الرئيسية » مقالات » حول ما ورد “نحن إيزيديين وليس زردشتيين

حول ما ورد “نحن إيزيديين وليس زردشتيين

بعد قراءتي لما ورد في تخوّف السيد عدنان دنايي (وهو على حق فعلاً)، في دعوته إلى الانتباه لما يحصل من خطأ في التقديرات والخلط بين الدين والدين تارة، وربط الدين بالقومية تارة أخرى، أجد بأن لتخوفه مبرراته المقنعة، خاصةً إذا ما عرفنا بأنه يجب عدم الاقلال من أهمية طرح هذا الموضوع كونه ليس وليد اليوم. وليس من المناسب أيضاً طرحه في هذا الوقت لحساسية الوضع السياسي القائم، حيث يكفينا ما نعاني من المآسي والتهميش. وبعدما قرأت ما تضمنه رد الكاتب الفاضل وسام جوهر، أرتأيت التعليق بما شاهدته وشاركته شخصياً بالكثير مما حصل في العراق مع كوادر حزب العمال الكردستاني ومحاولاتهم في نشر وزرع نفس الفكر بين الناس، وخطورة أفكارهم في هذا الصدد. وأسف في هذا التأخير ولكن ظروف خاصة حالت دون ذلك.
بعدما أخذ موضوع نبوة زرادشت مأخذ الفعل الجاد بين إيزيديي تركيا، مع الاسف، ولاحقاً مع قسم كبير من إيزيديي سوريا وخاصة في محافظة حلب، حاولوا من خلال كوادرهم في مخيم مخمور القريب من محافظة نينوى في العراق (حيث غالبية الايزيديين يسكنونها)، بنقل تلك التجربة والعمل على نشر ذلك الفكر والتأثير بين إيزيديي العراق أيضاً. ف خيوط هذا الموضوع الخفية-العلنية تتفاعل في الاعماق منذ فترة طويلة، وبرزت إلى الوجود بشكل تدريجي عبر اللقاءات الفردية واحياناً في مناقشات عامة وأحياناً أخرى على هامش مؤتمرات محلية، أو في مناسبات التعازي أو المشاركة في الافراح أو أثناء قيامهم بتلك الفعاليات بعدما جندوا عرّابين لهم من بعض الكادر الايزيدي المحسوب على المثقفين. ونقولها بكل أسف بأن هذه الملة ابتليت بأفكار أبنائها الهدامة قبل غيرهم.
فكان يتم طرح هذا المفهوم بشكل غير مباشر ليتم من خلال جميع تلك الانشطة والكوادر جس النبض ومن ثم زرع الفكرة في النفوس بشكل مدروس ومتقن. وقد تعرض الكثير من الايزيديين العراقيين والعوائل الساكنة في محافظة نينوى ومدينة الموصل بالذات (وانا من ضمنهم)، إلى زياراتهم المتكررة بكل ترحيب، وفتحنا لهم أبواب بيوتنا بكل ترحيب في باديء الامر. ثم بدأوا بالتركيز على طلاب جامعة الموصل بشكل أساسي وفاعل من خلال تقديم بعض المعونات المادية، أو توزيع بعض المؤن، أو أستئجار بعض الدور لهم واسكانهم فيها مستغلين ضعف امكانياتهم المادية وعطف وبساطة البعض الاخر، ومساعدتهم والاتصال والاجتماع بهم بشكل مكثف مستخدمين الكوادر النسوية على الاغلب في تلك المهمة (لا أعني بمشاركة الكوادر النسوية هنا سوى في جانب التأثير السياسي فقط). فكانوا يختارون لتلك الزيارات بعض الكوادر (الايزيدية)، التي كانت تجيد التغلغل في فكر المقابل من خلال المبيت في البيوت وتسمية أنفسهم بالاسماء الايزيدية القديمة لمزيد من الامان والتطمين. وكان الحديث احيانا يأخذ الليل بطوله إلى ساعات متأخرة منه (وحديث الليل له تأثيره الفعّال في النفس حسب خبراء النفس). وبالفعل حققوا الكثير من خلال تلك الزيارات والتداخلات وأدخلوا التشويش في فكر الكثيرين، مستغلين بساطتهم وجهلهم بشكل مقنن ومدروس بتوزيع المنشورات وكتب الفكر الزرادشتي ومؤلفاتهم ودورياتهم وما يتضمنه فكر أوجلان في هذا المجال (نحن نحترم فكر المناضل أوجلان)، ولكن ليس بالطريقة التي أتت بها كوادر الفكر الزرادشتي.
