( النائمين )
وبقينا …مهمشين….. في حكومة النعيم ؟
إلا المدّعين منّا ……….. الصامتيــن ..!
جزاء لما كانوا يبصمون …
لا يسمعون لنا رأيا” ولا ظلامه …. وسيكون لنا فيهم حشر وقيامة . 

zakaryyamahdy@yahoo.com