الرئيسية » مقالات » العروبة ……..أننا نختنق يا إلهي

العروبة ……..أننا نختنق يا إلهي

بالرغم من التباين البالغ بين الموقفين السوري والأردني من الوضع السياسي في العراق، منذ الاحتلال الأميركي له؛ فأن البيان الصادر عن قمة الأخيرة بين الرئيس السوري بشار الأسد والعاهل الأردني الملك عبد الله، بيِِّنت تأكيد الجانبين على عروبة العراق . فالأردن الذي كان لعقود عدة، على علاقة محاباة مع الدولة العراقية زمن صدام حسين، بسبب موقعه الجيوسياسي وحالته الاقتصادي . تحول منذ الاحتلال الأمريكي إلى أشد المناوأين للنفوذ الإيراني المتنامي في العراق، مقابل تغاض ملحوظ منه على وجود القوات الأمريكية هناك . على الطرف السوري كان النقيض لذلك تماما . فالعراق الجار والنظير السياسي لسورية، كان طوال عقود حكم صدام يشكل المكان الأكثر حساسية بالنسبة للاستقرار السوري . ومنذ الحرب الأخيرة، بات العراق الحديث بالوجود العسكري الأمريكي به مصدر تهديد فعلي لسورية، مقابل تغاضيها عن دور ومكانة حليفتها إيران هناك .

ما جمع ذلك الموقفين المتباينين من تلك الحالة القلقة للجار العراقي المشترك هو عبارة “عروبة العراق ” . والتي تنتج بالآن نفسه معنيين متناقضين في القاموس السياسي بالنسبة للبلدين . فالأردنيون يقصدون بعروبة العراق، وقف تعاظم النفوذ الإيراني هناك، وتحويل الإمكانيات الرمزيةالسياسية والمادية الاقتصادية العراقية نحو العمق العربي، حيث يكون الجار الأردني أكثر المستفيدين من ذلك، بسبب موقعه . بالمقابل فأن المقصد السوري من عروبة العراق، ينتج رغبتها في إنهاء سريع للوجود الأمريكي هناك، وكبح للجموح السياسي والاقتصادي الكردي في العراق، بسبب التوجهات المعارضة لأكرادها وطبيعة تحالفاتها الجديدة مع الجارة تركية . مقابل عدم اكتراثها لتوسع نفوذ حليفتها إيران .

المراد الأعلى من قول ذلك : إن عبارة “عروبة العراق” كمنشيت سياسي، كما كانت أيام النظام السابق حمالا سياسيا لفعل سياسي يتعداها ” وينتهكها في أغلب الأحيان” . تلعب الآن، في هذا الواقع الإقليمي المتداخل المفاهيم والمصالح، على أنتاج معان سياسية مركبة، ليس بين مقصدها واستخدامها أي ترابط محكم، وذلك في مستويين أثنين :

أولا : المستوى الثقافي حينما يدعي أن المشكلة العراقية في بعدها الكياني الاجتماعية، وما تعانيه من صراعات مذهبية وأثنية، فرز مباشر لغياب العروبة، كما يذهب عزمي بشارة في كتاباته مثلا . فأنه يتجاهل تاريخية الحالة العراقية المعاصرة، حيث كانت العروبة السياسية من أهم المساهمين في تكوينه . كما أنها تخفي رغبة في إقصاء عراق جديد، خارج عن المألوف المتخيل في تلك الذهنية . وما يعزز ذلك، هو عدم ارتباط العروبة المنشودة تلك، والتي تدعي بعدا تحرريا من الواقع الاجتماع السياسي المزري هذا، بالمطالبات التحررية الديمقراطية أيام النظام السابق، بالرغم من كل ما كان يمارس بحق واقع ومستقبل العراق حينئذ . فالعروبة المطالب بها، من قبل بعض النخب الثقافية الداخلية العراقية والخارجية العربية، تتستر على ابعد مصالحية وايدولوجيا ومذهبي شتى، ومتنافر ومتباينة في أحيان كثيرة، تستخدم الرافعة العروبية كستار لرغباتها الأبعد .

ثانيا : المستوى السياسي، والذي يستخدم في شكله الأوسع، من قبل الدول الإقليمية المحيطة بالعراق . حيث يتم تصوير ما يحدث في العراق على أنه الخطر الجاثم على مستقبل عروبة العراق . وتعمل تلك الاستعمالات الإقليمية لعروبة العراق، على تخّيل العراق العروبي على أنه الجنان المنشود . ما يثبت لا تناسق تلك الدعوات واستبطانها لرغبات ومصالح سياسية، متعدية ومتناقضة أحيانا مع عروبة، هو الهوس التاريخي لتلك ” الدول الإقليمية” من النظام العراقي السابق بسبب فرط أيدلوجيته القومية من طرف . وعدم انتظام الايدولوجيا السياسية لتلك الدول بحد ذاتها على روابط قومية عربية، وأن كانت، فأنها تبقى في أطار التسليع الداخلي ليس إلا . بعض تلك الدول الحريصة على عروبة العراق مثلا سلمت العشرات من المناضلين الأحوازيين لإيران، تغاضيا وتجاوزا لعروبتها المفترضة . وبعضها الآخر يعتبر التيارات العروبية الداخلية من أشد المناوأين لها داخليا .

لظروف تاريخية متراكمة ومركبة، لم تعد عبارة “عروبة العراق” تنتج معانا واضحة . حيث باتت تخفي أكثر مما تظهر . فليس من المستغرب في القريب المنظور، حينما يسند الاستفتاء على كركوك، تابعيتها لإقليم كردستان العراق، أن يتدخل الجيش التركي بها…. دفاعا عن عروبة العراق !! .

مر على العراق الجديد ست سنين، ومازالوا يحدثونك ويبتزونك ويرجمونك باسم العروبة، فكيف هي حالنا، نحن أكراد سوريا. أو آخر من يعيش في العالم …. دون أن يعيش . يا ألهي نحن سنختنق .