الرئيسية » مقالات » عيدك . . للشعب ، افراح وآمال !

عيدك . . للشعب ، افراح وآمال !

تثير الذكرى الخامسة و السبعون لولادة الحزب الشيوعي العراقي المناضل احساسا مترابطاً بالأمل والألم و الفرح . . والشعور بالخشوع امام ذكرى وواقع جحافل الثائرين على تعاقب العقود . . وبالرهبة والشعور بالعرفان والحنين الى الذين ضحّوا بالغالي والثمين في سبيل سعادة العراق والعراقيين نساءا ورجالاً ، شبابا و شيبا واطفالاً . .
وفيما تثير الذكرى الأحاسيس بحقيقة مسيرة حياة الشعب العراقي على مرّ العقود ، فإنها تبعث شعوراً تأملياً بالدور البارز الذي لعبه . . حزباً و فكراً ، اعضاءاً ومؤازرين وسائرين على هديه و معه . . في تاريخ العراق القريب والمعاصر، من اجل الخبز والحرية والديمقراطية . . التي لا تتوفر الاّ في وطن حرّ و شعب سعيد .

منذ زياراتنا ونحن اطفالاً صحبة اهالينا، لأحبائنا في سجن نقرة السلمان وسجن بعقوبة، وفرحنا الطاغي بلقاء احبة كانوا كالقديّسين نحلف برؤوسهم وبسلامتهم لإنهاء اختلافاتنا ونزاعاتنا على امور يومية فيتوقف الحديث والمشاحنة عند رهبة ذلك الحلف الصادق . . رغم الصوندات التي ذقناها واهالينا ونحن نزورهم او نحييهم ولو من على بعد .
لتمر الأعوام ونكبر . . وتنفجر المظاهرات في الأعظمية عند منطقة كلية الملك فيصل واعدادية الأعظمية للبنين ضد العدوان الثلاثي على مصر، ومن اجل الحياة لأهالي بور سعيد ، حين تصاعد هتاف ” ياشباب تعالوا نجدد الوثبة ” وكانت القنابل المسيلة للدموع تجعلنا نختنق ونتساقط ارضا في ” شارع الشباب ” مقابل ثانوية الأعظمية للبنات . . حين كنّا صغاراً نريد ان نعبّر عن غضبنا وحبنا لأهلنا و لشعبنا، ومن اجل اطلاق سراح السجناء السياسيين وعودة المفصولين و المبعدين . .
وحتى انفجار ثورة الشعب في 14 تموز 1958 . . حين امتلئت الساحات والشوارع بالجماهير رجالاً و نساءاً من كلّ الأطياف ، وبقينا نطوف ونطوف مع الجموع منذ فجر صباح ذلك اليوم الصيفي والى ليله ، حيث فتحت البيوت والمصالح ابوابها لإطعام المحتفلين والمتظاهرين . . بعد ان امطرونا بالملبّس والحلويات بل وبالنقود . .
لتستمر الفرحة ونسافر الى سجن بعقوبة لأنهم كانوا يطلقون سراح السجناء الأبطال ، حين انتظرنا وانتظرنا وقالوا . . ” انهم يكسّرون حديدهم !! ” (1) و ” قد لايستطيعون المشي بسهولة بعد تكسير الحديد !! ”
وتذكّرنا انّنا سألنا السجناء الشيوعيين عند مواعيد المقابلات عن سلاسل الحديد الرابطة بين ترابط حديد اليدين وحديد القدمين، واجابونا بلطفهم و بضحكاتهم الرنانة ” انهم يشدوّنه عند المقابلة فقط . . لأنهم يخافون !! ”
حين قالت الجدّة في ذلك الحين : وِلْدي يخافون من مَنْ ؟
ـ مننا ومنّكم !!
ـ ولكنكم في السجن ! ونحن مطوقون بالحرس . . !
وقال صوت جاد متألم وبخفوت :
ـ انهم مقيّدون طوال الوقت، وحسب نوع العقوبة !
