الرئيسية » الآداب » ما كنتُ يوماً في السياسيينَ

ما كنتُ يوماً في السياسيينَ

ما كنتُ يوماً في السياسيينَ
مع أنني صاحبتُ ما قد قالهُ ساسةُ ذاكَ الشرقِ، هذا الغربِ،
ما خلفَ الكواليسِ من الكلامِ والأفعالِ،
ما تُرسمُ من خرائط الطريق والحريقِ،
ما قد خلّفتهُ من كوارثَ لعبةُ الأممْ
بكلِّ ما في الأرضِ مِنْ أممْ.

نشأتُ في زاويةٍ قصيةٍ مِنْ ذلك العالم، قيل ثالثٌ،
وتاهَ هذا اليومَ في أقدامِ نادي العولمَهْ
فلا لهُ في الثورِ والطحينِ
لا في العِيرِ والنفيرِ
لا في الطبخةِ المُنظمَهْ.

خاطبتُ قادةَ الثورةِ والمقاومَهْ
بالحرفِ، باللسانِ، بالقلبِ، وبالأحلامِ والمُنادمَهْ،
مِنْ زمنِ الثائر زاباتا، وأسبانيا، وتيتو،
والمسيرةِ الكبرى، سِيرا مايسْترا، سانتياغو، الجزائرْ،
وفلسطينَ،
إلى السيد نصر اللهِ
في المواجهاتِ الملحمَهْ.

قرأتُ أنَّ الثورةَ الكبرى سياساتٌ،
علاماتٌ على الطريقِ بحثاً عن مساكنَ،
عنْ شوارعَ عُبِّدتْ،
عن صحةٍ للناسِ،
عن أكلٍ ونقلٍ،
وحقوقِ الفردِ، تعليمٍ وشُغلٍ،
عنْ يدٍ بيضاءَ أنقى من جليدِ القطبِ،
عن مسلةِ الوفاءِ لامثيلَ،
عن حروفِ هذا القلمِ النابعِ من صميم قلبٍ ناصعِ البياضِ
كمْ يفوحُ عطرُ الصدقِ منها!
عن تلكمْ المحبةِ الخالصةِ الصافيةِ
مليئةِ الكأسِ نبيذَ الشعرِ والموسيقى والرسمِ ونحتٍ وغناءْ.
شربتُ صفوَ العشقِ للكونِ زهوراً ونباتاتٍ
وأحياءاً ونوراً ومياهاً وسماءْ.

عرفتُ ما سمّوهُ ميكيافلي
والغايةُ كمْ تبرِّرُ الواسطةَ احتلالاً، اغتيالاً، احتيالا،
نهباً، وكِذْباً، وفساداً، واقتتالا.
فاكتشفتُ أنَّ الكلَّ في الغابةِ جمعٌ وسواءْ!
وأنَّ ما يجري على الأرض لشيءٌ عجبُ!
سياسةٌ عرجاءُ، عمياءُ، ونكراءُ، اعتداءاتٌ، دخانٌ، لَهَبُ،
والطبخاتُ فوقَ نارِ ما خلفَ الستارِ
خلطاتٌ غَضَبُ،
لا لونَ، لا طعمَ، ولا رائحةً، لا شيءَ إلا لُعَبُ:
صارَ اليسارُ في اليمينِ، واليمينُ في اليسارِ،
والعالمُ الثالثُ في أسفلِ هذا الكونِ قاعٌ نضِبُ
ودميةٌ ولعِبُ
ووطنٌ مُغتَصَبُ
فيهِ الطغاةُ والبغاةُ والسجونُ والسيوفُ تلعبُ
والناسُ فيهِ: صامتٌ، مُعتقَلٌ، وميِّتٌ، وهاربُ.

صارَ الاستعمارُ عندَ البعضِ منْ ساستنا لوناً حضارياً ونُجحا!
صارَ قتلُ الشعبِ مشروعاً تجارياً ورِبْحا.
صارَ غزو البلدِ الأصغرِ والأضعفِ
ذبحُ الناسِ باللونِ وبالعرقِ وبالدينِ وهدمُ الدورِ
تحريراً وإعماراً وفتْحا!

