الرئيسية » دراسات » الفكر الابداعي بين العلم والادب – (دراسة مقارنة)

الفكر الابداعي بين العلم والادب – (دراسة مقارنة)

 البرلمان العراقي الاصدار رقم 320
——————————————————————————–
استفزاز العقل أواثارته سلاح ذو حدين، قد يغدو ذاك العقل مبدعا في عطائه كرد فعل مرافق للقوة المثيرة ومعبرا عن رفضه لتوجهاتها والسعي لاختزال دوره، والعكس صحيح, حيث يمكن ان يتحول الى قوة تدميرية خطرة اعتمادا على فلسفته او توجهه في حال غياب الحل الوسط.
اثارة العقل يتمخض عنها مغادرته او هروبه عن دائرة المالوف صوب حدود المواجهة مع القوة المستفزة لصيرورته وطبيعته التاريخية وفلسفته (واقصد هنا العقل الراقي وليس شىء آخر)، وربما يكون الهروب بمعنى الفشل والتواري درءا للخطر والحفاظ على الكينونة. وحسب قانون الفعل ورد الفعل لنيوتن، فلا بد للعقل ان يكون مهيأ لتقبل قوة الصدمة او على الاقل المراوغة لامتصاص تاثيرها المدمر حتى حين، والا حدثت الكارثة. القوة المثيرة تحاول تدمير الاخر بشتى الطرق، لكن العقل المثار متى ما كان صلبا يصبح بمقدوره الرد بحزم رافضا الخنوع.
واقصد بالقوى المستفزة او المثيرة هي جملة العوامل الغير طبيعية والتي قد يقع العقل البشري الراجح والمنتج تحت وطأتها وتاثيراتها السلبية والتي تتسم بالقسوة والالم، ومنها الحروب، الكوارث، قهر السلط، الانظمة الشمولية،الفصل العنصري، الفقر، المرض، المنافي،الحرمان بصنوفه….الخ. وبطبيعة الحال تحاول هذه القوى تقويض او قل تشويه وحتى قتل الروح الابداعية كناتج عرضي لقسوتها.
العقل المتطور او ما اسميه هنا بالراقي هو العقل المبدع، بغض النظر عن اختصاصاته الادبية او العلمية او الفنية وغيرها، هذا العقل هو الاكثر حظا بالتاثربالهزات المفاجئة والغير مفاجئة والتي تدور حوله، والا ما جدوى تسميته بالراقي!!، في حين تتاثر عقول عامة الناس بدرجات متفاوتة وكذلك ردود افعالهم حيال ذلك.
الفكر الابداعي في سردي التالي يتوزع بين العلم والادب حصريا ولا اعرج على الفنون والنشاطات الثقافية الاخرى والتي سافرد لها موضوعا خاص مستقبلا. وحسب طبيعة ونوع القوى المثيرة اعلاه يمكن التكهن بردود الفعل لدا المبدع سواء كان علمي او ادبي، ونقارن بين طبيعة المنتجين واللذين افرزتهما قوى الاستفزاز آنفة الذكر.
من ألمعروف أن ألأبداع ألأدبي سبق ألأبداع ألعلمي بكثير وذو تراث وخزين يتوزع بين شعوب ألعالم ولا يمكن لنا تصور زمن نشوءه او دواعي تعاطيه لأيغاله في ألقدم، ولكن ألذي وصل لنا منه يدل على ذلك ومنه ألألياذة، وملحمة كلكامش، وشعر ألمعلقات،….. وغيرها. ويمتاز ألفكر ألأدبي بثراء مادته وتنوعها حيث تزخراللغة بمفرداتها وتعابيرها وقواعدها خدمة لابراز مادته وتوصيل فلسفته الى المتلقي بيسر. هو أولا إدراك حسي يترجم إلى لغة تعبيرية على هيئة قالب نمطي متعارف عليه تنقل ألفكرة ألأدبية إلى الاخر. أما ألإبداع ألعلمي فهو تطبيق لمجموعة من ألمدروكات أو ألقوانين ألمادية ألملموسة يتلاعب بها ألمفكر ألعلمي وصولا لهدفه، ويستفيد من ألخزين ألعلمي ألموروث ألذي يدور في فلكه، وقد تلعب ألصدفة دورها في بلوغ ذلك ألهدف وألأمثلة كثيرة، في حين لآ وجود للصدفة في عالم ألأبداع ألأدبي.
