الرئيسية » مقالات » لا ضمانة لمفاوض بدون قوة

لا ضمانة لمفاوض بدون قوة

منذ أن بدأ الشعب الكردي بالحصول على الحد الأدنى من حقوقه القومية في جنوب كردستان، ازدادت وتيرة التعاون و التنسيق بين السلطات المركزية العنصرية التي تتقاسم كردستان، و لا تزال هذه السلطات مستمرة في مساعيها لإجهاض هذه التجربة من جهة، و من جهة أخرى، تسخر كل الوسائل العسكرية و الدبلوماسية لمسخ الوجود القومي الكردي في بقية أقسام كردستان.
من دراسة تاريخ الصراع الدائر بين الحركة التحررية الكردستانية من جهة ، وبين السلطات المركزية التي تستعمر كردستان أرضاً و شعباً من جهة أخرى، يتبين بوضوح بأن الجغرافية السياسية، و نتائج السياسات الدولية في المنطقة، قد فرضت، في كثير من الفترات، على قادة الكرد في أحد أجزاء كردستان الدخول في بعض العلاقات و التحالفات المرحلية التي لم تكن دوماً منسجمة، من وجهة نظر قادة آخرين، مع مصالح الشعب الكردي في عموم كردستان. رغم ذلك، و رغم كل ما تعرض له من سياسات التهجير و التذويب و القمع، فقد حافظ الشعب الكردي على هويته القومية، من الناحية الثقافية على الأقل، و لا زال يشكل الأغلبية السكانية على القسم الأعظم من أرضه التاريخية.
فلمتابعة النضال من أجل ضمان استمرارية وجود الشعب الكردي في قسم من كردستان، كانت ترى بعض القيادات الكردية لهذا القسم ضرورة حيوية، و لو مؤقتاً، في إشادة علاقات مع سلطة أو سلطات تستعمر قسماً أو أقساما أخرى من الأرض الكردية. و كانت تستخدم هذه السلطات علاقاتها مع بعض القوى الكردية كورقة ضاغطة في علاقاتها الإقليمية. و لتفهم مثل هذه العلاقات، يمكن الاستذكار بالتماسك الذي كانت تمتع به سلطات كل الدول التي تتقاسم كردستان نتيجة لمواقعها الممتازة في سياسات الدول العظمى المتصارعة على المنطقة، أولاً، و يمكن الاستشهاد بما حققته الحركة الكردستانية – رغم أو بفضل تلك العلاقات- من انجازات سياسية إستراتيجية ثانياً، والتي تتلخص بالدرجة الأولى في استمرارية الوجود القومي الكردي ضمن أطر الدول الموجودة، و حشد الجماهير الكردية حول مشاريع نخبها، إلى درجة أن الشعب الكردي يكاد يحصل على جميع حقوقه في القسم الجنوبي من كردستان، و تدير النخبة الكردية الوطنية عدداً كبيراً من البلديات في شمال كردستان، فضلاً عن الحضور السياسي في البرلمان التركي.
لا يمكن للشعب الكردي أن يعيش بمعزل عن العلاقات السياسية الإقليمية، و لكن طبيعة تلك العلاقات و شروطها تخضع لجملة من العوامل التي تتعلق بميزان القوى بين الحركة الكردستانية من جهة و القوى المعادية من جهة ثانية.
فالدولة التركية، و منذ تأسيسها، لم تخف يوماً عداءها المعلن للشعب الكردي و لمشاريعه القومية، بل و لحقوقه الإنسانية. فهي تتنكر للوجود القومي للشعب الكردي، و ترفض التفاوض مع القيادة الكردية من أجل البدء بحل سلمي للقضية الكردية ضمن إطار الدولة التركية، و تعتمد الخيار العسكري كأسلوب وحيد للتعامل مع الشعب الكردي.
و أمام السياسة التركية المعادية للكرد، لم يبق أمام القيادة الكردية سوى حشد الطاقات الكردستانية من أجل الدفاع عن وجود الشعب الكردي و حقوقه. و تلبية لرغبة الأوساط الكردستانية و الإقليمية و الدولية، سبق و أعلنت هذه القيادة وقف إطلاق النار من جانب واحد أكثر من مرة، و لكن لم تستجب السلطات التركية لنداءات الحل السلمي للقضية الكردية في تركية.
