الرئيسية » مقالات » زيارة غول إلى العراق بين المعلن منها والمسكوت عنها ..

زيارة غول إلى العراق بين المعلن منها والمسكوت عنها ..

توجت المقدمات والترتيبات، وعمليات شد الحبل من الجانب التركي وإرخائه من الجانب العراقي، مراراً وتكراراً، عن زيارة الرئيس التركي عبدالله غول إلى بغداد، حاملاً في جعبته العديد من الملفات، منها ما تم التطرق إليها إعلامياً (قضية حزب العمال الكردستاني ومسألتي أمن الحدود وتقاسم المياه) ومنها ما هي مسكوتة عنها، ويمكن استنتاجها من توقيت الزيارة نفسها، كونها جاءت بالتزامن مع أكثر من منعطف، سواء من جهة التحضيرات الأمريكية للخروج من العراق، أو من جهة التغيير الحاصل في تعاطي الإدارة الأمريكية الجديدة مع الملفين الإيراني والسوري، أو حتى من جهة اقتراب موعد الانتخابات التركية، وما تشكلها من خصوصية بالنسبة إلى الحزب الحاكم “العدالة والتنمية”، وعليه فقد جاءت الزيارة في هذا الجانب بهدف الوقوف عن كثب على حجم التدخلات الإقليمية في رسم السياسة العراقية، ومدى امتلاكها لنقاط القوة في مسارات العملية السياسية أو ما يدور في الداخل العراقي من ترتيبات بُعيد رحيل القوات الأجنبية، والبحث عن صيغ معينة لوضع لبنات النفوذ التركي في الكعكة العراقية، بعد أن حصلت إيران على حصة الأسد منها، ولتجس أيضاً نبض العراقيين بشأن الفيدرالية والتجربة الكردية وحجم استحقاقاتهما المستقبلية ضمن ثقافة القوى المتنفذة في السلطة، بل حتى في الشارع العراقي، ومحاولة غول معرفة الآليات الممكنة للحيلولة دون بلورة الاستحقاق الكردي حتى تكون التجربة الكردية تحت السيطرة. وقد تشكل قضية تمركز مقاتلي “العمال الكردستاني” في جبال كردستان، مدخلاً للجم هذه التجربة عبر تسميم العلاقات الكردية – الكردية، إذا ما استطاعت تركيا أن تجر حكومة الإقليم إلى مواجهات ميدانية مع الحزب المذكور، وأن تعيد التوازن إلى الاتفاقيات الأمنية بين الأنظمة المقتسمة لكردستان، مستفيدة في ذلك مما يجري في العراق من محاولات لضرب مرتكزات الفيدرالية وتقويض حركة الإقليم الكردي وصلاحياته، بحكم أن هاجس تركيا، أولاً وأخيراً، يتجسد في البحث عن مسوغات لتبعد عنها كل ما لها صلة بإثارة القضية الكردية في داخلها ..
ويبدو أن الزيارة قد حققت الكثير من أهدافها وأضافت إنجازاً آخر إلى سجل “العدالة والتنمية” الذي يبحث عن وسائل من شانها الإيقاع بين “العمال الكردستاني” والشارع الكردي بهدف كسب وده في معركته الانتخابية وإضفاء اللبوس الديمقراطي على الحزب الحاكم دون تقديمه تنازلات عن مشروعه الطوراني، ودون الاعتراف بالقضية الكردية وحقوق الشعب الكردي، بل اللعب على هوامش القضايا العالقة وبعض الممارسات أو “العطاءات” الموحية بأن الحزب المذكور قد وضع قدمه على سكة التحرر من مورثات العقلية الطورانية (على غرار إطلاقه لقناة تلفزيونية ناطقة باللغة الكردية)، وأيضاً اعتماده لغة الترهيب في تعاطيه مع التجربة الكردية من خلال شماعة “العمال الكردستاني” وتحمليه مسؤولية إخفاقاته الداخلية وتحرشاته بالشان الداخلي العراقي، إضافةً إلى تأليب الرأي العام الكردستاني على نضالاته ليشكل رصيداً يشد من أزر “العدالة والتنمية” في تملصه من استحقاقات القضية الكردية، وهنا مكمن الخطورة، إذا ما أخذنا في الاعتبار تصريحات السيد جلال الطالباني وهو يسوق لديمقراطية تركيا بقوله أن “تركيا تمر الآن بمرحلة ديمقراطية وهنالك مجال للعمل الحزبي والإعلامي العلني فيها” دون الوقوف على مضامين الديمقراطية والآليات المعتمدة في السياسة التركية بتعاطيها مع قضايا الديمقراطية نفسها. فهل يعقل أن نصفق لديمقراطية تركيا وهي المغموسة في النزعة العنصرية/الأتاتوركية المبنية على العنصر التركي (اعتز بنفسك لأنك تركي) والمتجاهلة لحقوق القوميات والاقليات، أم أن الديمقراطية باتت لها مقاساتها وتتحكم فيها منطق القوة على غرار ما هو سائد في المنظومة الثقافية لدى أنظمتنا الحاكمة وبعض مثقفي البلاط ..؟. .
فإذا كان من حق الطالباني وقيادة الإقليم وضع “العمال الكردستاني” بين خيارين “إما إلقاء السلاح بشكل نهائي أو مغادرة العراق” كون “الدستور العراقي يمنع وجود قوات مسلحة على أرض العراق” خاصةً وأن “وجود الـ (PKK) في جبال كردستان العراق منع 500 قرية من حملة الإعمار، ومازال هؤلاء لاجئين ومشردين في مناطق أخرى وممنوعين من العودة إلى قراهم وتعميرها”، وإذا كان على الطالباني تقع مسؤولية حماية الدستور والدفاع عن سيادة العراق، لما يشكل وجود “العمال الكردستاني” من إشكالية في العلاقة بين كل من تركيا والعراق، وبالأخص إقليمه الكردي، وهذا ما يجب أن يتفهمه قيادة الحزب الكردستاني، وعلى ضوئه يتطلب منها مراجعة تجربتها السياسية والعسكرية، إلا أن هذا الحق لا يمنح الطالباني لأن يضع تركيا في مصاف الدولة الديمقراطية، لأنه بذلك كأنما يرفع الغطاء عن الأهداف الحقيقية للزيارة، إن لم يكن يباركها، ويدفع بالشارع الكردي إلى الخشية على المستقبل وهو يرى بلورة الدور التركي في المعادلة الإقليمية بهدف الإمساك بها، ومحاولاتها الرامية إلى افتعال الأزمات داخل البيت الكردي بغية ترحيل استحقاقاتها إلى الحاضنة الإقليمية بمشاريعها ومخططاتها، والاستفادة من الفراغ الذي قد يحصل في المنطقة بخروج أمريكا من العراق، وما سيكون لذلك من انعكاسات وانكسارات على الوضع الكردي، خاصةً وأن غول (أحد أقطاب العدالة والتنمية قبل الاستقالة من عضويته نزولاً عند شروط الترشح للرئاسة) يحاول السير على خطى زعيم الحزب، أردوغان، في التسويق للدور التركي والعثمانية الجديدة ضمن إحداثيات الملفات المتعلقة بالشأن العراقي، بعد أن سوق زعيمه للدور نفسه في العالم العربي عبر اشتغاله على لغة المشاعر والظهور بمظهر المدافع عن القضايا العربية وهو يزرف الدموع على ضحايا غزة ..