الرئيسية » مقالات » لماذا غابت المرأة عن تفجعات الأبوذية!

لماذا غابت المرأة عن تفجعات الأبوذية!

اعتادت الشعوب في أدبياتها أن ترمز إلى عظائم الأمور، بما يخلق إنطباعاً لدى السامع عند تلقيه المفردة بما تخفيه من جليل المكاره ووقوعها، أو عظم الأمر وخطورته في السلب والإيجاب، وفي الأدبيات العربية يوصف الحدث بما يصاحبه، فيشار إلى مفردة المصاحبة للدلالة على الحدث كجزء من التعظيم والتهويل، من قبيل (الجمعة السوداء) أو (رزية الخميس) أو (يوم الأحزاب) وقد يشار إلى لفظ (الأم) للدلالة على خطورة المراد وعظمته، كما في قوله تعالى: (وأمه هاوية)، وفي بعض التفاسير أن الأم إشارة إلى رأس الإنسان الذي يضم عقله وجوارحه التي تقوده إلى الهاوية إن اخطأ المسير، فالجسد لا شيء إن لم يكن الرأس، فالرأس هنا أم كل شيء في حياة الإنسان.
وفي الأدبيات العربية يشار إلى لفظ (الأم) بوصفها مرجع كل نسب حتى وإن جهل الأب، ومنها استخدمت اللفظة في الدلالة على مرجع الأمور وعظيمها، فلا شيء يعادلها من حيث النتائج، كأن يقال (أم المهازل) أو (أم المعارك) أو (أم العظائم) أو (أم المصائب)، وقد لاحظت أن هذا الاستخدام لا يقتصر على الأدبيات العربية، فهو متداول في المجتمعات الناطقة باللغة الانجليزية حيث تستخدم كلمة الأم بنفس مراد استخدامها في الأدبيات العربية له، فيقال (The Mother of all Battles) أي أم المعارك و(The Mother of all Scandals) أي أم الفضائح، ولا استبعد أن يكون الاستخدام قائما في أدبيات الشعوب الأخرى، لأن (الأم) في الوقت الذي هي مركز البشرية وإليها يعود الأبناء صغارا وكبارا، فهي مصداق لمآل كل شيء.
لكن المفارقة أن هناك نوعا من الشعر الشعبي بما فيه من مصائب ومعاناة كبيرة وعظيمة لا ينسب إلى الأم بل على العكس ينسب إلى الأب، ألا وهو شعر (الأبوذية) الذي يرجعه البعض في معناه إلى (صاحب الأذى والأذية)، فيروح صاحب المعاناة يعبر عن هواجسه وما يختلج بين أضلعه ببيت من الأبوذية، وكان الأولى حسب السياق أن يشار إلى هذا النمط من الشعر بشعر (أم الأذى) أو (الأموذية) للدلالة على عظم المصاب، ولكن نظرة عامة على شعر وشعراء الأبوذية، ينبيك أن هذا النمط من الشعر هو شعر ذكوري، فعلى سبيل المثال فإن هذا الديوان (الثامن) ضم 344 بيتا من الأبوذية، اقتصر على بيتين للشاعرة المعاصرة خديجة بنت كرم نورزو، من بين 70 شاعرا، فالواضح أن جل الشعر هو من نظم شعراء ذكور يترجمون زفراتهم إلى أبوذيات، وقد أشار المؤلف إلى ذلك في المقدمة حيث ذكر بأن الذكور اعتادوا على نظمه، ولكن الموال تستهويه الإناث ويشاركن الرجال في النظم عليه، كما إن الصاحب بالأدبيات العربية إشارة إلى الرفيق الذي يصاحب رفيقه كظله في حلّه وترحاله، لا فرق بين أن يوافقه في الرأي والعقيدة أو يضاده، وكذلك الأذى، فيشار لصاحب الأذى بالأبوذية لمرافقة الأذى له في نومه ويقظته، وإذا كان للأبوذية أب فيصح للتي فاق وجعها من الأبوذيات أن يقال لها (أم الأبوذيات).
ولا يخفى أن البحاثة الدكتور الشيخ محمد صادق محمد الكرباسي، تناول تاريخ هذا الأسلوب من الشعر الشعبي بالتفصيل في الجزء الأول من ديوان الأبوذية، توصل فيها إلى نظريات جديدة في نشأة شعر الأبوذية ورجالاته والمبدعين فيه، وفي الجزء الثامن من هذا الديوان الصادر عن المركز الحسيني للدراسات بلندن حديثا (2009م) في 513 صفحة من القطع الوزيري، يواصل المصنِّف استعراض قصائد الأبوذية التي أنشدت في النهضة الحسينية، وفك طلاسم اللهجة الشعبية، بخاصة الدارجة منها في العراق حيث مولد شعر الأبوذية.