ألفكرة أولآً، يدور ألبحث حولها بالتلاعب بالادوات ألمتاحة لتنفيذها وتشمل ألقوانين، وألمعادلات ألرياضية، وأدوات ألمختبر، وألرسومات, وهذا يخص ألجانب ألعلمي، أما ألجانب ألأدبي، فيشمل أللغة وقواعدها ومفرداتها وألسياقات ألمتبعة للون ألأدب كأن يكون قصيدة أوقصة أومقالة او مسرحية أونقداً……. ألخ..
مما سبق يمكن إدراك إن هناك منتج علمي ومنتج أدبي بغض ألنظر عن ألجودة، وتكون غزارة ألأنتاج ألأدبي أعلى منه في ألعلمي وألذي يكون (أي ألعلمي) نمطياً بمجرد إستكمال ألنموذج ألأول في حين تتنوع ألفكرة في ألأنتاج ألأدبي ولا يخضع لاي قالب نمطي عدا ألأسس وألقواعد ألمتبعة في إنجازه، فلا ترى قصيدتين أو قصتين متشابهتين طبق ألأصل،في حين نرى ذلك جلياً في ألآنتاج ألعلمي.الانتاج الادبي متحرك وذو مواصفات غير ثابتة، فردي التنفيذ، عكس نظيره العلمي والذي يكون غالبا جماعي التصميم والتنفيذ.
من ألمقد مة أعلاه حاولت أن اوضح وبايجاز بعض اوجه الاختلاف والتشابه بين الانتاج الادبي ونظيره العلمي دون الخوض في النوعية والتي تتراوح بين الرديء والمتوسط وعالي الجودة وحسب الدرجات الشائعة في التقييم، وموضوع الزجاجة وعنقها ينطبق على كل من المفكر الادبي والمفكر العلمي، حيث يدور كل منهم داخل هذة الزجاجة بافكارهم وتصوراتهم اين كان نوعها وطبيعتها وتكون بمثابة المختبر الذي تجري فيه البحوث والتجارب العلمية اوالادبية من اجل انجاز وخلق الفكرة الابداعية والتي هي محور بحثي الاحق.
اذ لا بد للفكرة الابداعية من اجتياز عنق الزجاجة اذ هي اكتملت لتحلق خارجا في فضاء ارحب لتبدا عملية الفرز والتقييم.
الابداع الادبي هو تفوق المفكر او المبدع على النص الادبي لا العكس،ولن يحدث ذلك إلآ تحت شروط مثلى تكون كفيلة بوصوله إلى حالة رقي ألنص, من أهمها ألإنسجام ألتام بين فكرة ألنص وأللغة المعبرة عنه، أي أن ألمفردة أللغوية وصياغاتها ألمستخدمة يجب أن تستغل للدرجة ألقصوى لخدمة فكرة ألنص وألتعبير عنه بدقة وألتي يجب أن تكون هي ألأخرى ذات مواصفات عالية ألجودة وألرقي، إضافة إلى إلغاء مبدأ ألدوران حول ألفكرة وبدوره يلغي ألأخطاء ألمحتملة من عدم ألوصول ألسريع وإقصائها سواء كانت فكرية أو لغوية.
في شعر جاك بريفر نلاحظ ذلك جلياً، تمكن هذا ألمبدع من ألوصول إلى هدفه بسهولة وحنكه وأقل ألخسائر، ومن تفوقه إنه يترك مساحة واسعة لقرائه بألتأمل وألتفكير لاغياً مبدأ ألدوران حول ألفكرة، بل هو طرد ألتكرار ألفكروي وأللغوي من نصه وأبدع بألوصول ألسريع ومن هنا نشأ ألتفوق عند هذا ألأديب بألأضافة إلى تسخيره ألمفردة ألسهلة وألمعبرة. في قصيدته (لكي ترسم صورة طائر) يمكن للمتابع ادراك ذلك:
أولا أرسم قفصا
باب مفتوح
ثم ارسم شيئا حلوا
شيئا بسيطا
شيئا جميلا
شيئا نافعا للطائر
ثم ضع اللوحة القماشية على الشجرة
في حديقة
في ايكه
او في غابة
واختبىء خلف الشجرة
اوضح (هردر) لغوتة (ان الشعر الحقيقي يجب ان يكون نابعا عن تجربة خاصة حتى لا يكون صناعيا متكلفا) وكذلك الرواية، وهذا ما جسده غوتة في رائعته (آلام فارتر). بمعنى يجب ان تكون هناك قوة مثيرة فعليا هي القضية التي تشارك المبدع في صياغة المادة الابداعية، قد تقتله كما فعل المرض ببدر شاكر السياب، لكنها الهمته روح الابداع، وربما تشرده كما شردت الحروب الكثير من المفكرين والمبدعين والعلماء. وغيبت الانظمة الشمولية آلاف من الادباء والعلماء والمفكرين.