وفي الفترة الاخيرة وبعد سقوط النظام أصبح لهم مجال أوسع في حرية الحركة والعمل الميداني والتحرك والتواصل، وعقدوا العديد من المؤتمرات (مؤتمر سد الموصل)، في عام 2004 الذي جمعوا فيه نخب من الشباب وشيوخ العشائر ورجال الدين والمثقفين، مستخدمين الشعارات الدينية التي تستقطب العواطف. ووجهوا الدعوة لرابطتنا قبل عقد المؤتمر بساعات بحيث لم يكن لنا مجال المشاركة لقطع مسافة 50 كم، وهو تدبير متعمد لأنهم لم يريدوا مشاركتنا الفعلية بناءً على مواقفنا من تصرفاتهم، ولكن كان الامر مجرد اسقاط فرض واعتذار بسيط لتبديد الشك، وحضَرَتْه أيضا السيدة فلك ناز بدعوة من أوربا. تلاه مؤتمر ثانِ في سنجار على قاعة مزار شرف الدين في سنجار، حيث القَيتُ فيه كلمة بسيطة ووضحت موقف رابطة المثقين كمنظمة غير حكومية من مجريات الاحداث وخاصة من الافكار التي تريد أن تستخدمنا لخدمة مصالحهم السياسية. وفي ذات المؤتمر نهض السيد كمال كارص (عضو مجلس محافظة نينوى المنتخب مؤخراً)، وقال لهم بالحرف “إننا نرفض أن تأتي مجموعة من أناس غرباء (لا نعرف أصلهم)، وليس لنا بهم معرفة في أن تقود حياتنا وتفرض علينا افكارها في عقر دارنا لأننا لسنا بقاصرين، وعندها عاتبوه بشدة على قوله هذا”، وجرت غيرها الكثير من تلك المناسبات والتي ليست لنا فيها علم ولا ناقة ولا جمل.
إضافة إلى استخدامهم لسمعة البعض منا في الوسط الايزيدي لتحقيق تلك الغايات كما حصل وأثناء حضوري في إحدى تلك الحفلات في مدينة الموصل وسمعت حديث الناس يتهامس بأن الحفل قد اقيم بناء على أساس أني (علي سيدو)، سأكون راعي الحفل، وأن دعوتهم كانت على ذلك الاساس وأنهم لولا معرفتهم بتلك الدعوة بأنها من طرفي وساكون الراعي للحفل لما حضروه. وعندما سمعت بذلك طلبت من القائمين على الحفل (السيد زكي بالذات)، أن اقدم توضيحاً بأني لست الراعي لذلك الحفل وليس لي علم به سوى دعوتهم لي كحال اي مدعو من المدعوين، فرفضوا طلبي بحجة أن الحفلات لا تلقى فيها كلمات. وبعد منعي من التوضيح، وأصراري الشديد على ذلك ، دعوت جميع الذين أفتهموا بأني لست معنياً بالامر بالخروج، وفعلاً خرج أكثر من نصف المدعويين من القاعة مما أضطروا إلى فسح المجال لي وتحدثت اليهم وقلت بأنه ليس لي علم بهذا الحفل سوى حضوري ودعوتي للحضور هي كما هو الحال معكم جميعاً، وانهم استغلوا اسمي لدعوتكم وطلبت منهم البقاء في أماكنهم ليستمر الحفل ولكن أستمر ببرود.