صبر بلا حدود
للصبر حدود، كما يقال في الحياة العامة، ولكن الصبر عند قلة قليلة بل ندرة نادرة، صبر بلا حدود، كما في صبر نبي الله أيوب (ع) الذي يضرب به المثل، والذي قال فيه تعالى: (إنا وجدناه صابراً نعم العبد إنه أوّاب) سورة ص: 44، واشتهر على الألسن “يا صبر أيوب”، فقد صبر أيوب على وجعه وألمه، لكن النبي محمد (ص) صبر على أذى القريب والبعيد، النسيب والغريب، وصدق حين قال: (ما أوذي نبي مثلما أوذيت)، ومثله صبر الإمام علي (ع) وقد نسب إليه البيتان، من بحر الطويل:
سأصبر حتى يعجز الصبر عن صبري *** سأصبر حتى ينظر الرحمن في أمري
سأصبر حتى يعلم الصبر أني *** صبرت على شيء أمر من الصبر
والصبر في واقعه “أم الفضائل”، وكما قال الأمام علي (ع): “الصبر شجاعة والعجز آفة، الصبر صبران: صبر على ما يكره وصبر على ما يحب، والصبر على الإيمان كالرأس من الجسد، ولا خير في جسد لا رأس معه ولا في إيمان لا صبر معه”. وكما قال الشاعر أبو العتاهية إسماعيل بن القاسم (213 هـ)، من مجزوء الكامل:
اصبر لدهر نال منك *** هكذا مضت الدهور
فرحاً وحزناً مرة *** لا الحزن دام ولا السرور
ومفردة (الصبر) طالما وردت في شعر الأبوذية تصريحا وتلميحا، لتعظيم المصاب الذي حلّ بصاحب الأذى إن عبّر عن ذاته أو وصف حالة أو حدّث عن غيره بلسان الحال، والضربان الأخيران من النظم هو الشائع في الأبوذيات الحسينية، لأن الشاعر في واقعه يستجوب التاريخ فيستنطق حوادث كربلاء عام 61 هـ عن لسان صاحب المصيبة، كأن يكون الإمام السجاد علي بن الحسين(ع) أو السيدة زينب بنت علي بن أبي طالب (ع) أو السيدة ليلى الكندية زوجة الإمام الحسين (ع) وغيرهم.
ومن ذلك أبوذية الشاعر كاظم بن حسون المنظور (1394 هـ) واصفا صبر السيدة سكينة بن الحسين (ع) ووقوف السيدة زينب (ع) في مجلس الحاكم الأموي يزيد بن معاوية، صابرة محتسبة:
صَبُر سِكْنَه آعْلَه صَبْرَ آيّوبْ يَرْهَه
إوْ عَنْ جِسْمِ آلْحِسَينِ آلشِّمِرْ يَرْهَه
إوْ مِثِلْ زَينَبِ آشْلونِ آيْزيدْ يَرْهَه
يِسيرَة امچَتِّفَه آبْحَبْلِ الرَّزِيَّه
فالجناس في ثلاثية (يرهه) حيث تتحد الكلمة لفظا وتختلف معنىً مع شطر رابع يكتمل به بيت الأبوذية المنتهي بكلمة خاتمتها ياء مشددة مع هاء (يَّه)، فالأولى محرّفة يرهو بمعنى يعلو، حيث يبلغ الشاعر بصبر سكينة على فقد أبيها مبلغا يعلو صبر أيوب في فقد صحته وابتعاد أهل بيته عنه، و(يرهه) الثانية وأصلها جرّها وجذبها، حيث يصور اجتذاب القائد العسكري شمر بن ذي الجوشن الضبابي لسكينة بنت الحسين (ع) التي مالت على جسد أبيها تضمّه وتشمّه، و(يرهة) الثالثة مخففة يراها تعبيرا عن الواقع المؤلم حيث تقف السيدة زينب (ع) سليلة العترة النبوية أسيرة بين يدي يزيد، وقد أبدع الشاعر في الشطر الرابع حين جمع بين حبل الأسر وحبل المصيبة، وكأنها لم تقيد بحبال عادية بل هي حبال مصنوعة من فتائل المصائب والرزايا.

