الرئيسية » مقالات » مع الدكتور كاظم حبيب في الموقف من البعثيين

مع الدكتور كاظم حبيب في الموقف من البعثيين

كتب الأستاذ الفاضل الدكتور كاظم حبيب مقالات متعددة عن البعثيين والمصالحة معهم وكانت جميع أرائه تتسم بالموضوعية والرؤية التاريخية لأنه من أكثر الجميع معرفة بحقيقة البعث وطبيعته الإجرامية وأهدافه ومراميه وعلاقاته الخارجية وأجنداته المشبوهة وفكره الشمولي المبني على القتل والإرهاب والتصفيات الجسدية وإنهاء الآخر،وكان آخرها مقاله”مرة أخرى مع الموقف من حزب البعث! المنشور في العدد2599 في 28/32/2009 من الحوار المتمدن وكنت راغبا بالتعليق على ما كتب الأخ الكريم إلا أني رأيت الموضوع لا يوفيه تعقيب رأيت أفراده بمقال .
وأنا لا أشك في نبل منطلقات وأهداف الأخ الكريم وأنه أكثر من اكتوى بنار البعث وناله ما ناله منه وانه الأعرف بأن هذه الجرثومة إذا عادت “عادت حليمة إلى عادتها القديمة “ولكن هناك نقاط معينة سأشير إليها راجيا منه مناقشتها ودراستها لتلمس الحقائق الواردة فيها :
1- أن البعثيين الذين أجبروا على الانتماء أو اضطروا لأسباب خارجة عن أرادتهم لم يكونوا مشمولين بالاجتثاث أو التصفية أو الفصل وهؤلاء عاد أكثر لممارسة دوره الاجتماعي دون أن يناله شيء ومارسوا أعمالهم الوظيفية وأصبحوا جزء من المجتمع دون أن يصنفهم احد على إنهم من البعث .
2- أن التفاوض الذي يجري حاليا والدعوات لإلغاء اجتثاث البعث وقانون المسائلة والعدالة وفتح صفحة جديدة وعفا الله ما سلف وما إلى ذلك من أطروحات الغرض منها أعادة رموز النظام السابق وإطلاق سراح المعتقلين منهم وإشراكهم في السلطة وإرضائهم،تمثل في السعي المحموم من قبل جميع الأطراف السياسية للفوز بترضيتهم والتنازل لهم ،وهو ما بان واضحا في قنوات الاتصال بين السيد رئيس الوزراء من جهة ونائب رئيس الجمهورية عادل عبد المهدي من جهة أخرى وهما القطبان الرئيسيان في الحكومة العراقية لأن موقف القيادات الكردية مع عودة البعثيين إلى الواجهة لحسابات معروفة للجميع بما يربط أولئك وهؤلاء من علاقات لم تنقطع رغم الحروب والمآسي التي أحاقت بالشعب الكردي،وان الكثير من الأحزاب العاملة في الساحة العراقية تسعى ما وسعها الجهد لكسب البعثيين إليها بحجة احتضانهم والدفاع عنهم،وأن الكثير من هذه الأحزاب قد تغلغل في صفوفها البعثيين لا استثني منهم حزبا دينيا أو سياسيا وأن عتاة البعثيين يصولون ويجولون في الساحة السياسية ضمن أحزاب لها تأثيرها في العملية السياسية،ومنهم كانت الجماعات المسلحة التي أثارت الفتنة الطائفية وأدت إلى مقتل وتهجير الملايين كما يعلم المعنيين بالشأن العراقي .
