الرئيسية » مقالات » هل عادت حليمة إلى عادتها القديمة؟

هل عادت حليمة إلى عادتها القديمة؟

تمتع الناس في المناطق الساخنة السابقة من العراق خلال الأشهر الأخيرة وفي أعقاب تطبيق حملة “فرض القانون” بالهدوء النسبي الذي تخللته بعض العمليات الإرهابية هنا وهناك. ولكن شعر الناس بحالة جديدة من الأمن المتطور. وبدأ الناس العراقيون المهاجرون قسراً وبسبب الإرهاب يفكرون بالعودة إلى العراق وعاد بعضهم فعلاً, وبدأت الدول العربية تعيد تدريجاً سفرائها وفتح سفاراتها في العراق, كما نشطت حركة السوق الداخلي, رغم تراجع أسعار النفط الخام إلى الثلث تقريباً, وبدأ الفرنسيون والألمان والعديد من حكومات الدول الأوروبية يفكرون بالتعاون الاقتصادي, كما بدأت الإدارة الأمريكية تخطط لسحب قواتها العسكرية تدريجياً من العراق وفق الاتفاقية التي تم التوقيع عليها والخطة التي اتفق عليها مع الحكومة العراقية. وفي مثل هذه الأجواء تنشأ إمكانيات تنشيط الاستثمار الحكومي والقطاع الخاص في العملية الإنتاجية وفي الخدمات لإنعاش الاقتصاد وتوفير فرص عمل جديدة للعاطلين عن العمل. كل هذه الجوانب الإيجابية بدأت تبرز خلال العام المنصرم على نحو خاص, ثم حصلت الانتخابات التي مرت عموماً بسلام بغض النظر عن النتائج التي انتهت إليها.
هذه الأجواء الجديدة لم ترض تلك القوى الإرهابية بمختلف فصائلها, سواء أكان هناك من يحركها من وراء الحدود أم من الداخل وسواء أكانت عراقية أم غير عراقية, واعتقدت بأنها فقدت الأرضية التي تقف عليها, فأغاظها ذلك وبدأت تحرك قواها النائمة أو أجيال جديدة منها لتثير الخوف من جديد في نفوس الناس في الداخل والخارج وحكومات الدول العربية والأجنبية, وبالتالي يتعطل إرسال السفراء والمبعوثين أو البدء بالتفاوض من أجل التعاون الاقتصادي … الخ.
في مقالات سابقة أشرت إلى أن قوى الإرهاب غير مستعدة على تخلية العراق بسرعة, بل ستبذل المستحيل من أجل البقاء ومواصلة إشاعة الفوضى والموت والدمار وإيقاف انسحاب القوات الأجنبية, وخاصة الأمريكية والبريطانية, من العراق, لأنها عند ذاك تفقد ما تدعيه من مقاومة القوى الأجنبية المحتلة للعراق, وأنها ستمارس توجيه الضربات هنا وهناك لإعطاء الانطباع بأن الحكومة غير قادرة على حفظ الأمن والاستقرار من جهة, كما تنتظر أن تنشأ خلافات بين الأحزاب والقوى الإسلامية السياسية وكذلك بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان من جهة أخرى, لتستثمر الوضع وتتحرك من جديد للصيد بالماء العكر. إنها الآن تعيد ترتيب أوضاعها وتحرك الحد الأدنى من قواها وتحاول إخفاء ما لديها من قوى في القوات المسلحة العراقية أو في صفوف قوى أخرى سياسية أو اجتماعية لفترة لاحقة, ولكنها لن تكف, حين تتسنى لها الفرصة, لتوجيه ضربات هنا وهناك, وحيثما تكون اليقظة والعمل ألاستخباراتي ضعيفين.
معطيات الواقع العراقي تشير إلى أن قوى القاعدة لها ثلاث حاضنات في المرحلة الراهنة, وهي:
** قوى هيئة علماء المسلمين ورئيسها حارث الضاري. ولم يخف الأخير هذه الحقيقة البشعة التي كانت بمثابة السر المكشوف وغير المصرح به, حين صرح به عبر الفضائيات.
** قوى حزب البعث بقيادة عزت الدوري وجماعات بعثية صغيرة أخرى.
** بعض القوى القومية اليمينية المتطرفة التي ترى ضرورة إبقاء العراق غير مستقر بهدف التضييق على الأمريكيين.
هذه القوى كلها تحمل سوية الشعار المهلهل, شعار ” المقاومة الشريفة” , وهي تدرك تماماً بأن العمل الإرهابي الذي تخوضه هو مقاومة غير شريفة, ولكنها تؤمن بالأساليب الفاشية في الحكم أو في الوصول إلى الحكم وفي استعادة ما فقدته بسقوط نظام صدام حسين الدموي.
ولهذه القوى حاضنات أخرى في الخارج, سواء أكانت من دول الجوار أم من قوى سياسية قومية يمينية وإسلامية سياسية متطرفة.
من هنا تنشأ الحاجة الماسة إلى بذل أقصى الجهود باتجاهات أساسية نشير فيما يلي إلى بعضها:
1. العمل من أجل تنشيط العلاقات والحوارات الفكرية والسياسية بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان لحل المشكلات المعلقة والعمل على تعزيز التفاهم وفق قواسم مشتركة.
2. التخلص الفعلي من المحاصصة الطائفية التي لا تزال تتجلى في سياسات الوزارات أو في المجالس المحلية أو في مجلس النواب القائم.
3. تنشيط العمل من أجل البناء وإعادة الإعمار وتنظيف المدن, وخاصة إعادة بناء البنية التحتية, من أجل إيجاد فرص عمل للعاطلين لمنع أن يكونوا أرضاً خصبة لقوى الإرهاب.
4. تنشيط العمل الاستخباراتي ضد قوى الظلام والإرهاب, من أجل تقليص الاضطرار لخوض عمليات عسكرية واسعة, والكشف عن أوكار الإرهابيين والأسلحة الموزعة بكميات هائلة في سائر أنحاء العراق, إضافة إلى ما يصل من سلاح جديد للإرهابيين.
5. تنشيط الرقابة على الحدود العراقية الطويلة مع الدول المجاور لنا من كل الجهات, والتي من خلالها دون استثناء يمر الإرهابيون وتمر المساعدات المرسلة لهم إلى داخل العراق.
6. لم يعد مقبولاً أن يبقى العراق دون سياسة اقتصادية – اجتماعية مدروسة جيداً وموجهة للتنمية الصناعية وتحديث الزراعة, إضافة إلى تطوير القطاع النفطي, الذي, كما يبدو حتى الآن, أن وزارة النفط عاجزة عن أن تمارس سياسة هادفة وقادرة على السير قدماً في هذا القطاع الحيوي المتخلف كثيراً والمنهوب أيضاً.
نتمنى أن تنجح الحكومة العراقية والقوات العسكرية في وضع حد لتلك القوى التي لا تزال تواصل ممارسة التفجيرات الانتحارية وزرع عبوات ناسفة ونصب ألغام وممارسة الاغتيالات وإشاعة الفوضى والدمار الواسع في البلاد.
إن الدلائل على أرض الواقع تشير بما لا يقبل الشك إلى عودة حليمة إلى عادتها البشعة القديمة, إلى العبث بأرض وشعب العراق, ولكن, كما أعتقد, بأن الفرصة سوف لن تكون متاحة كثيراً لها لو تمكن الشعب وقواه الوطنية من حل المعضلات الراهنة بطرق ديمقراطية سلمية وتفويت الفرصة على القوى التدميرية من الصيد بالماء العكر.