الرئيسية » مقالات » هجرة الكفاءات العلمية العراقية نظرة تحليلية (2)

هجرة الكفاءات العلمية العراقية نظرة تحليلية (2)

البرلمان العراقي الاصدار رقم 320
——————————————————————————–
البنية التعليمية للعراقيين في دول المهجر: تشير الإحصاءات إلى أن نسبة المهاجرين العراقيين ذوي المهارة العالية (13 سنة وأكثر في المدرسة) والمقيمين في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (تضم أربعين بلداً الكثير منها من الدول الغربية) كانت 38,6% والمهارة المتوسطة 26,6% عام 2000، ([1]) والنسبة الأولى تفوق تلك العائدة للجزائريين والمغاربة والتونسيين علما أن هؤلاء من الدول الرئيسية للهجرة المغادرة.
وخلال الفترة 1999-2003 كانت نسبة العراقيين ذوي الكفاءة العالية في السويد (6,8%) والدنمارك (4%) وهولندا (3,5%) وفنلندا (1,2%)،([2]) وهذه تعكس إقرار الدول المتقدمة بالكفاءات العراقية المقيمة في أراضيها.
وبلغت نسبة المستوى المهني العالي/الجامعة للعراقيات في هولندا 22% في 2003 وهي أعلى من النسبة العامة للنساء الأجنبيات من خارج الدول الغربية وأعلى من كل المجموعات، باستثناء السوريناميات والانتيليات المقيمات في هولندا،([3]) علما أن الأخيرات ذات إقامة طويلة. وفي ثمان دول متقدمة: استراليا، كندا، إيطاليا، فرنسا، أسبانيا، السويد، المملكة المتحدة والولايات المتحدة كلما كان مستوى تعليم العراقيين أعلى زاد معدل العمل وسطهم (63%) وانخفضت البطالة (12%) وأرتفع معدل المشاركة في سوق العمل (72%) عام 2000. ([4])
وحسب بحث عينة يعد المستوى الدراسي للعراقيين في بريطانيا بشكل عام عال ٍ. فثلث المستجوبين يحملون البكالوريوس، و20% في مرحلة الدراسات العليا بعد البكالوريوسٍ. وهناك اختلافات في مستوى التعليم بين الرجال والنساء، وهذه من المرجح عائدة إلى الأهمية الكبيرة التي يتمتع بها التعليم بالنسبة للذكور في المجتمع العراقي. ونسبة الرجال كانت أعلى في الدراسات العليا 25% مقابل 9% للنساء.([5]) وتشير إحصائيات أخرى إلى أن نسبة الذين يحملون الشهادات العليا هي 33% للذكور و9% للإناث في هذا البلد.([6]) وهناك طيف واسع من الاختصاصات المهمة التي تتمتع بها الكفاءات العراقية في بريطانيا، وحسب توزيعها نجد أعلى نسبة للمهندسين 29% وأقل نسبة 1% لكل من التقنيين والسيكولوجيين والممرضين والممرضات. ([7])
وتقترب نسبة اللاجئين العراقيين في أستراليا ذوي الكفاءة العالية من 20%. وقد أظهر الإحصاء عام 2001 أن الجاليات اللاجئة التي وصلت حديثاً إلى استراليا تتمتع بنسبة عالية من تعليم الدرجة الثالثة بما فيها الجامعة مقارنة مع سكان أستراليا عموماً. وهذه النسبة تشمل العراقيين بالطبع، لكن يلاحظ أن معدل البطالة وسطهم مرتفع كثيراً (34,2%). ([8]) ومقارنة مع المعطيات السابقة فإن هذه الأرقام تعكس تباين المعطيات الإحصائية وتعريف الكفاءات العالية والفروق في المعدلات حسب الدول.
