الرئيسية » مقالات » لمن يريد عودة ضباع البعث أعيد النشر

لمن يريد عودة ضباع البعث أعيد النشر

ليس من أهمية لحيوات الناس التي أزهقت ظلما دون أن نلجأ للتاريخ القريب ونحاور أولا الذات والضمير الإنساني حول المصيبة القادمة بكل إبعادها.عن المساعي الجدية لعودة الأفكار الفاشية لشوارع العراق. عن عودة الضباع القتلة من البعثيين الذين صنعوا الجريمة المنظمة لقتل العراقيين وتشهد لهم كل تلك المقابر الجماعية وروايات الناس الذين تعذبوا بمختلف ألوان العذابات.ليس هناك ضمير إنساني ينسى اغتيالات سنوات الستينيات وليس من الأخلاق بشيء أن ننسى آلاف الضحايا لانقلاب البعث في 8 شباط الأسود.وكيف يتسنى لنا نسيان شباب الكرد الفيلية الذين غيبهم البعث دون أن نعرف لهم قبورا.وأي إنسانية وأخلاق تجعلنا نبعد صورة ضحايا حلبجة والأنفال واهوار الجنوب.ولنتذكر عند التفكير بإعادة البعث، محنة من يسير في الشوارع بيد مبتورة وجبهة موسومة.أطالب بحوار الضمير المتيقظ والشريف من أجل الضحايا المعذبة من النساء الأرامل وأطفال الحروب اليتامى والمشردين.لنبحث في فكر البعث عن قيم التحضر والمدنية وليقدم لنا قادتهم جردا عن مجمل جرائمهم وعن الذين ابتلعتهم البوادي والوديان والغدران دون ذنب اقترفوه.لنستعيد ذكرى تلك السواتر المطبقة على عظام شباب حلموا بالسعادة والفرح بين صحبهم وأهاليهم.ذكرى تلك السجون المنتشرة في طول العراق وعرضه والتي غيب فيها الناس وخمدت أنفاسهم.ليتذكر الشعب العراقي دائما ضباع البعث من الذين وضعوا للعراق خارطة الإفساد والفساد وسرقة المال العام والخاص وأشاعوا فساد الخلق والأخلاق والضمائر.

أذكر بهؤلاء ممن تأخذهم العزة بأثمهم فيوغلون بجرائمهم. أذكر بضباع البعث الذين يقترفون اليوم الجرائم تلو الجرائم بسيارات مفخخة وقنابل تحصد أرواح الناس دون أن يرف لهم جفن أو يصحوا لهم ضمير.

لمن يريد أن يعيد حزب الضباع لينهش لحم العراقيين أعيد نشر هذه القصة القصيرة التي كتبتها عام 2004 وكنت حينها أتنبأ بمثل ما يحدث اليوم.



لا مكان للنازية في شوارعنا

فرات المحسن

يوم قائظ …تقدمت أخط بقدمي فوق إسفلت شارع الملكة المكتظ بالبشر وسط ستوكهولم.أتوقف بين حين وأخر لأداري ألم الظهر الذي ما أنفك يجبرني على سحب قدمي اليمنى بتثاقل.وصلت عند الجسر الفاصل بين مبني مجلس الوزراء والبرلمان السويدي.تطلعت نحو المكان فجلب انتباهي مشهد رئيس الوزراء يوران بيرشون حيث كان يسند ظهره للسياج الحديدي المجاور للبحر الذي يفصل المبنيين. كان يقف أمامه رجل من عامة الناس يسند جسده المتراخي الى دراجته العتيقة المتهالكة ويرتدي بدلة العمل الزرقاء الملطخة بالأصباغ.كانا يتبادلان الحديث والضحك دون أن يجلبا فضول المارة .. عداي أنا.جلست عند نهاية الشارع فوق تمثال الأسد الأسمنتي الذي وضع كحاجز لمنع مرور العربات الى داخل شارع الملكة باتجاه البرلمان السويدي .سحبت رشفة لذيذة من سيجارة استطبت مذاقها بعد عناء امتناع أربع ساعات عن تناول السجائر حسب نصيحة الطبيب بالإقلال من التدخين.
تقدم نحوي ثلاثة.. صبيان وفتاة. ملابسهم توحي أن لا وجود هناك لمكواة في بيوتهم.كانوا يتضاحكون ويتدافعون بصخب ظاهر ولكن مشهدهم هذا لم يجلب انتباه المشاة … ما عداي حيث تمعنت فيهم طويلا.راقبت قدومهم.اقتربوا مني . ثم طلبت الفتاة مني باستحياء وبأنف ووجنات محمرة، أن أبتعد بعض الشيء فوافقت دون أن أسألها السبب. رفعت عجيزتي بتثاقل وكنت أركز نظري نحو أصغرهم الذي سحب من خرج كان يتدلى من كتفه، صفيحة مثقبة بخطوط واضحة ثم وضعها على الأرض فوق إحدى البلاطات القريبة من الأسد الأسمنتي. الأخر سحب من خرجه قنينة ألوان ورش فوق لوحة الصفيح رذاذ الصبغ الأحمر الفاقع.كانت الفتاة تقف بالضبط أمام البلاطة فارجة ساقيها لأقصاهما.بعد لحظات رفع الصبي اللوحة عن الأرض ودسها في خرجه .لم تتحرك الفتاة من مكانها .دفعني الفضول لمعاينة ما طرأ من أمر جراء تلك العملية التي حسبتها لعبة صبيان مثلما نشاهد الكثير من شبيهاتها المنتشرة فوق جدران البنايات والأنفاق .طالعت النقش المرسوم فوق البلاطة .