3- يخطئ من تصور أن البعث ألقى سلاحه وغادر ساحة الصراع السياسي بعد سقوط الصنم الكبير فقد تغلغل البعثيين في أجهزة الدولة المختلفة سواء التشريعية أو التنفيذية أو القضائية ولو أمعنا في الوجوه الماثلة في الساحة العراقية لوجدنا أن الكثير من نواب الشعب ووزرائه ووكلاء الوزارات والمدراء ورؤساء الدوائر هم من البعثيين بشكل أو آخر وإنهم نتاج النظام السابق بدليل أن ما كان يجري سابقا من فساد وإفساد قد أزداد بفضل الخبرات المتراكمة لهؤلاء وأن الأحزاب القادمة من الخارج لم يكن لها القاعدة الشعبية القادرة على أدارة دفة الحكم فالتجأت أو ألجأت هؤلاء بالانضواء تحت رايتها في محاولة منهم للبناء الجديد على ذات الأسس التي كانت عليها السلطة السابقة وبذلك فلم يكن التغيير حاسما بل جاء وفي طياته الكثير من رموز الماضي وللمتابع استعراض مكونات الدولة وإدارتها ليجد أن من كانوا في الإدارة السابقة انتقلوا إلى مستويات أعلا في الإدارة الجديدة بحسب جدهم واجتهادهم في النفاق الوطني والسياسي وقدرتهم على التعامل مع المتغيرات والأدلة على ذلك أكثر من أن تحصى.
4- عمل إتباع النظام السابق على إسقاط النظام الجديد داخليا وخارجيا ،فداخليا أستطاع هؤلاء الإمساك بـأزمة السلطة تحت وجوه جديدة معدة لمثل هذا اليوم وتمكنوا من العمل لإسقاط النظام الجديد من داخله من خلال ممارسة البيروقراطية والفساد وتعطيل عملية البناء بما يمتلكون من خبرات في التخريب والهدم ويجب أن لا يغيب عن بالنا إن النظام السابق اعد لمثل هذا اليوم وزج في صفوف المعارضة العراقية وأحزابها الكثير من أزلامه الذين لا زالوا يعملون بأجندته لما يمتلك الحزب من إمكانات مالية هائلة وخبرة مكتملة في العمل ألمخابراتي والتخريبي طيلة أربعة عقود،وما يحضا به حاليا من دعم خارجي من جميع الدول العربية التي ترتبط بعلاقات حميمة مع سلطة البعث السابقة سواء على مستوى الحكومات أو الأشخاص والجميع يعلم أن النظام البائد أشترى بأمواله الكثير من رجال العمل العربي من كتاب وشعراء ومفكرين وإعلاميين وشخصيات حكومية وزعماء معروفين ،وهؤلاء فرضوا على الحكومة الجديدة اللجوء إلى المفاوضات مع البعث وأعادته إلى الساحة السياسية من جديد وما جولة عمرو موسى إلا جزء من هذا المخطط الرامي إلى عودة البعث للمشاركة في إدارة السلطة في العراق تمهيدا للانقضاض عليها بانقلاب عسكري بما يمتلكون من خبرات كبيرة في هذا المجال وسينسحب المعارضون إلى الخارج من جديد بعد أن تمكنوا من اكتناز مليارات الدولارات تحسبا لما تخبئه الأيام.
5- إن المفاوضات الجارية الآن هي مع القتلة والمعارضين للتغيير ممن لهم تأثيرهم في الساحة العراقية بما يمتلكون من جماعات مسلحة استطاعت لجم الحكومة الحاضرة وإجبارها على التنازل مضطرة لأن الحكم الجديد همش المشاركين معه في العملية السياسية من البله المؤمنين بأن العراق سيتحول لدولة ديمقراطية،ناسين أو متناسين أن القوة هي الفيصل في العمل السياسي في العراق وأن (الضعيف يروح بين الرجلين) وأن من لا يمتلك السلاح لا مكان له بين المتصارعين.
6- لم يكن الأمريكان جادين في إنهاء البعث رغم أنهم من صاغ قانون الاجتثاث فالقانون الذي أصدره بريمر كان يهدف إلى أبقاء البعث في الساحة بحجة اجتثاثه وذلك بخلط الأوراق ،لأن معظم الوثائق التي تدين القتلة والفاسدين من أزلام النظام السابق أحتفظ بها الأمريكان لديهم وحولوا الأمور إلى فوضى عارمة أختلط فيها الحابل بالنابل ولم يتضح الصبح لذي عينين،لذلك لعبوا هذه الورقة في محاولة لكسب الوقت وإعادة البعث بطريقة أخرى دون صدام،لأن البعث هو الورقة الرابحة بيد الأمريكان وله الاستعداد على التعامل معهم بما يخدم مصالحهم،ويعلم الجميع أن السلطة جاءته منقادة تجرجر أذيالها بفضل سادته الأمريكان.