لقد كانت بنود تلك الحفلة (الترفيسياسية)، تتضمن 16 مجالاً خدمياً منها على سبيل المثال؛ توصيل الخدمات الطبية والصحية إلى جميع قرى سنجار، وفتح العديد من المشاريع الخدمية للقضاء على البطالة، وفتح وتبليط العديد من الطرق غير المعبدة لتسهيل حركة السير بما يظهر الجانب الحضاري للمناطق الايزيدية، بناء العديد من المدارس والمعاهد العلمية في سنجار، إنشاء جامعة لاستيعاب طلبة المناطق الايزيدية، إيصال ماء الشرب الصحي إلى كافة القرى والقصبات في سنجار، دعم طلبة الجامعة وتأجير بيوت لايوائهم، تعمير جميع معابد الايزيدية وغيرها الكثير من المطالب التي تحقق لهم جمهورية افلاطون على الورق. وعندما ناقشتهم في ذلك وقلت لهم بأن الدعوة هي لحفل ترفيهي، فما علاقة هذه المشاريع بالحفل الفني؟ وأن بلدية الموصل بكامل ميزانيتها عاجزة عن تحقيق هذه المشاريع وبهذه الامكانيات التي تستوجب الاليات والمعدات والخرائط والكوادر الهندسية وموافقة الدولة بشكل رسمي، قالوا سوف ترون بأننا سنعمل على تحقيق كل ذلك وسنحققها كلها. وعندما علّقت عليهم بأنهم غير قادرين على تحقيق ذلك وإنهم فقط لتزوير فكر الناس، قالوا بأن (عقل شيخ علي)، متحجر ولا يقبل التطور، وتركت الحفل قبل ختامه ولكنه فعل فعلته في الشباب غير الواعي وغير المدرك لحقيقة ما كان يجري في تلك الايام. هكذا دخلوا الدار بفتح ثغرة في السطح وليس الدخول حتى من الشباك، ناهيك في الدخول الشرعي من الباب.
الأدهى من كل ذلك، هو عندما رأيت بأم عيني مِنهم مَن يَحمل هويات الاحوال المدنية من دائرة نفوس سنجار وهم مسجلين كأخوة أو أبناء وبنات على عوائل إيزيدية. وبعدما تحققت من بعض ملابساتها من بعض الاصدقاء، علمت بأنهم فعلوا ذلك بعد تهديد الامريكان بإخراجهم من العراق، فاستغلوا الواقع الاقتصادي المزري لبعض العوائل مقابل ورقتي دولار لكل هوية حسب ما توصلنا إلى معرفة تلك الحقيقة المرة والترتيب لها عن طريق (محامي) إيزيدي مع الاسف. وبذلك أصبح لهم الحق في الورث وحتى مشاركة الايزيديين في آباءهم وامهاتهم وأخوتهم، هكذا هو خطر هذا الفكر على المجتمع الايزيدي البسيط. فلسنا بالضد من أن يمارس أي حزب فكره بطريقة مشروعة وقيَمية وحضارية بهدف التغيير الايجابي. ولسنا بالضد من أن تتبى الناس افكار الأحزاب وايديولوجياتها. ولكن سنقف بالضد لكل مَن يزرع الفكر الهدام في مجتمعنا وأنا كنت ولا زلت بالضد من ذلك الفكر الذي يؤسس لتفكيك وإبعاد البسطاء عن أهم وأعز ما يملكونه ألا وهو عقيدتهم الدينية من أن تُمَس بسوء وتخلط مع الفكر الديني الزردشتي والتشويش على الفكر الديني الايزيدي وزرع الشك في معتقدات الناس بغطاء سياسي، مع كامل احترامي لمن يتبنى هذه العقيدة أو تلك.
هنا لابأس من التذكير بما جاء في بحث الدكتور خليل جندي والموسوم “مدخل لمعرفة حقيقية الديانة الايزيدية” والمنشور في مجلة روز العدد 11و12 ص16 تحت فقرة النظرية الرابعة حول نظريات أصل الديانة الايزيدية ومبادئها بخصوص العلاقة بين الايزيدية والزرادشتية: وللفائدة لا بأس من ذكر النظرية التي جاء بها الدكتور الفاضل بكامل تفاصيلها، وهي تسلط الضوء بشكل واضح وجلي على العلاقة بينهما وتعد من افضل الشروح الواقعية لغاية الان.