. . .
فجأة سمعنا صوتا كالرعد يهتف بحياة ثورة الشعب ! ” عاشت ثورة الشعب ”
قالوا : كسروا حديده ! انه يخرج . . انه المناضل زكي خيري !!
لم نستطع ان نراه حين التفت الجموع حوله وتصاعدت الأكف بالتصفيق والحناجر بالهتاف بحياة الحزب ومناضليه . .
كنا ننتظر خروج ابن عميّ عدنان البراك !! الذي رأيناه لأول مرة في السجن عند موعد المقابلة . . حين كانت صورته في بيتنا مؤطرة باطار ثمين ومعلقة على سجادة حائطية صغيرة نظيفة على الدوام ، كانت تثير فينا مشاعر وكأننا نقف امام احد الأتقياء الورعين، على وسامته وشبابه . . حين كانت تنساب الدموع من عيني امي عندما تلحظها ونحن جنبها . .
. . . .
عدنان خرج . . خرج !!
خرج الأبطال !! خرجوا !!
. . .
كانت اعراس و افراح واصوات اهازيج من بيوت كل الجيران . . ثم محاكمات علنية انتظرتها الناس بفارغ الصبر، حتى كانت الشوارع تخلو من المارة عند بدءها . .
وكانت انتخابات و نقابات و مسيرات حتى الصباح . . تجتاز الشوارع الرئيسية التي كانت تكللها انواع الأطواق (2) المزينة . . و الجواهري الكبير يصدح في عيد العمال في الأول من ايار :
بكم نبتدي واليكم نعودُ ومن سيب افضالكم نستزيدُ
. . .
زيادات في الرواتب و جمعيات تعاونية و استهلاكية واخرى واخرى . .
كنّا نرى وكأن باصات مصلحة نقل الركاب ازدادت بشكل كبير . .
اهالي المحلات يتطاعمون . . اطباق الزردة والحليب واطباق الهريسة و توزيع لحوم ذبائح النذور
. . .
كانت الناس تتدافع لمشاهدة لقطات بثها تلفزيون بغداد لمراسيم وصول واستقبال القائد الكردي الملا مصطفى البارزاني حين قدم على ظهر باخرة سوفيتية الى ميناء البصرة التي خرج اهاليها ونقاباتها واتحاداتها تحييه وهي تهتف . . ” على صخرة الأتحاد العربي الكوردي تتحطم مؤامرات الإستعمار ” ، وكنا نتابع ونحن مبهوري الأنفاس صورة قائد الأكراد وهو بملابسه القومية
. . .
افراح وتفاؤل وآمال عريضة رغم ان الحكومة ضمّت في تشكيلها كل الأحزاب العراقية عدا الحزب الشيوعي العراقي لولب نضالات الشعب من اجل الحرية الديمقراطية ومن اجل ” الوطن الحر والشعب السعيد ” ، الذي قدّم قادته والعشرات من اعضائه ومؤيديه شهداءاً . . وكان صاحب اكبر عدد من السجناء السياسيين . .
نقاشات و نقاشات . . . في الدوائر و المدارس و الكليات و البيوت والمجالس و المقاهي
نقاشات تدعو للتفاهم و التقارب بين كل القوى الوطنية العراقية . . وكان هناك دوماً من يصعّد التباعد . . وكأن كل طرف من الأطراف يشعر بأنه الأحق وانه الأقوى . . لم تتحقق قضية وحدة القوى الوطنية وبقيت الناس تتسائل : لماذا لماذا ؟
حين كانت اطرافاً من خارج الحدود تحرّك وتغدق الأموال وتجهّز . . اطرافا كانت ترى العراق مخيفاً لها ان توحدت فصائله و ان استطاع الوقوف على قدميه . . والى الآن !!
. . .
لتتغيّر الصور اكثر . .
اكتشاف قنبلة موقوتة تحت جسر الجمهورية !
حريق في شارع الكفاح (الملك غازي سابقاً ) قرب خزان الماء استمر اسابيع . .