تطبيقات قريضية
والشاعر في إنشائه وإنشاده كالخطيب والكاتب يستعير من معاصره أو ممن سبقه نصا، بعضه أو كله، لتأكيد فكرة معينة أو نقضها، وهو ما يسمى في الأدب العربي بالاستشهاد، كمن يستشهد على آية قرآنية أو حديث نبوي أو أثر تاريخي أو بيت من قصيدة، وفي النظم فإن إنشاء الشاعر لبيت على شاكلة بيت لشاعر آخر يسمى مباراة، وربما يأتي تضمينا، فهو قد يستعير البيت صدره أو عجزه أو كلاهما، وقد يستعير الشاعر الفكرة فيضمنها في البيت أو البيتين، وهذا النمط هو من الاستعارة المشروعة التي لا غبار عليها، فهي تحفظ للشاعر الأصل حقه، وتعضد من نظم الشاعر المستعير، بخاصة إذا كانت الاستعارة من شعراء مجيدين. كما أن الشاعر يكثر من تضمين قصائده بآيات قرآنية وأحاديث نبوية وحكم.
وإذا كان التضمين والمباراة في النظم الفصيح مشروعا، فإنه في النظم الدارج أكثر من مشروع، بخاصة وان التضمين في هذه الحالة يرفع جزءاً من العجمة عن المفردات المحلية الواردة في القصيدة، والتي يكثر استعمالها في شعر الأبوذية القائم على الجناس الذي يزيد أصلا من غموض المفردة التي بحاجة إلى معجم للغات المحلية لفهم معاني الكلمات المتحدة اللفظ، وهذا ما قام به المحقق الكرباسي في هذا الجزء والأجزاء السابقة والأجزاء اللاحقة، مما تكون عنده معجما من آلاف الكلمات الدارجة.
في الواقع إن عملية التضمين والمباراة في الشعر الدارج، وبخاصة التضمين شعرا أشبه ما يكون في كثير منها بتطبيقات صريحة للشعر القريض ولكن بلغة محلية، على خلاف التضمين في الشعر القريض الذي يحاول فيه الشاعر قدر الإمكان أن يستعير الفكرة أكثر منها استعارته لمفردات البيت تجنبا للتكرار وحفظا لأصالة بيته أو قصيدته.
ومن المباراة، أبوذية الشاعر المعاصر علي بن كريم الموسوي بعنوان “نراها”:
مَتَه آنفوس الظِمَتْ بالطَّفْ نَراها
إوْ عَلَه آلگوم آلرِهَتْ سابِجْ نَراها
مَتَه الأعلامْ مَنْشورَه نَراها
عَلَه روسِ آلْكماةِ آلهاشميَّه
فالجناس في (نراها)، فالأولى محرفة من كلمة نرويها أي متى نروي النفوس الظامئة؟، والثانية محرفة من نرهو والرهو هو العلو أي: متى نعلو على القوم الذين علوا علينا سابقا، والثالثة من رأى الشيء، أي: متى نرى الأعلام منشورة ومرفوعة، والشاعر هنا يباري البيت التالي من قصيدة السيد جعفر بن محمد الحلي (1315 هـ)، من السريع:
متى نرى الأعلام منشورة *** على كماة لم تسعها القفار
وهي من قصيدة في استنهاض الإمام المهدي (ع)، ومطلعها:
يا قمر التم إلى م السرار *** ذاب محبوك من الانتظار
ومن التضمين أبوذية عبد العظيم بن حسين الربيعي (1398 هـ) بعنوان (وجراه) عن لسان السيدة زينب بنت علي (ع)، يقول فيه:
ما شَدْ ظُلْم آبِنْ مَيْسونْ وَجْراه
هذا آلْفاضْ منَّه آلدَّمِعْ وَجْراه
مَودَّتْنَه جِزَه آلْمختارْ وَجْراه
صِدِگ يِنْشِتِمْ عَآلْمَنْبَرْ وَصِيَّه
والجناس في (وجراه)، فالأولى مخففة من أجرأه من الجرأة والجسارة، أي: ما أشد ظلم ابن ميسون (يزيد بن معاوية وأمه ميسون بنت بجدل الكلبية) وجرأته على الله بظلم أهل البيت (ع)، والثانية مخففة وأجراه من جرى الدمع إذا سال، والثالثة محرفة وأجره من الأجر وهو الثواب، ويتساءل الشاعر عن لسان السيدة زينب (ع): أصدق يتعرض إلى الشتم الإمام علي (ع) من على منابر المسلمين؟!، والشاعر هنا يضمن قوله تعالى: (قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى) الشورى: 23، حيث لم يطلب النبي المختار محمد (ص) من المسلمين أجراً على رسالته وهدايته إياهم إلاّ المودة في أهل بيته، فهم وصيته وتركته.