“إن جهود الكتّاب والباحثين هي أولا وأخيراً محل تقدير لما بذلوه من جهد فكري كي يكشفوا الستار عن بعض جوانب الديانة الايزيدية، أو أن يتعرفوا على تاريخها ومنبع عقيدتها. إلا أنه بإمكان الباحث الفطن، أو مَن له إلمام بسيط بمعتقدات الايزيدية والاطلاع على طقوسهم وأدبهم الديني، أن يحاجج – إن لم يفند- فرضيات بعض الكتّاب والباحثين ومسلماتهم، كون الايزيدية من بقايا المانوية أو الزردشتية. أنا لا أنكر وجود قرائن وعادات وطقوس متشابهة بينهما، كما توجد عبادات متشابهة بين الايزيدية والديانة المصرية القديمة أو الأغريقية والسبئية فيما يخص تقديسهم الشمس مثلا؛ حيث أن البيئات الجغرافية المتشابهة تخلق عبادات وثقافات متقاربة دون أن يكون هناك احتكاك بين المجموعات البشرية المختلفة.
ويستمر الباحث في الموضوع فيقول ” وإذا كانت الثنوية هي المرتكز العقيدي للديانة المانوية وأنه مبني على التطرف في الزهد والتنسك وتقديس الموت واحتقار ماديات الحياة وتحريم الزواج واعتبار مؤسسة ماني أساس التطرف، فإن الايزيديون لم يحفظوا في تراثهم الديني ولا في حكاياتهم الشفهية نبياً باسم (ماني) أو (زرادشت)، ولا يصوم الايزيديون 30 يوما في نيسان كما كان يفعله المانويون. كما أن رابطة الزواج مقدسة لدى الايزيدين عكس المانوية التي حرمتها، وأن قتل الطيور والحيوانات مباح لدى الايزيدية وليس محرماً كما كان عند المانويين…..إلخ. ولا تلتقي الايزيدية مع الديانتين (المانوية والزرادشتية) في العقيدة الثنوية، وبهذا الصدد يمكن أن نشير إلى بعض نقاط الاختلاف الجوهرية بين الايزيدية والزرادشتية والتي تتجسد في:
1- لا وجود لإله الخير وآخر للشر عند الايزيدية، بل أن قوى الخير والشر تجتمعان في الإله ذو الثنائية في الواحد ويأتي في أحد أدعيتهم؛ يا ره بي خيرا بده، شهرا وه ركه رين؛ بمعنى: يا رب امنح الخير وامنع الشر. وفي هذا الجانب تلتقي فكرة الايزيدية مع المذهب الجبري أو القدري في الاسلام؛ كون مفهوم الخير والشر هو من عند الله، وأن الانسان مسيّر لا مخيّر.
2- دفن الموتى عند الايزيدية وأعتبار القبر البيت الحقيقي والابدي للجسد، بينما الزرادشتيون يضعون الجثث على مرتفع عال لتأكله الطيور. وأن للروح عندهم بداية ونهاية، أما عند الايزيدية فليس للروح بداية ونهاية، بل أنها سرمدية خلقها الله قبل كل شيء ووضعها في (القنديل)، قبل أن تنتقل إلى جسم الكائن وتخرج منه بعد مماته.
3- وإذا كان التدخين محرماً لدى الزرادشتيين، فإن للتبغ مكانة خاصة عند الايزيديين وإله يرعاه.
4- الموقف من الحيوانات المقدسة ومسألة تقديم الحيوانات كقرابين، فهي محرمة لدى الزرادشتيين أما عند الايزيديين فإن القرابين تقدم في جميع الاعياد والمناسبات، ماعدا عيد خضر- الياس في شهر شباط.
5- لو كان زرادشت نبياً للإيزيديين لكانوا على الاقل يذكرونه ولو مرة واحدة في صلواتهم وأدعيتهم وأقوالهم الدينية…، بينما يجري ذكر أنبياء آخرين مثل؛ نوح وإبراهيم الخليل وموسى وعيسى ودانيال …إلخ.