محاولة انقلاب وصدامات في الموصل . . ثم في كركوك !!
اغتيالات . . واغتيالات لاتنقطع
اغتيال المربي ” ممدوح الألوسي ” مرشح ” القائمة المهنية ” في انتخابات المعلمين ، الذي اغتيل بضربه بغطاء صندوق سيارته حين كان يفرغه ، و بمرأى من زوجته التي فقدت الوعي . .
اغتيال القائد النقابي البارز ” خليل ابو الهُوب ” في منطقة ساحة النصر ، الذي اثار عمال العراق ونقاباتهم التي استطاع الإتحاد العام ان يخفف منها بدعوته الى تشييع القائد النقابي بصمت في شارع الرشيد . . فسارت الجموع العمالية التي ملئت شارع الرشيد على طوله من باب المعظم الى الباب الشرقي . . تتقدمها الموسيقى الجنائزية التي اصر رفاقه على الدبكة معها دبكة الخناجر والسيوف الداعية الى ان دمه لن يضيع . . !
لتصل الذروة في محاولة اغتيال الزعيم عبد الكريم قاسم واستشهاد سائق سيارته العسكرية الجندي الأول ” حرز “. . كحل اوحد (3)
محاكمات ، توتر ، استعدادات ، بكاء !! بكاء على من اغتيل و بكاء على من عوقب . . فكلهم ابناء البلد الواحد . . اغلاق صحيفة ” اتحاد الشعب ” وانطلاق صحف ” 14 تموز ” ، ” الشبيبة الديمقراطية ”
خطاب الزعيم في كنيسة مار يوسف . . و ” عفى الله عما سلف ” ، ” الجيش فوق الميول والإتجاهات ” و الشرطة ” بس الله يدري ” . . تقييمات وتهجمات ، التزامات حزبية و صمت، ثم التزامات وعدم رضى . . !!
. . .
اندلاع القتال في كوردستان . . باشتباك رتل عسكري مع بيشمركة في دربندي خان ، لاقى استجابة سريعة في مضيق بازيان حيث حصل اشتباك اكبر . .
مظاهرات كبيرة لم تنقطع في شوارع العاصمة بغداد نظّمها الحزب الشيوعي العراقي طالبت بـ ” السلم في كوردستان ” . . وحتى تنظيمه المظاهرة المركزية الكبرى التي قدّر عدد مشاركيها باكثر من نصف مليون آنذاك رجالاً و نساءً ، والتي انطلقت من ساحة النهضة وتصدّت لها وحدات الأمن . . و ” الأنضباط العسكري ” الذي انضم قسم من افراده الى المتظاهرين . . وتسببت بجرحى و معتقلين اثر صدامات بين رجال الأمن والمتظاهرين . .
وفيما كان الحزب ينادي بـ :
” وحدة القوى الوطنية هي الكفيلة بشل مؤامرات الشركات النفطية ” . . صدرت فتاوي تنادي بتحريم الشيوعية . . سخرت منها الناس في العاصمة واضطربت بها اوساط ريفية غير قليلة . . ليحترق بها من اصدروها حين استدارت نيران من راهنوا عليه . . عليهم وكوتهم !
. . .
تحذيرات متواصلة من اوساط متنوعة ملتفّة حول الحزب، تحذّر من تنقلات بين العسكريين ، لقاءات في الظلام . . و تحذّر من مخاطر اعادة الأعتبار لضباط كبار معروفين بمعاداتهم للديمقراطية وبتزمتهم العسكري وسلوكياتهم الشوفينية . .
الحزب يحذّر السلطة ويغرق منظماته و مؤازريه بالإنذارات المتواصلة ، حتى اخذت تفقد قيمتها . . رغم وصول تحذير له من اوساط محبة له ، افاد بتحديد موعد محدد لقيام انقلاب وشيك ، اثر ثرثرة احد مشاركيه من ضباط القوة الجوية . . لصديقته !!
. . . .