أضرار هجرة الكفاءات العلمية
دون شك، تعاني كل البلدان النامية من خسائر فادحة جراء هجرة كفاءاتها التي هي في أمس الحاجة إليها لتطوير بنيتها الاقتصادية والاجتماعية والعلمية والثقافية. ولكن هناك تباين في مدى الخسائر بين بلد وآخر حيث بعض البلدان تعاني من فيض الكفاءات وعدم قدرة السوق المحلي على استيعابها مثل الهند ومصر. أما في حالة العراق فالأمر مختلف، حيث هناك حاجة لكل أو للغالبية الساحقة من الكفاءات في ضوء توفر البلد على موارد اقتصادية مهمة لكن المشكلة تكمن في السياسات الحكومية الخاطئة،على المستوى السياسي والاقتصادي، وعلى مستوى تخطيط وتكامل برامج التنمية، الأمر الذي يقلل من فرص الاستفادة من الكفاءات ويدفعها للهجرة.
تزداد خطورة هجرة الكفاءات يوماً بعد آخر باعتبارها عملية تهديم كبرى لكل المحاولات الرامية لتثوير التنمية والتطور التكنولوجي السريع، الأمر الذي يجعل الهوة العلمية والتكنولوجية والحضارية تزداد عمقا مقارنة مع البلدان المتقدمة.([9]) فمن خلال خسارة العنصر البشري المؤهل تتفاقم مشاكل التنمية وتتضاعف خسائرها أكثر فأكثر نتيجة العجز الكبير الذي يحدث لها في القدرات العلمية والتكنولوجية مما يحدد ويضيق كثيراً من حجم الطاقة الاستيعابية للاقتصاد عموما.([10])
إن الخسارة التي تلحق البلدان من جراء هجرة الكفاءات لا تقتصر على تحمل كلفة تهيئة الكوادر دون الاستفادة منها فحسب، إنما تكمن أيضاً في حرمانها من كل القيم الجديدة المضافة في مختلف فروع الأنشطة الاقتصادية، والتي تضيفها هذه الكوادر في الدول التي تهاجر إليها. هذا إضافة للخسائر المتحققة من خلال ما يلحق بأجهزة التعليم من أضرار من جراء تناقص رصيدها من هذه الكفاءات الأمر الذي يضعف من قدرتها في تعبئة القوى البشرية اللازمة للتنمية.([11])
بسبب هجرة العلماء الدائمة من العراق ظهرت مشكلة قلة خبراء التدريس والمبدعين وقادة البحث العلمي بالرغم من الجهود الكبيرة التي تبذلها العقول العلمية المتخصصة الباقية في البلاد في الارتقاء بمستويات التدريس. و يبدو أن استمرار مثل هذا الوضع أدى إلى تدهور مستويات الدراسة في الجامعات. لكن وزارة التعليم العالي بسياستها الصائبة في إيفاد أعداد كبيرة من التدريسيين إلى الخارج ولفترات طويلة نسبيا سيساعد بدرجة كبيرة في الحد من هذا التردي ولربما عكس مساره. ([12]) وفي تقديرنا هذا مرهون بتبني سياسة محكمة لإدارة الإيفادات العلمية على المدى المتوسط والبعيد، تعتمد الكفاءة، وتكون نهجاً ثابتاً وليست مرحلة مؤقتة. إذ يلاحظ أنه حتى الدول المتقدمة لا تستغني عن التبادل العلمي نظراً لمردوداته الكبيرة في تطوير مهارات الكفاءات العلمية واغناء تجربتها ومن ثم مساهمته في تطوير كامل البنية الأكاديمية والبحثية.
وبالنسبة للخسائر المادية الكبيرة التي يتكبدها العراق نورد هنا بعض الأمثلة: بلغت كلفة تدريس وتخرج طالب كلية الطب أكثر من 45,000 دولار في السبعينات. ([13]) وبحسب دراسة أعدتها منظمة الطاقة الذرية العراقية عام 1989 قدرت كلفة دراسة الحائز على الدكتوراه في العلوم والتكنولوجيا 140,000 دولار.([14]) وقدر د. وليد الحيالي كلفة هجرة 17500 حامل ماجستير و7500 حامل دكتوراه بـ 4550,45 مليون دولار بينما تبلغ كلفة استقطابهم 1125 مليون دولار وبذلك يحقق العراق فيما إذا عادوا وفراً يبلغ 3452,45 مليون. وهو يشكل نسبة عائد 304%.([15]) ومما يزيد المشكلة تعقيدا إن تعويض هذه الكفاءات يحتاج إلى الوقت والمال، ويتوجب على البلد أن ينتظر بين 15-20 سنة لتعويض هجرة مائة طبيب من ذوي الاختصاص .([16]) إضافة إلى انعكاسات هذا في تراجع الخدمات الطبية.