أوجاع الشعراء
ضم الديوان بالإضافة إلى أكثر من ثلاثين فهرسا في موضوعات مختلفة ترشد القارئ إلى مراده، 344 بيتا من الأبوذية لشعراء من أقطار مختلفة، من قافية الهاء حتى الياء، وهم حسب الحروف الهجائية: إبراهيم بن عبد الحسين الخنيفري (ق 15 هـ)، إبراهيم بن ناصر المبارك (1399 هـ)، أحمد الهندي (ق 14 هـ)، إسماعيل بن عيدان المشعلي (ق 15 هـ)، جابر بن جليل الكاظمي (ق 15 هـ)، جابر بن هادي أبو الريحة (1403 هـ)، جمعة بن سلمان الحاوي البحراني (ق 15 هـ)، حاچم الخياط (ق 14 هـ)، حسن بن حسين الموسوي (ق 15 هـ)، حسن بن كاظم السبتي (1374 هـ)، حسين بن علي الكربلائي (1328 هـ)، خديجة بنت كرم نوروز (ق 15 هـ)، خضير بن …. (ق 14 هـ)، خلاف بن حسن العفراوي الطرفي (ق 15 هـ)، رمضان بن شريف برواية (ق 15 هـ)، صالح بن حسين الحلي (1359 هـ)، صالح بن مهدي البصري (ق 14 هـ)، عباس الحميدي (ق 14 هـ)، عباس بن علي الترجمان (1429 هـ)، عباس بن علي الحزباوي (ق 15 هـ)، عباس بن غانم المشعل (ق 15 هـ)، عباس (أبو يقظان) بن كريم الحلي (ق 15 هـ)، عباس بن ناصر البحراني (ق 15 هـ)، عبد الأمير بن علي الفتلاوي (1380 هـ)، عبد الأمير بن مؤيد الكنعاني (ق 15 هـ)، عبد الحسن بن محمد الكاظمي (ق 15 هـ)، عبد الحسين بن علي الشرع (1385 هـ)، عبد الحسين بن عواد الديراوي (ق 15 هـ)، عبد الرحيم بن خزعل المقدم (ق 15 هـ)، عبد السادة بن حبيب الديراوي (ق 15 هـ)، عبد الصاحب بن ناصر الريحاني (ق 15 هـ)، عبد العظيم بن حسين الربيعي (1398 هـ)، عبد الكريم (أبو محفوظ) بن حمود الكربلائي (1385 هـ)، عبد الله بن عبد الزهرة (ق 14 هـ)، عبد الهادي بن زاير دهام (ق 14 هـ)، عبود بن جابر البحراني (ق 15 هـ)، عطية بن علي الجمري (1401 هـ)، علي بن الحسين الهاشمي (1396 هـ)، علي بن كريم الموسوي (ق 15 هـ)، عيسى بن علي الحياوي (1368 هـ)، غالب الموسوي (ق 15 هـ)، فاخر بن طاهر الموسوي (ق 15 هـ)، فليح بن محسن الدعمي (ق 15 هـ)، قاسم بن حسن محي الدين (1375 هـ)، كاظم بن حسن السبتي (1342 هـ)، كاظم بن حسون المنظور (1394 هـ)، كاظم بن حسين العنبگي (ق14 هـ)، كاظم بن طاهر السوداني (1379 هـ)، كاظم بن عبد الحمزة السلامي (1391 هـ)، كريم بن محمد آل عزام (1394 هـ)، لطيف بن صالح النزاري (ق 15 هـ)، محمد بن سعيد مانع (ق 14 هـ)، محمد (أبو مؤيد) بن قاسم الچراخ (ق 15 هـ)، محمد حسن بن عيسى دكسن (1354 هـ)، محمد رضا بن حسين فتح الله (1411 هـ)، محمد سعيد بن موسى المنصوري (1428 هـ) محمد علي بن راضي المظفر (ق 15 هـ)، محمد علي بن ناصر الناصري (ق 15 هـ)، مرتضى بن أحمد قاو (1383 هـ)، مرتضى بن محسن السندي (ق 15 هـ)، مهدي بن حسن الخضيري (1347 هـ)، مهدي بن حسن الماجدي (ق 15 هـ)، مهدي بن راضي الأعرجي (1358 هـ)، مهدي بن صاحي الموسوي (ق 15 هـ)، مهدي بن محمد السويج (ق 15 هـ)، موسى الصيادي (ق 14 هـ)، ناصر بن عيسى الصخراوي (ق 15 هـ)، نجم بن عبود الكواز الحلي (ق 14 هـ)، هيثم بن شاكر سعودي (ق 15 هـ)، وياسر بن نعمة الساري (ق 15 هـ).