و كان ضحى يوم جمعة من ايام رمضان ، وبعد ان سمعت اصوات انفجارات وتحليق طائرات قاصفة ، اعلن راديو بغداد عن قيام انقلاب اسود في 8 شباط 1963 !!
كانت مفاجأة و ذهول . . استقرّا على المقاومة . . مقاومة للدفاع عن الجمهورية الأولى ومكاسبها . . وانطلقت مقاومة شعبية تقاوم الأنقلاب اخذت تسري من التجمعات المحتشدة في باب وزارة الدفاع مقر الزعيم والتي طالبت بالسلاح ولم يستجب لها . . الى عقد الأكراد وشارع الكفاح ، الكاظمية ، الشاكرية و حول الإذاعة . . ثم في معسكر سعد . .
لتبرز اسماء عشرات المناضلين في صدامات الشوارع من القادة الحزبيين كالشهيد ” محمد صالح العبلي” . . الى المقاومين الشعبيين كالشهيد ” سعيد متروك “و ” المناضلة ليلى الرومي ” وعشرات و مئات الكوادر والأعضاء والمؤازرين رجالاً و نساءاً . . رغم صدور بيان 13 سئ الصيت من الحاكم العسكري العام آنذاك !
لتتوالى الأعتقالات و القتل وفق قوائم معدّة بدقة ومن زمان لكل ذي علم او عي ومعرفة . . . ولتتضاعف اعداد آلاف المعتقلات و المعتقلين في الملاعب الرياضية كالنادي الأولمبي، ملعب نادي المنصور و نادي المهداوي بعد تحطيمه . . وليفتتح الف ” قصر نهاية ” (4) في العراق من اقصاه الى اقصاه ولتستشهد قيادة فاعلة ميدانية للحزب على راسها امينه العام الشهيد سلام عادل . .
. . .
لتهتف قصيدة شاعر العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري :
امين لاتغضب فيوم الطــغاة آت وانف شـــــامت للرغام
امين لاتغضب وان هتك الســــتر وديســـت حرمات الأنام
ياعبد حرب وعدوّ الســـــــــــلام ياخزي من صلى وصام
القصيدة التي كنا نحفظها و نستنسخها سراًّ ونوزعها على البيوت والمدارس وكنا نقرأها في حلقات العوائل المنكوبة فتمدهم بالعزم والصبر و القوة للتغلب على الدمع والأحزان . . ولصياغة الأمل بأنهم اصحاب قضية عادلة . . و بأن النضال في سبيل حق مستباح . . مستمر !
ويبدأ بحث آلاف العوائل عن ذويهم الذين اعتقلوا في ليالي لا قمر فيها و . . ضاعوا !!
عوائل المعتقلين تتصل ببعضها عسى ان تجد خيطاً تبحث من خلاله عن ذويها و عن مصيرهم والكل يعتقد انهم موجودون ولم يموتوا ؟!
بحث وبحث و توسلات و رجاءات ووساطات و رشاوي مستدانه لايُعرف كيف ستُدفع . . وصدود وتحرّشات لااخلاقية وتهديدات ورمي بالقوة خارج البنايات . . ورسائل بين المعارف والجيران : فلان مستعد لأطلاق سراح !! فلان ان وافق اهله على تزويجه ابنته او اخته !!!
وكيف و الخيار . . . ؟!
بحث وبحث وفق ما قيل وتسرّب من عناوين المواقف و مقرات ” الحرس القومي ” . . امهات يحملن اطعمة كنّ يعدّدنها كل يوم ! كل يوم !! يدرن بها على المواقف . . لإطعام الغالي !!
و تتسرّب الأخبار . . و يفضح القتلة بعضهم بعضاً
. . . .
تتسرب الأخبار بأنهم معتقلون ” خلف السدة ” ؟!
وتذهب النساء الى الخال الأكبر يستفسرن . .
ـ ماهو ” خلف السدة ” . . هل هو ” الشطَيْطْ ” (5) . . ؟
وبين النحيب :
ـ هل رموهم جثثاً هناك ؟؟؟
. . .