6- ولو كانت الايزيدية أمتداد للزرادشتية، لاحتفظوا في بيوتهم على الاقل كتابي،، زند آفستا،، ووفروا على أنفسهم عناء البحث عن كتابي،، الجلوة ومصحف رش،،. أنتهى الاقتباس”
ومع أن السيد الفاضل وسام جوهر كان قد ذكر تلك النقاط في رده الواضح على تلك الاقاويل والادعاءات. ولكن قليل مَن وضحها بشكلها العلمي والرصين بالحجة القوية مثلما جاء في بحث الدكتور خليل في هذا الشأن. لذلك نقول لكل مَن يحاول أن يزرع الشك في نفوس البسطاء، عليهم أن يطالبوا بحقوقهم وحقوق اجدادهم الذين تركوا أملاكهم وقراهم في تركيا بسبب ديانتهم الايزيدية وليس كونهم زرادشتيون، قبل أن يشوهوا افكار الاخرين. فإذا كانوا قد تركوا سابقاً اراضيهم بسبب ديانتهم، فإنهم اليوم يخسرون دينهم ليعتنقوا دينا آخراً هو الآخر لا يختلف عن الدين الايزيدي في التكفير ولا يحميهم من شر الاشرار. وبذلك سيخسرون الدنيا والآخرة، ولم يبقَ لهم سوى نقطة الحياء، والتي سوف يضحون بها في آخر الامر. وإذا لم يقتنعوا بهذا الكلام، لنا منهم رجاء أن يتركوننا على ديننا لأننا لا نترك بتلك السهولة دماء شهدائنا في الدفاع عنه حتى وإن صارت الاملاك والاراضي الاخرى قربانا لذلك.
وبعد الإطلاع وقراءة (البعض) من رد السيد بير خدر آري ، حيث لا أستطيع في أي حال من إكمال موضوع يكتبه بير خدر لكثرة الاخطاء وتداخل المواضيع من حيث ليس لها علاقة بالبعض من جهة، وبالموضوع المعني من جهة ثانية. وكذلك الاطلاع على ردود السيد وسام جوهر، كنت أتمنى من بير خدر أن يكون أكثر واقعياً مما يذهب إليه في موضوع الشيوخ وإقحامه في كل ما يكتب من غير مناسبة، كما جاء مؤخراً أيضاً في (مقاله)، أعطو الفتو للمربي وإلا فهو غير مقدس، وما تضمن كلامه الاخير حول التعداد السكاني وخبطه مع الغاء الطبقية وكأنها المشكلة التي اكتشفها البير الفاضل وكانت غائبة عن الاخرين. أريد هنا أن أقول للبير العزيز بعض ما يجب أن يقال وسوف لن أرد على ما يعلق على موضوعي في المستقبل.
يا بير خدر العزيز، إذا كانت هذه هي حصيلة ما تعلمته في أوربا من ثقافة، فلك الف شكر والايزيديين ليسوا بحاجة هكذا ثقافة ومثقفين لا يفقهون منها سوى الطعون والقفز فوق الحقائق لشعوب عشتم فيها وتعرفون ما يحيط بنا من مجتمعات، فلن يردكم أحد فيما تنوون اعتناقه ومبروك لكم ولكل مَن يرى في الدين الايزيدي بأنه عبارة عن خرافات، في أن يعتنقوا مايشاءون من الاديان التي لا تحوي خرافات، ولكننا معتقدون بأن الاخرين ليسوا باقل خرافة منا في هذا الشأن وعليه احترموا رأي الناس (وخليهم في حالهم). فليست مشكلتنا هي ماتفضلت به الآن، وبدلا من ذلك ننصحك بأن تحترم تضحيات الايزيديين، ومن ثم مهاجمة الشيوخ والابيار والتركيبة الطبقية في هذا الوقت وبهذا الشكل غير اللائق وخلط الاوراق بمناسبة وبدون مناسبة (فهو شأن داخلي إيزيدي حيث يقرأه الكثيرين ممن ليس لهم شأن بما في الداخل الايزيدي). وبدلا من هذا، حاول أن تبرز دور الابيار الايجابي من خلال التاريخ المشرف لهم من حيث أنهم طبقة دينية محترمة من الناس التي تود زرع الخير والطيب وقتل الفتن بين الناس، فكم منهم يعيش على (الفتو)، لكي نتهمهم بذلك؟. ومن ثم نقول يا بير خدر؛ هل تستطيع إنكار دور الشيخ حسن في النهضة الايزيدية ولماذا خنقه بدر الدين في بوابة الموصل؟ وهل تستطيع إنكار دور شيخ ميرزا القوسي في تركيا ومقاومته للسلطة العثمانية وهو في زنزانته؟ وهل تستطيع إنكار دور شيخ كالو وتضحيته بحياته في سبيل دينه؟ وهل تستطيع أن تخفي دور عائلة شيخ نذير في بحزاني في تصديها للعائلة الاميرية في عشرينات القرن الماضي وتضحياتهم؟ وهل تستطيع إخفاء دور البطل إيزيدي ميرزا؟ وما رأيك في نضال الآمير علي بك الذي قتل على يد المجرم السفاح الكردي الامير الاعور؟ ثم هل يمكن بيان رأيك في ما قام به مراد بركات شيخ ناصر من محاولات في إصلاح الأحوال مع بيت الامارة وترتيب البيت الايزيدي وجمع وتبويب خيرات الايزيدية؟ ولكن بالتأكيد (هنا)، ستقول إنه كان عروبي صدامي عفلقي بعثي شوفيني وكان يريد الحكم لنفسه. ثم هل تستطيع أن تنكر دور بابا شيخ في إطفاء نار الفتنة بين معظم العشائر في الوقت الذي عانت الدولة بكل أجهزتها من وضع حلول واقعية لها. أليست هذه القضايا هي نتيجة منطقية لتلك المراتبية الدينية يا بير خدر العزيز؟ أم أنا غلطان في كلامي!!