وفي مسرحية الذباب لسارتر تتجلى تلك المشاركة بوضوح، فكانت الحرب العالمية والاحتلال النازي والثورة هي القوة المثيرة او التجربة الخاصة لسارتر كما اسماها (هردر) لغوتة،حين كان النظام النازي يحتل فرنسا وكانت المقاومة تحاول التخلص من سطوة النازية، حيث استحضر سارتر الاسطورة كرمزلمادته الابداعية في مسرحيته. وخلاصة القول ان لكل نص ابداعيا اواختراعا، نصا آخر خلفه سوا كان علمي او ادبي او غيره.
وللعوده الى الابداع العلمي مقارنه بما تقدم نرى ان التلاعب باللغه هو نفسه التلاعب بالقوانين والمعادلات العلميه كما ان سرعه الوصول مطلوبه هي الاخرى بل جوهريه وكذلك جماليه المنتج تقابلها جماليه النص الادبي من حيث ألألتزام بالقواعد ألأدبية ألمتعارف عليها وحسن إدارتها وتنظيمها. وجودة ألمنتج سواء كان أدبي أو علمي تفرض نفسها على ألمستفيد وألتي صنفت من قبل.
الا ان القوة المستفزة هنا لا تختلف عن نظيرتها في الجانب الادبي، والاختلاف يكمن في دوافع قبول او رفض توجهاتها واهدافها.الرفض يكون بدوافع انسانية بحته ترافقها هواجس بضرورة التاكيد على تحقيق الذات الابداعية وقبول التحدي حتى وان كان قاسي ومدمر. في حين تعزى مسايرة القوة المثيرة الى عوامل اقتصادية، ومرضية منها النرجسية، وقد تكون وراثية….. وغيرها من الدوافع.
ولكن دعونا نتحدث عن ألأدراك ألحسي وألعاطفي للمبدع ألأدبي وألذي لايختلف كثيراً عن نظيره ألعلمي إلا في مبدأ ألعاطفة، نتحدث عن لحظات ألتجلي وألتي يسميها ألبعض لحظات ألخلق ألإبداعي وألتي لا تتوفر أو تتهيأ للجميع، أحد ألأصدقاء يسميها {ألغيبوبة} وفي تصوري هي أقرب لهذا ألمفهوم، كما هي ألتسامي أو لحظة ألتفوق, يتم خلالها ألعزل ألكامل للمداخل وألنوافذ ألتي تؤدي إلى ألتشويش على ألفكر ألبشري ألخلاق وألمهيأ مسبقاً للعطاء ألمتميز، وألتي تساهم في إضعاف طاقته ألإبداعية وبمعنى آخر إستحضار مبدأ ألتركيز على ما هية ألفكرة وطرد ألشوائب ألمحيطة بها مما يؤدي إلى ألنفوذ ألحر وألمباشر وألتحكم بالروافد ألعقلية صانعة ألإبداع ألبشري. ولا يفوتني ألقول لكل أديب طاقته ألإبداعية تؤثر عليها جملة عوامل منها: ألبحث وألممارسة وألموهبة…..ألخ،
وتتجلى ألعبقرية هنا باروع صورها فيما لو توفرت لها ألشروط أعلاه إضافة إلى شروط أٌخرى لايمكن ألخوض فيها لسعتها وتعقيدها، بحيث تصبح هذه ألعبقرية صفة دائمة وملازمة للمفكر ألأدبي أو ألعلمي متى ما ظّل محتفظاً بشروط ألخلق ألإبداعي ومقترنةً بسمات نتاجه. وفي ذلك خروج من عنق ألزجاجة سبق ألحديث عنها آنفاً وألتي لم تتوفر إلآ للقلائل من أعلام ألفكر ألعلمي وألأدبي ألإنساني، في ألوقت نفسه تظل جموع ألأدباء وألعلماء وألمفكرين تدور داخل ألزجاجة تتحين ألفرصة للخروج من عنقها إلى ألفضاء ألأرحب وهي فرص نادرة ومكلفة.