جاء الخال مهلل الوجه بابتسامته الهازئة باوضاع البلد و بكل ما كان يحدث ، و قال بصوت دافئ حنين :
ـ خواتي . . هوّنّ عليكن ! الموجود خلف السدة يعني انه من الأحياء العائشين . . هو سجن من عشرات السجون ، وسأذهب الى صديق ابن اوادم عرفت انه لايزال يعمل في ” الشرطة السيارة ” الواقعة خلف السدة ولابد ان يعرف شيئاً . . لأن المنطقة تعود ادارياً لهم .
وكانت النتيجة انهن حصلن من صديق الخال على عنوان الموقع وانه يمكن الذهاب اليه بـ ” ربل ” (6) حيث لاطريق لباصات مصلحة نقل الركاب اليه اضافة الى منع مرور السيارات الخاصة و التاكسي اليه . . مع تأريخ مثبت هو : 1 و 2 نيسان 1963 . . مكتوب بخط يمكن قرائته ، على قطعة من المقوى منزوعة من علبة سيكاير ” غازي ” . .
. . .
عند فجر الثاني من نيسان ذهبنا . .
اكبر الأبناء مع النساء، استقلينا الباص الذاهب الى ” القصر الأبيض ” كما كان موصوفاً و نزلنا من الباص عند موقفه هناك . . وكان علينا ان نسير في ” شارع النضال ” باتجاه ساحة الأندلس . . وقد جلب انتباهنا ان الباص المكتظ بالركاب جلوساً و وقوفاً حتى موقف الباص ذلك . . فرغ بكامله عند ذلك الموقف . . !!
سرنا و سرنا . .
وكانت عشرات العوائل تسير معنا ، ممن خرجت من نفس الباص و ممن قدمت من الشوارع الفرعية للبتاوين . . لنلتقي بعشرات بل ومئات عوائل اخرى كانت قادمة بمقابلنا من الجهة الأخرى لشارع النضال ذاته والتي سدّت الشارع وكانت السيارات والباصات القادمة عليه تتحرك ببطء كبير كي تتمكن من اختراق تلك الحشود بدون حوادث . .
حتى وصلنا الى الشارع الفرعي الواسع ذي الممرين بداية ، و المؤدي الى ” معتقل خلف السدة ” و الذي كان يقع الى جهة اليسار من تحرّكنا . .
ازدحم الحشد الكبير للمرور من خلال سيطرة عسكرية كبيرة مكونة من عشرات من رجال الشرطة والحرس القومي ، اضافة الى مدنيين مسلحين كانوا يدققون الهويات ويسمحون و يمنعون ويصيحون و يهددون . . بل واعتقلوا اثنين تحت انظارنا . .
كان الجميع صامتين ينظرون الى الأسلاك الشائكة المكومة على امتداد جانبي الشارع الواسع . . وسمعت صوتا خافتاً كالفحيح لرجل كهل قال مشيراً بعينيه الى بناية كبيرة على يسار مدخل الشارع الفرعي :
ـ . . مديرية الأمن !
سار الجميع على الطين اللزج لزوجة عجيبة وعلى برك الماء ، وبين فوهات انواع الرشاشات المعدة للأطلاق باستعداد حامليها و افراد اطقمها الواضعين اصابعهم على الزناد ، والتي كانت محمولة باليد او منصوبة على اكياس رمل . . . لمدة قاربت النصف ساعة ، للوصول الى موقف الربلات (عربات الخيول) . . حيث كانت عشرات العربات تقف بصف تحت سيطرة مسلحين متنوعين . .
بعد انتظار طويل حملتنا عربة الخيل لمسافة اكثر من نصف ساعة اخرى سيراً في شارع طيني ـ مبلّط اكتظّ بالعربات الذاهبة و العائدة وسط تعليقات اخي الأصغر :
ـ كأننا في تكساس في فيلم ” روبرت ميتشام ” . . ” العربة الأخيرة ” !