7- ولعل المحزن في الأمر أن أيا من البعثيين أو قادتهم لم يكن مستعدا للاعتراف بالخطأ والإقرار بما ارتكب من جرائم أو حاول احدهم طلب الصفح من الضحايا حتى يندفع البعض للإشادة بتجربة أفريقيا أو كردستان أو غيرها من الدول التي منيت بما مني به العراقيون ،بل إن البعث يعتبر هؤلاء الضحايا مجرمين يستحقون أكثر مما لحق بهم ويطالب بحقه في العودة إلى السلطة وكأن العراق ملكا لعفلق أو أبناء العوجة،وأنهم زناة غير مسئولين عما جنت أيديهم لأن العراقيين عبيد وخولا لهم إحيائهم أو قتلهم على طريقة قياصرة روسيا وإقطاعييها الذين لا يحاسبهم القانون على قتل عبيدهم أو الزنا بنسائهم لأنهم عبيد مملوكين للطغمة الحاكمة ولا أعتقد أن العراقيين عبيدا لصدام وحزبه أو للاعاريب أمثال عفلق والعيسمي والمتغطي وغيرهم من حثالات العرب الذين ساموا العراقيين سوء العذاب.
8- السبب الأكبر في بقاء البعثيين وتنمرهم هو الشعب العراقي فقد لاحظنا بعد سقوط النظام أن البعثيين أنزوا في الأقبية والمخابئ كالجرذان المذعورة خشية الانتقام وعندما وجدوا أن الشعب المبتلى بعاداته الاجتماعية غض النظر عنهم تحت واجهات القرابة والعلاقات العشائرية والدية والوساطة حتى عادوا من جديد لا للإسهام ببناء الوطن بل للهيمنة والعودة إلى السلطة من جديد بعد أن وجدوا إن القادمين من الخارج لا هم لهم لا النفع الذاتي والاستحواذ على الملايين وبذلك نفذوا من هذه الزاوية وتمكنوا من إعادة لملمة صفوفهم وما حصلوا عليه من دعم من دول الجوار التي وجدت فيهم ورقة رابحة لبسط نفوذها من جديد.
9- يحاول البعض تبسيط الأمور وإيكال الأمر إلى القضاء العراقي لمحاسبة الملطخة أيديهم بدماء العراقيين وقد تناسى هؤلاء أن القضاء العراقي لم ولن يكون نزيها في يوم من الأيام وأكثر عرضة للمؤثرات الأخرى لأنه لم ولن يكون مستقلا ويبقى تابعا لهيمنة القوى الكبرى وعرضت للفساد لعدم قيامه على أرضية صلبة من المهنية والأدلة على ذلك كثيرة فأزلام النظام والإرهابيين والقتلة الذين صدرت عليهم أحكام مختلفة بعد أن ثبتت جرائمهم لم تنفذ أي من الأحكام بحقهم لحد الآن بل أن الكثير من عتاة المجرمين هربوا من السجن بمساعدات معروفة وشمل مئات الألوف منهم بقانون العفو العام وقوانين العفو التي ستصدر لاحقا وربما تشمل علي كيماوي وطارق عزيز وحسين التكريتي وسلطان هاشم وغيرهم ممن قتلوا الآلاف لذلك فان مثل هذا القضاء لا يعيد حقا ولا ينفذ قانونا لأنه خاضع لمتطلبات السياسية وأغراضها البعيدة عن القوانين وبالتالي فان المجرمين الحقيقيين سيطلق سراحهم ويحكم على الصغار منهم والبسطاء ممن لا يوجد من يدافع عنهم لأنهم خارجين عن التشكيلة البعثية الجديدة ولا يمتلك السياسيين هذا الحق بالتنازل عن القتلة والمجرمين وعليهم العودة إلى ضحايا النظام ممن غيب أو قتل أبنائهم أو من سلبت كرامتهم لأخذ التنازلات التحريرية منهم وللحكومة الراشدة أن تتنازل عن حقها العام لان حقوق الضحايا لورثتهم الشرعيين وليس للغرباء ممن يساومون من اجل مصالحهم الذاتية،وعلى العراقيين أن يعوا هذه الحقيقة وان لا يسمحوا لكائن من كان التلاعب وإضاعةِ حقوقهم.