كنت اتمنى أن تركز على أن يتم من خيرات الشيوخ والبير (إنشاء صندوق)، لبناء دار في كل قرية للوعظ والارشاد والتوجيه من خلال محاضرين في الثقافة والتاريخ والتراث والفلكلور للتركيز على الحياة المدنية، وتحذير الاجيال من الانحراف، وبناء المدارس في الاماكن التي لم يصلها التعليم لحد اليوم لبيان أهمية التعليم في حياة الشعوب، وتقوية الاواصر التي تعمل على تماسك الاجيال ببعضها، والعمل على بناء منظمات مدنية من المجتمع الايزيدي لتدارس ما يمكن علاجه بما يتلاءم مع التطور الانساني من خلال استبيانات واقعية عن واقع المرأة والتعليم والقوى العاملة ونقل التجارب الملائمة من أوربا إلى الواقع، والاتصال بالحكومات الاوربية بتحقيق المزيد من الدعم والتعاون وقبول عدد من المقاعد الدراسية في الاختصاصات النادرة. هكذا هي غاية ما كنا ننشده منكم يا مَن سكنتم اوربا منذ فترة، وليست مشكلتنا الان في هدم البناء القديم من دون وضع اساس منطقي وارضية تستقر عليها الافكار الجديدة التي تطالبون بها الان.
بعد هذا المختصر البسيط، هل بإمكانك يا بير خدر أن تقدم لنا أدلة على نضال البيوتات من عوائل البير التي ضحت بنفسها وبرزت (سوى ماكان يقدمه بير درويش المجيور مستشاراً للأمير سعيد بك)، لكي نتعرف عليها بدلا من كيل هذه التهم للشيوخ بمناسبة وغير مناسبة؟ فنحن نقول هذا الكلام ليس طعنا بافكارك لا سامح الله، ولكن لكي نطالب بالحقائق التي تقر بحقوق الجميع وليس فقط كيل التهم لمن ضحى بنفسه وماله وحياته وعياله وبالتالي يقال بأنهم كانوا مصدراً للفتن والتفرقة، فلكل مرحلة تاريخية متطلباتها وشخوصها وقياداتها وظروفها اللوجستية التي تتطلب قدرا معينا من التصرف، ولا يحق لنا أن نحكم على كلها بالفشل كونها لا تتلاءم مع واقعنا الحالي بسبب افرازات التطور التكنولوجي وتأثير العولمة، ف شتان بين هذه الافكار وتلك يا بير خدر. عليه أرجو أن تستفيد من القول الجميل للأديب المصري الراحل توفيق الحكيم الذي قال؛ يجب أن تقرأ أكثر وأكثر وأن تكتب اقل وأقل.، وأني إذ أنصحك يا بير خدر العزيز بأن تستفيد أيضاً من القاعدة الاغريقية في هذا الشأن وهي: أن تقرأ بسرعة ولكن أن تكتب على مهلك، وأن تفكر جيداً قبل أن تكتب، لأن الكثير من كتاباتك تعود بالضرر على طبقتك الدينية المحترمة قبل غيرها. فأنت تخلط الكثير من المواضيع في بعضها من حيث ليس لها علاقة بالبعض، وهذا مما يعاب به على الكاتب لانه غير قادر على التشخيص الدقيق، والحليم تكفيه الاشارة. 

القاهرة في 23/3/2009