أما موضوع ألعاطفة فيشغل حيز كبير من ألعطاء ألأدبي إن لم يكن جله, فالحس ألعاطفي والانساني بمثابة ألمادة ألأولية للبناء ألأدبي ويتضح ذلك في نتاج ألأدباء مرهفي ألحس, حيث تألق ألكثير منهم في ظل أستثمار ألنزعة ألعاطفية وضمها لمكونات ألنسيج ألأدبي وألأمثلة على ذلك لا حصر لها، في حين يفتقر ألإبداع ألعلمي لمثل تلك ألنزعة أو تكاد تكون معدومة كونه يتعامل مع ألملموسات. وكثيراً ما يجهش كتاب ألقصيدة أو ألرواية بالبكاء عندما يكتبون أويقرأؤن نصاً تأثروا به وكذلك ألأمر بالنسبة للمتلقي.
يتضح مما يتقدم إن صفة ألعبقرية متى مالازمت ألمفكر في طروحاته وإبداعاته وأصبحت خطاً ملازماً له تولدت ألمفاهيم ألفلسفية لذلك ألمفكر وإتضحت ألرؤية ألمميزة لابداعه ألأدبي وألفكري، ومن هؤلاء: سارتر، دستوفسكي، فرويد، غوركي، آرنست همنغوآي، لوركا، بابلو نيروده، طه حسين، نجيب محفوظ, ألجواهري، ألسياب، نزار قباني، وألمئات من أعلام ألفكر وألادب ألمميز.
ألعبقرية ألعلمية تمت مصادرتها من قبل دول وشركات أخذت على عاتقها مسؤولية رعايتها وتطويرها وتحديد مساراتها خدمة لمصالحها، ورصدت لها ألمبالغ ألطائلة وألتي ساهمت هي ألأخرى في بناء صرح ألحضارة ألإنسانية ألمعاصرة، في ألوقت نفسه أُستغلت أستغلالاً سيئاً في بعض ألمجالات مماسبب ألمعانات ألمؤلمة لبني ألبشر مثل ألأسلحة ألمدمرة وأسلحة ألدمار ألشامل وغيرها.ومن هؤلاء ألعباقرة: نوبل، أنيشتاين، نيوتن، أديسن، ألأخوين رآيت،فلمنغ, وألقائمة تطول.
ومن ألمؤسسات ألمحتكرة للعبقرية ألعلمية: مايكروسوفت، شركات صناعة ألسيارات، شركات صناعة ألطائرات، وكالة ناسا لإبحاث ألفضاء، شركات ألنفط……..إلخ.وفي اعقاب الحرب العالمية الثانية تحديدا 1945، اعد (فاننفار بوش) مدير مكتب البحث العلمي والتطوير بمكتب الرئيس روزفلت، برنامجا للبحث العلمي في فترة ما بعد الحرب واتقرح تاسيس وكالة فيدرالية لتشجيع المعرفة العلمية الحديثة، واصبح الكونغرس مسؤول عن تمويل الابحاث ودعم التكنولوجية العلمية والهندسية.
وبقليل من التامل نستشعر حقيقة واضحة هي إن ألإبداع ألأدبي مبني على اُسس فردية وإمكانيات متواضعة عكس نظيره ألعلمي وألذي غالباً ما يكون جماعياً بسبب تبني ألحكومات وألمؤسسات الثرية له خدمة لمصالحها، لذلك نلاحظ أن ألإبداع ألعلمي سبق نظيره ألأدبي بكثير من ألمراحل وظل ألكثير من ألمفكرين وألأدباء وألمبدعين تحت خط ألفقر وتحت رحمة دور ألنشر ألجشعة، في حين تنعم ألمبدعون ألعلميون بثمار إنجازاتهم ويتهيؤن إلى ألأكثر المبني على اسس الاحتكار والتسلط والجشع.
وفي ألخاتمة يمكن ألقول أن ألإبداع ألأدبي يحاور ألنفس ألبشرية ومعانات ألمبدع لايمكن إدراكها بسهولة إذ تولد هذه ألمعانات ألم في ذات ألمفكر وألأديب ألمبدع كونها نابعة من مكامن ألإحساس بألاخر وعاطفته، في حين يقتصر ألإبداع ألعلمي على ألتعامل مع ألمادة بشكل صرف.
إن ألفكرة ألإبداعية هي ثمرة من ثمار تطور ألعقل ألبشري سواء كانت أدبية أو علمية يسعى ألكثير لبلوغها بالعمل ألدؤوب, وكل على شاكلته.
مهدي ألشمسي
Mahdi_alshamssi@yahoo.com