ـ . . .
قالت الوالدة التي ندر وان علّقت ، و بوجه متجهم لاينسى :
ـ شنو القضية ؟؟ قاتلين ناهبين ؟! كل هذا القتل و المعتقلين المقطوعة اخبارهم . . و هاي الناس التي تبحث مثلنا عن اهلها . . واللي يبين هم من احسن الناس !! . . كلها بسبب مناقشات و تبيان وجهات نظر و رأي بالسياسة . . والله ما دا افهم . . اول ما تعلّمنا ، تعلّمنا حكمة : ” العلم نور ” . . شلون واحد يتعلم ، غير بالنقاشات . . اذا كانت النقاشات و تبيان وجهات النظر هاي عقوباتها . . راح يبقى البلد على حاله بل و يرجع للوراء . . و الله يدري من يستفيد من ذلك . . ليش ليش . . هذا العراق كل العرب يحلفون برأسه !
. . .
صاح الحوذي :
ـ حجيّه وصلنا !
وبعد ان اعطته الأجرة، اضاف :
ـ حجيّه طوّلي بالج ، هسة تشوفين ابوهم . . . انتو مو وحدكم . . حجيّه هاي ملايين الناس !!
ـ الله يخليك اخويه . .
. . . .
صاحت الوالدة بفرح وهي ترى المشهد . . و الدموع تنساب على خديها :
ـ الحمد الله . . آني واثقة ابوكم ما مسويّ غلط . . هسة تأكّدت . . يعني مامعقولة كل المعتقليهم مسويّن جرائم !!
وصاحت ام مفيد وهي ترى موقع المعتقل و الناس و العسكريين و الدبابات . . :
ـ شنو يقولون معتقلين شيوعيين ؟ لكْ (7) هذوله معتقلين كل الناس !!
كان موقع وقوف العربة و نزولنا منها اكثر ارتفاعاً بقليل من موقع المعتقل . . فبدى منظر المعتقل و ما يجري . . كان المعتقل مكوناً من ثكنات عسكرية مبنية على شكل مجاميع من صفوف متوازية ، بدت بيضاء اللون رغم اتساخها بسبب الغبار الذي تثبت عليها بالمطر باشكال رسمتها المياه المنسابة . . كانت قد بنيت لتدريب منتسبي مدارس و قوات الشرطة السيّارة . .
كان المنظر لاينسى باثارته للرهبة في ذلك اليوم الغائم الممطر . . صفوف الثكنات النظامية المقسّمة الساحات بينها بالأسلاك الشائكه، الواقف عند كل زاوية من تلك الزوايا العديدة مسلّح بملابس نظامية وبخوذة وواقفا وقفة استعداد، يفهم منها انه مستعد للأطلاق في كلّ وقت . . لم يُرَ اثراً لموقوفين فيها او بينها . . كان الصمت يلّفها و يخيّم عليها . .
وكانت المساحة العامة لكل موقع المعتقل ـ بكلّ ثكناته ـ محاطة باكثر من صفيّن من الأسلاك الشائكة الكثيفة والمرتفعة بقدر قامة انسان . . وكانت هناك اكثر من ثلاثين دبابة و ناقلة مدرّعة مزودة بالدوشكات لحماية الموقع، وفوهات اسلحتها الى كل الجهات الخارجية وقسم منها موجهة للداخل ايضاً . . كانت تحيط بالمعتقل و كل منها في موقع محاط باكياس رمل و مغطىّ بالنايلون ـ حيث كان العسكريون يقضون الأيام بطولها ليلا و نهارا في تلك المواقع كما عرفت لاحقاً ـ .