صارتِ العينانِ في الخلفِ،
وصارتْ ألسنُ الناسِ على خارطةِ الساسةِ اثنين وأكثرْ.
صارتِ الحمرةُ لوناً باهتاً بينَ الرماديِّ وأصفرْ.
صارَ ربَّ القومِ ذاكَ النقدُ أخضرْ.
صارَ أهلُ الزورِ في الميدانِ أشطرْ.
والمَرارُ الناشبُ المخلبَ سُكَّرْ.
صارَ جيبُ اللصِ أكبرْ.
وعماماتُ السياسيينَ في التزويرِ أوفرْ.

صارَ نهبُ النفطِ مشروعاً،
خياناتُ القياديينَ مشروعاً،
فسادُ القائمينَ على شؤون الناسِ مشروعاً
واهمالُ ذوي العقل أولي الحِكمةِ مشروعاً
وغزو الأرضِ مشروعاً
وحرقُ الشعبِ بالنابالمِ والكيمياء والذرةِ مشروعاً.
فصارَ ابنُ الشوارعِ والأزقةِ
عازفُ الطبلةِ والمزمارِ والراقصُ واللصُ المُخانِسْ
صارَ شيخاً وسياسياً وعضواً في المجالسْ
والمَعالسْ،
قائداً فذاً،
لجمعٍ من أبالسْ!!
رحمَ اللهُ الذي قالَ:
زعاطيطٌ، مضاريطٌ، عفاريتٌ.
لقد بزّوا لدينا كلَّ شيطانٍ رجيمْ!

* * * * *

* همسةٌ

أيها القارئُ، ياخيرَ صديقٍ ورفيقْ،
إنّني أدري بأنّ البعضَ لايعجبُهمْ قولي وشعري،
سيقولون: خطابيٌّ مباشرْ
ليس فيهِ من غموضٍ أو مجازاتٍ على المقلوبِ
أو شيءٍ جديدْ.
فاتهمْ ماقالهُ ذاك البلاغيُّ المُجيدْ
أنَّ في السهلِ امتناعاً وجديدْ
وصعوباتٍ من الفنِ وأسلوباً متيناً وشديدْ
منْ أرادْ
فلْيخُضْ في غمراتِ السَهْلِ
إنْ كانَ قديراً وعتيدْ!

كلُّ ما في دمي انسانٌ بسيطٌ ونزيهٌ وشديدْ
إنني أُخرجُ ما في الصدرِ منْ فيضٍ واحساسٍ عنيدْ
إنني أنحتهُ، أكتبهُ، كي يفهمَ الناسُ جميعاً
دونَ قيدٍ أو ستارٍ من حديدْ
وكلامٍ ناحتٍ في الصخرِ منْ قعرٍ بعيدْ
فأنا أعشقُ أنْ أحكي مع الناسِ على قربٍ شديدْ
هكذا وجهاً لوجهٍ ولساناً للسانْ
كلَّ ما في القلبِ للقلبِ عياناً لعيانْ!
إنني أؤمنُ أنَّ الفنَّ ابداعٌ جميلْ
وكلامٌ دافئٌ منْ مَوقدِ الصدرِ، وحرٌّ وأصيلْ
وهو في خدمةِ كلِّ الناسِ في عالمنا هذا الذي
يغلي على البركانِ فقراً وحروباً ومعاناةً
وظلماً واغتصابْ
واعتداءاً واحتلالاً قادماً من كلِّ بابْ
وشعوباً في ظلامٍ غرقتْ مابينَ أقدامٍ ونابْ

فليقولوا ما يرونْ
وأقولُ ما أرى.
أيها القارئُ، يا أوفى قريبٍ وصديقْ،
أنتَ فينا الناقدُ المُعتمَدُ الأولُ
فصلٌ في الخطابْ..
قالَ فينا الشاعرُ الأكبرُ محمودُ بنُ درويشَ الجميلْ:
“قصائدُنا بلا لونٍ ولا طعمٍ ولا صوتِ
إذا لم تحملِ المصباحَ منْ بيتٍ إلى بيتِ
وإنْ لم يفهمِ البُسطا معانيها
فأولى أنْ نُذريها
ونخلدَ نحنُ للصمتِ.”