Ingen plats för nazister på våra gator



لا مكان للنازية في شوارعنا.



لم أستطع تمالك مشاعري وكان إحساسي مفرطا بالنشوة .اقتربت من الفتاة المتصالبة في مكانها وأنا أسألها بارتباك وبلغتي السويدية البسيطة، عن سبب طلبها مني الابتعاد .فتبسمت كملاك طفولي يخزن كركرات الكون .اعتذرت مقدما ثم قالت: كي لا تؤذيك رائحة الصبغ المتطاير أو يعلق شيء منه بملابسك الأنيقة .ثم سألتها عن سبب وقوفها بعد أن أنجزوا مهمتهم فأجابت :حتى يتماسك اللون ولا يطأه أحد المارة قبل أن يجف.
مظهرهم الخارجي يوحي بأن أعمارهم لا تتجاوز السابعة عشر عاماً وكان أصغرهم يبدو كأنه أقرب لعمر الرابعة عشر.صدق حدسي وأنا أسأله عن عمره فأجابني بما توقعت ووجهه يفصح عن غمازتين باسمتين ولون وردي مشرق وكان يضع عينيه بثقة كبيرة داخل بؤبؤي عينيّ.فبادرته وبيّ خليط من مشاعر ارتياح وتوجس .
ـ ما الذي تعرفه عن النازية أيها الشاب ..؟
وكمن أقترف ذنب، شعرت أن ذلك الفتى الذي أمامي صعق من سؤالي هذا فأنفرج ثغره عن دهشة بائنة ورد بلهجة حازمة.
ـ ما الذي أعرفه ؟ أهناك في الكون من لا يعرف الكثير عن هؤلاء القتلة الطغاة الفاشست.أنهم قتلوا وشردوا الملايين من البشر دون جريرة.كانت جرائمهم تلبية لجنون قائدهم وأفكاره القذرة.كانت كل أفكارهم تدعو لقتل الأخر ممن يخالفهم الرأي.
ـ ولكن .أسمح لي .. من أين حصلت على هذه المعلومات .
ـ أنني أسمعها من الناس الطيبين وأقرأ عن الجرائم البشعة وأشاهد أفلاماً مرعبة تعرض دمويتهم وقسوتهم في جميع الأراضي التي احتلوها.أن تلك الجرائم موثقة وتدينهم دون أدنى شك.أنها عار البشرية.أستطيع أن أزودك بالعديد من الوثائق عن كل تلك الفظائع والجرائم لو رغبت.سيدي يمكنك الذهاب الى المكتبات العامة والبحث ومعرفة الكثير عن تلك الأفكار الشريرة.

ـ ولكن … قد أختلف الزمن، والكثير من قادتهم ماتوا أو قتلوا ومضى التأريخ وأصبحت أوربا حرة فما الذي يجعلكم تتجشموا عناء مطاردة أمثالهم في وطنكم الذي لم يشارك في تلك الحرب.
ـ ليس عدم مشاركة وطني في تلك الحرب يعفي السويد أخلاقيا من تعقب ومنع مثل هؤلاء وأفكارهم العدوانية من إرعاب البشر وزرع الأفكار القاتلة. أنهم قتلة مجرمون.
ـ ولكن أنتم في بلد ديمقراطي فلم تمنعهم من ترويج أفكارهم.أنها ما عادت تعني شيئاً..أنها مجرد أفكار، أليس كذلك.
ـ حسنا سيدي أنك تعتقد ذلك .ولكن دعني أقول أن جزأ من الديمقراطية والحفاظ على الحريات والسلام الاجتماعي ، يأتي من منع الجريمة المنظمة والاعتداء على الحريات وترويج أفكار القتل والحروب…. وهؤلاء هم من أشد المناهضين للديمقراطية وأشر أعداء الحرية والسلام …أنهم يروجون لأفكار الفصل العنصري وتغذية مشاعر العداء للأجانب والتطهير العرقي، لذا يجب منعهم من التواجد في شوارعنا حفاظا على الديمقراطية والسلام ومجتمع الحريات ومن أجل مستقبل أفضل للأجيال في جميع أنحاء العالم أنها مسؤولية أخلاقية يجب أن يشارك فيها جميع من يريد السلام والأمن والديمقراطية لوطنه.

شددت على كفه وأنا أخضها سراعاً بشدة المبهور بهذا الذكاء الوقاد والدرس الذي علمني إياه عند أعتاب الرابعة والخمسين من عمري.جلست فوق الأسد الأسمنتي أتأمل الكلمات المطبوعة فوق البلاطة وكانت قهقهاتهم الصاخبة تبتعد عني .لوحوا بأياديهم الغضة ليوران بيرشون وهم يتقافزون، فرد عليهم من بعيد ثم عاد لحديثه مع صاحبه وكان حارسه الشخصي يقف بعيدا عند الطرف الأخر من بناية مجلس الوزراء وكنت أنا أنفث دخان سجارتي الثانية بتلذذ متناسيا كالعادة نصيحة الطبيب.