وكان عشرات آلاف الناس بالوان ملابسهم المتنوعة، متجمعين مقابل القسم الأمامي للمعتقل، بشكل ثلاثة تجمعات رئيسية ، كل منها يقابل عسكري جالس وراء منضدة عليها اوراق، كان الناس بشكل طوابير عريضة يقف بينها مسلحون . . يسألون كل واحد من الثلاثة عن وجود او عدم وجود اسم من يراجعون عليه . . فيبحث بالأسماء ويجيبهم مقابل رسم يدفع بمقدار دينارين ان وجد . . وكان الناس يسلّموه اكثر لأيصالها الى ذويهم ان وجدت اسماؤهم مقابل وصل يكتب فيه المبلغ بدون توقيع (حماية لأسرار الثورة !! ) .
. . .
قالت الوالدة من مكاننا :
ـ يا عالَمْ . . لكْ هاي كل بغداد هنا !! شوفي ام مفيد، هذه ست جوزفين زميلتي في التدريس . . تصدقين ان حوالي نصف معلمات بغداد واقفات هنا ؟
ـ سعاد ! انتِ متأكدة انها جوزفين ؟ الا ترين انها تقف مع رجل معمم ؟ اليست جوزفين مسيحية ؟ . . يعني شلون انجمعوا ؟
ـ ام مفيد ! بلا فلسفة، ما اعرف اشلون . . الناس تريد بس نشده عن اهلها وهاي ام مفيد حايره . . هو هذا العراق !! شوفي ذوله كراد مبين من لبس قسم منهم وتجمّعهم على بعضهم، الله يدري مساكين منين جايين ! هذوله بيض حمر ونساء سافرات يعني في الغالب مسيحيين . . شوفي هذوله عشرات المعممين . . هذوله يزيدية من ملابسهم . . واحنا عرب حتى بينّا السني والشيعي واضحين من شكل العمايم . . شوفي ذوله خطيّة (8) يبيّن جايين من الجنوب من النجف والناصرية و البصرة . . قسم منهم ديصلّون !!
ـ لعد شنو يكولون الشيوعيين ماعندهم دين ؟!
ـ صدقتِ بهذا الخريط (9). . ؟ اكُلّج منو الماعنده دين ابو الولِدْ وابو مفيد . . لو هذا اعوص العين آمر قطاع الحرس القومي بالمحلة الذي اعتدى على بنت الجيران وكل الناس تعرف . . منو الكافر و الماعنده دين ؟ ام مفيد اصحي . . هذه سياسة و مصالح و ملايين ونفط !!!
. . . .
بعد السلام والعناق و الدموع والأحاديث السريعة . . قالت ست جوزفين :
ـ ست سعاد . . آني هذي المرة الثالثة اجي الى هنا . . لاتدفعين رسم ولاهم يحزنون، ترة الفلوس ماتوصل
تكدرين تعرفين ان كان زوجك هنا ام لا عن طريق الشرطي ” فانوس ” . . هذا يبين من الربع وتعرفّنا عليه احنا عدد من العوائل، واحنا ننتظره للحديث معاه بس يبيّن . . واذا تريدين خليّ المحفوظ ابنك يقترب من الأسلاك و يصيح عليه من خلف الأسلاك هنا مقابل صف البنايات الثالث ؟ وهو مكان ساقية قديمة منخفضة لايثير الوقوف فيها انتباه احد . . لأنها شوية مستورة .
ـ عيني جوزه ! الله يخليج آني اخاف على ابني . . هذوله لادين و لاناموس !
ـ لعد ننتظر . . اكيد سيخرج ” فانوس ” بس ينراد شوية صبر !!
. . .
بعد ان سمعت حديث ست جوزفين، وبعد الحاحي المتواصل على والدتي حتى اقتنعت . . اتفقنا ان اخذ ظرفين مغلقين مكتوب عليهما اسماء المرسل اليهم، واحد من ست جوزفين الى زوجها والآخر من السيد علوان المعمم بعمامة سوداء الى ابنه الذي عرف من جوزفين بوجوده مع زوجها . . اضافة الى ورقة نقدية ذات خمسة دنانير كتبنا عليها اسم والدي . . . الى والدي . . على ان يعيدها ” فانوس ” ان لم يجد احد بذلك الأسم ، مع هدية نصف دينار الى “فانوس ” على جهده ولتغطية نفقات سكائره كما قالت ست جوزفين .