وهناك جانب آخر من الخسارة ناتج من أن الكثير من المتخصصين وأصحاب الكفاءات لا يجدون أعمالا تتناسب مع مؤهلاتهم العلمية والمهنية، وبالأخص في بلدان اللجوء، نتيجة صعوبات تعلم اللغة الجديدة أو الاختلاف في تقييم الشهادات أو التمييز العنصري، وكل هذه تساهم في انتشار البطالة وسطهم. حيث بلغت البطالة 12% لذوي التعليم العالي من العراقيين في ثمانية دول متقدمة كما ذكرنا ذلك . لذلك نرى غالبية اللاجئين العراقيين تعيش في مستوى دخل منخفض في دول اللجوء يتمثل في الحد الأدنى. ففي هولندا بلغت البطالة وسط السكان النشيطين اقتصادياً 40% للذكور و31% للإناث وهي مرتفعة جداً مقارنة بالأجانب من خارج الدول الغربية التي كانت 16% و15% على التوالي عامي 2003 و2004 .([17])
يشكل المهاجرون الحاصلين على شهادة الجامعة حوالي 10-15% من القوى العاملة العراقية الوطنية. والكثير من الدول التي وصفت بأنها ضحية الهجرة الماهرة تحسنت وضعيتها حيث انخفضت نسبة المهاجرين المتعلمين من مجموع القوى العاملة الوطنية عام 2000 مقارنة بعام 1990 عكس العراق فقد ارتفعت من حوالي 8% إلى أكثر من 10% خلال ذات الفترة.([18]) وما نتوقعه الآن ارتفاع هذه النسبة أكثر من ذلك بكثير، وهذا يعكس تفاقم نزيف الكفاءات العراقية.
————————
[1]- Richard H. Adams, The Critical Nexus in the Middle East and North Africa, UN, Beirut, 2006, p. 9.
[2]- Louka T. Katseli et la, Effects of Migration on Sending Countries What do We Know? pp. 64-69.
[3]- Jaarrapport Integratie, 2005, SCP/ WODC/ CBS, Holland, 2005, p. 178.
[4]- Jean-Christophe, Immigrants from Arab Countries to the OECD,UN, 2006, p.19.
[5]- How We Are Here,The Iraqi Community in Britain by ICA, 1995-1996, p.48.
[6] – د. نجاح كاظم، صحيفة الصباح البغدادية، 9 كانون الأول 2006.
[7]- How We Are Here , op. cit., pp. 60-61.
[8]- Colic-Peisker and Tilbury, International Migration, No. (1) 2007, p. 64
[9] – مصدق جميل الحبيب، مصدر سابق، ص 88.
[10] – وليد عبد الخالق، نقلا عن نفس المصدر، ص 88.
[11] – نفس المصدر، ص.90.
[12] – د. محمد الربيعي، هل يمكن إعادة العقول العراقية المهاجرة إلى الوطن؟ موقع الطريق.
[13] – د. نادر عبد الغفور احمد، مصدر سابق، ص 44.
[14] – د. كاظم المقدادي، شبكة الانترنت.
[15] – د. وليد الحيالي، شبكة الانترنت
[16] – د. محمد رشيد الفيل، مصدر سابق ، ص 293.
[17]- Jaarrapport Integratie, op.cit., p. 177.
[18]- Caglar Ozden , Brain Drain in Middle East and North Africa, UN, Beirut, 2006, p. 12