كما ضم الديوان ستة عشر بيتا لعدد من الشعراء في القرنين الرابع عشر والخامس عشر الهجري، أفرغ المصنف جهده في بيان عائديتها، ولم يتبينهم، فلم يهملهم، لكنه أرجعهم لـ (بعضهم)، لعل من يطلع عليها ويتعرف على قائلها يرشده إليها ليرفع الغموض عنها في أقرب طبعة جديدة.

رؤية شبكية
والشبك أحد مكونات المجتمع العراقي، وهم قومية مستقلة يدينون بالإسلام، جلهم من المذهب الجعفري، لهم لغتهم الخاصة التي تنتمي إلى مجموعة اللغات الآرية الهندوأوروبية، ذات أبجدية عربية بإضافة الكاف المعجمة والجيم الثلاثية والباء الثلاثية، مع خليط من المفردات العربية والفارسية والتركية والهندية والكردية، وكذلك تكتب بالحروف اللاتينية، وحيث لا توجد إحصاءات حديثة عن أعدادهم، فان الأرقام المعلنة تشير إلى أكثر من 150 ألف نسمة وبعضهم أوصلها إلى نصف مليون يعيشون في الموصل وما جاورها، وبخاصة في الجانب الأيسر من الموصل، والشاطئ الأيسر من نهر دجلة إلى نهر الخازر شرقا وجبل النوران شمالاً إلى ناحية النمرود جنوباً.
ولهذا المكون المجتمعي العراقي نائب في مجلس النواب العراقي، وهو الأمين العام لتجمع الشبك الديمقراطي الدكتور حُنين بن محمود القدو المولود سنة 1368 هـ (1/7/1949 م) وهو في الوقت نفسه رئيس مجلس الأقليات العراقية وممثل الشبك في الجامعة العربية وهيئة الأمم المتحدة.
الدكتور حُنين القدو، كانت له قراءته الخاصة للنهضة الحسينية ولدائرة المعارف الحسينية وللجزء الثامن من ديوان الأبوذية، كتبها باللغة الشبكية مؤثراً كتابتها بالأبجدية العربية تماهيا مع ثقافة القرآن الكريم، فهو على يقين كامل: “إن قضية الإمام الحسين (ع) ويوم عاشوراء بالرغم من قدمها إلا أنها متجددة دائما وأبداً”، لأن: “الثورة الحسينية لم تكن وليدة صدفة تاريخية عابرة وإنما كانت مبنية على إرادة ربانية وحكمة إلهية لكي تبقى ذكراها مصباحا ساطعا ومدرسة نيّرة محفزة للمظلومين لمقارعة الظلم والإضطهاد في أصقاع الأرض”، ولهذا: “لم يكن أبناء الشبك المستضعفين بعيدين عن الإستفادة من دروس شهادة الحسين (ع) والاستنارة بمواقف أهل البيت والأئمة المعصومين (ع) وتضحياتهم ومواقفهم الجهادية عبر التاريخ .. كانت الثورة الحسينية مصباحاً نيِّراً لأبناء الشبك في بناء إيمانهم العقائدي وتربية الأجيال من خلال الإرتباط بسيرة أهل البيت (ع) في تفكيرهم وسلوكهم وتربيتهم الدينية وبناء قيمهم الأخلاقية المجتمعية”.
وعن ما وجده في الجزء الثامن من ديوان الأبوذية من مجموعة شعراء من جنسيات مختلفة جمعتهم وشيجة النهضة الحسينية، يضيف الدكتور قدو: “وعند قراءتي ديوان الأبوذية أدركت أن هناك ارتباطاً وجدانيا وروحيا بين كل محبي أهل البيت (ع) أينما كانوا وإن اختلفت اللغات والألوان والأعراق، وإن لهذا الديوان قيمة دينية وثقافية وحضارية لا تقدر بثمن”، ولم يخف الدكتور حُنين قدو إعجابه بشخصية المؤلف الذي صدر من تحت يراعه ستين مجلداً من مجلدات دائرة المعارف الحسينية التي تربو على الستمائة، معرباً: “عن إعجابي وتقديري بشخصية العلامة محمد صادق الكرباسي الذي أبلى بلاءاً حسناً في جمع وتبويب هذه الأبيات الشعبية” التي تساهم كما يعتقد: “في خلق حالة وجدانية مشتركة بين محبي أبي عبد الله الحسين (ع)”، وهو صادق فيما ذهب إليه، لأن الإمام الحسين (ع) له مكانة خاصة في قلب كل حر من مسلم أو غير مسلم.

*إعلامي وباحث عراقي
الرأي الآخر للدراسات – لندن
alrayalakhar@hotmail.co.uk