. . . .
. . . .
وباعلى صوت قدرت عليه :
ـ فانوس !! فانوس .. !! فا نـ نـ نــــــــــــــــــــوس !!!
وبعد انتظار :
ـ عموّ فانوس . . !!
وانتظار و انتظار . . حتى لمحت العسكري المستعد خلف دوشكا الدبابة الأقرب اليّ . . كان ينظر اليّ ويبتسم !! انه يبتسم ! يبتسم !!
كانت ابتسامة تشجيع . . فتشجعت ان اقترب اكثر من الأسلاك الشائكة المكونة من صفيّن هناك ، و عبرت الصف الخارجي منها وصرت وسطها ، وصحت باعلى صوتي :
ـ عمّو فانوس !!
. . .
خرج رجل من العنبر المقابل ومشى طويلاً باتجاه الأسلاك الشائكة ورمى ازبالاً من تنكه (10) ببطء و هو ينظر نحوي بهدوء الشاردين ، ثم وضع التنكه على الأرض وسار بنفس الهدوء نحوي . . حتى صار جنبي . وقال بهدوء بارد وعين شاردة :
ـ ها ، ابني ! آني فانوس !!
ـ هاي رسالة من ست جوزفين . .
قاطعني بسرعة و اخذ الرسالتين واوضحت له بحثنا عن والدي و ورقة الخمسة دنانير والنصف دينار، ووصل بي الأمر ان اطلب منه ان يأتينا برسالة من الوالد للتأكد ؟!!
رجع فانوس بنفس ذلك الهدوء وبلا صوت الى الثكنة وكان الوقت عصراً وبدأ ضوء الشمس يقلّ وهي تنسحب خلف الغيوم . .
وبقيت انتظر و اراقب الثكنة القريبة التي اختفى فيها ” فانوس ” . .
. . . .
وفيما بدأ الغروب يخيّم . . شاهدت رجلاً خارجاً من الثكنة ووقف تحت ممرها الخارجي المسقوف ، بشكل واجهني على بعد . . انه يلبس نفس الروب الذي كان يلبسه والدي عندما اعتقلوه من المنزل . . انه ابي ! ابي !!
وبدون اي تفكير . . صحت باعلى صوتي وانا اشاهد ابي الذي اعتقدنا انهم قتلوه من عنف اعتقاله ومما شاهدنا وعشنا وسمعنا في ذينك الشهرين :
ـ يابه . . بابا !! ياب !!
بنفس ذلك الهدوء الجديد عليّ منه . . ودون اي صوت حيّاني بيده طويلاً وهو يدخل الى داخل الثكنة . .

(يتبع )

28 / 3 / 2009 ، مهند البراك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1. الحديد يعني القيود .
2. اطواق والمفرد طاق .
3. راجع كتيب ” الحل الأوحد ” للمرحوم فؤاد الركابي .
4. قصر النهاية . . هو بناية ” قصر الرحاب ” في الزمن الملكي ، وكان المركز الرئيسي للتحقيق ولأبشع انواع التعذيب، احيل اليه وسجن فيه حتى الموت ، ومر به الوف المعتقلين والمعقلات من مناضلي الحزب و مؤازريه . .
5. تجمعات المياه النّازة (الناضحة) في اماكن شبه ثابته خلف سدة ناظم باشا التي شيّدت لحماية بغداد منها في مواسم الفيضان و النزيز . .
6. عربة ركاب تجرها الخيول .
7. لكْ ، باللهجة العامية كناية عن : ويلك ! .
8. بمعنى خطيئة التعدي عليهم . . وتستخدم للتضامن و التعبير عن روح الصداقة و الود معهم .
9. الكلام الفارغ .
10. وعاء معدني قياسي يستعمل عادة للنفط، البنزين ، الدهون النباتية .

ahmedlada@gmx.net