و أمام الانجازات الكبيرة التي حققتها هذه القيادة و بدعم كردستاني مقبول المستوى حتى الآن، بدأت السلطات التركية في حشد كل إمكانات الدولة العسكرية و المالية و الدبلوماسية لعزل القيادة الكردية دولياً و إقليميا و كردياً. فقد استهدفت مراراً ضم القسم الجنوبي من كردستان إليها، و دفعت السلطات السورية إلى التشديد في سياستها العنصرية المعادية للكرد، و تنسق معها و مع السلطات الإيرانية في إجهاض التجربة الوطنية في جنوب كردستان بالتعاون مع الأوساط الشوفينية في السلطة المركزية في بغداد، و عبر عملائها المعلنين.
إذا كانت الجغرافية السياسية لازالت تفرض على السلطة الوطنية في جنوب كردستان الدخول في علاقات مع السلطات العنصرية في تركية، فان طبيعة هذه العلاقات مشروطة بميزان القوى بين طرفي المعادلة. فالقوى الكردية لم تعد في وضع يبرر لها الدخول في علاقات غير متوازنة.
لأن السلطات التركية متزعزعة حالياً نتيجة الصراعات الداخلية من جهة، و نتيجة نهوض الجماهير الكردية المطالبة بحقوقها من جهة ثانية، وهي ليست في وضع يمكنها من إملاء شروط تضع في الخطر السلطة الكردية في جنوب كردستان .
و من الطرف الثاني في المعادلة، لم تعد القوى الكردية في جنوب كردستان مجرد حركة سياسية نخبوية أو عسكرية، و إنما تحولت إلى مؤسسات تتمتع اليوم بشرعية دولية و مساندة كردستانية تؤهلها من عدم قبول الاملاءات التركية، أو العروبية الشوفينية أو الفارسية العنصرية، بشرط الاستفادة المثلى من علاقاتها الدولية و عمقها الكردستاني .
تشكل السلطة الوطنية في جنوب كردستان، و الحركة التحررية الكردية في شمال كردستان كما في شرقه و غربه، قوة حقيقة تساندها الجماهير الكردية بمختلف انتماءاتها الإقليمية و اللغوية و الدينية و المذهبية. و هذه القوة لها حضور و وزن في الساحات الوطنية و الإقليمية و الدولية، و مصيرها ومدى قدرتها على تحقيق طموحات هذه الجماهير يتوقف بالدرجة الأولى على مدى القدرة في التنسيق و التضامن في إدارة الصراع مع السلطات العنصرية و القوى الشوفينية في الدول التي تتقاسم كردستان.
و ستحكم الأجيال الكردية القادمة على مدى قدرة النخب الكردية الحالية في إدارة الصراع من أجل الوجود و الحقوق المشروعة. و أمام تعاظم مخاطر السياسات المعادية للكرد، يتوجب على القيادات الكردية عدم التفريط بأية قوة كردية. فان حشد كل الطاقات الكردية، السياسية و الدبلوماسية و العسكرية، ضرورة حيوية للتمكن من المساهمة في إعادة صياغة العلاقات بين شعوب المنطقة، على أسس الاحترام و الاعتراف المتبادل بالمساواة في الحقوق.
إذا لم يكن من الممكن تجريد السلطات التركية و الإيرانية من الأسلحة التي تهدد مكاسب الكرد في جنوب كردستان، و تدمر بها القرى الكردية و تقتل بها بنات الكرد و أبنائهم في شرق كردستان و في شماله، فليس مبرراً المطالبة بتجريد المتطوعات و المتطوعين الكرد الذين يحملون السلاح لمواجهة السلطات العنصرية الإيرانية و التركية المعتدية.
تشكل القوات المسلحة الكردية، في شرق و شمال كردستان كما في جنوبه، إحدى الضمانات الأساسية لحماية مكتسبات الشعب الكردي، وهي عنصر ضروري للدفاع عن الشعب و لتحسين شروط المفاوض الكردي من أجل الحقوق الكردية المشروعة. فإذا كانت القوة ضرورية في الصراع المسلح، فهي لا تقل ضرورة في الصراع السلمي، فلا ضمانة لمفاوض بدون قوة، و لا ضمانة لحق لا تؤيده قوة.