الرئيسية » دراسات » محاكمة الثقافة العربية: لماذا ؟

محاكمة الثقافة العربية: لماذا ؟

الاستهلال : ثقافة مستلبة ومثاقفة الآخرين
دعوني أتساءل: هل يحق لنا أن نتجّرد من ثقافة اسمها ” الثقافة العربية ” ؟ وهل ثمة أي وجود لها ، بعيدا عن ظاهرة القومية العربية ؟ وهل كانت الثقافة العربية ، كمصطلح ومضامين ، قد ولدت مع ولادة الفكرة القومية ، أم أنها قديمة جدا في التاريخ ؟ وإذا كانت عناصرها الفاعلة والمبدعة والمحترفة ، تجمع مجموعة بشرية تتكلم وتقرأ وتتفاعل مع لغة واحدة ، وتشترك بتاريخ وتراث عميقين جدا .. فهل من حقنا أن نجرّد المجتمعات العربية من ثقافة مشتركة لأسباب سياسية وسايكلوجية وسوسيولوجية تفاقمت اليوم بعد فشل الأفكار القومية فشلا ذريعا على مستوى التنظير أو الممارسات ؟ ثم هل يحّق لنا أن كانت هناك ثمة تجاوزات سلطوية في أنظمتنا العربية لما حملته من تعسفات وظلم وأساليب فاشية على الآخرين في مجتمعاتنا ، ممن لا علاقة لهم بالعرب إلا الشراكة على الأرض والمواطنة ، فهل يحق للجميع أن ينال من الثقافة العربية ، والجميع يتعامل معها تعاملا يوميا ، ولا يمكن التخلي عن مفرداتها كاملة كونها غدت مندمجة بالضرورة في كل أجزاء منظوماتنا الاجتماعية سواء أردنا ذلك أم لم نرد ! إن الثقافة العربية إن كان لها مظاهر علنية يعترف بها الجميع ، ولا يمكن الهروب من أمامها ، إلا أن لها أيضا مقومات خفية لا يمكن إنكارها أبدا . إن ما أجده عند البعض من إنكار وجود الثقافة العربية بالرغم من كل ما يصادفها اليوم من التحديات ، له أسبابه ودواعيه ، فإذا كانت هناك ضآلة لثقافات أخرى في مجتمعاتنا ولمنظومات اجتماعية قديمة هي الأخرى مشاركة لنا في المواطنة والحياة والمصير ، فليس معنى ذلك أن الثقافة العربية هي المسؤولة ، أو أنها تتحمل مسؤولية ضآلة ثقافات الآخرين ! إن دراسات انثربولوجية وتاريخية تنبؤنا بما لا يقبل مجالا للشك أن الثقافات الأخرى التي تعيش معنا لم تجد المقومات التي ساعدتها في أن تنتشر وتتأصل كالثقافة العربية نفسها .. وبالرغم من عراقة وقدم لغات أخرى ـ مثلا ـ كالعبرية والسريانية الآرامية والكردية السورانية والبهدينانية والامازيغية والتركمانية والكاكائية والاذرية والشركسية والسواحيلية والارمنية .. الخ ، الا أنها لم تمتلك المقومات التاريخية على امتداد زمن طويل كي تقف مؤسسة لثقافات كبرى كالتي حظيت بها الثقافة العربية .. بل وان هذه الأخيرة فرضت نفسها على الجميع ليس بحد السيف والدم ، بل بالمشاركة والتعايش .. ولقد وجدت من خلال حياتي في الغرب أن جاليات متعددة لا تعترف أبدا الا بوجود ثقافة أساسية للتعامل بين جاليات الشرق الاوسط ، وهي مضطرة أن تتعامل مع مفرداتها حتى لما وراء البحار ! سألتهم : إذا كنتم لا تطيقون الثقافة العربية ، فلماذا تتعاملون معها ، وانتم في أقصى مكان من الأرض ؟ هربوا من السؤال ولم يجيبوا عليه ! والجواب واضح أن الثقافة العربية ، هي ثقافة كبرى في كل العالم ليس العربي ، بل وحتى الإسلامي في الجنوب والجالياتي في الشمال !

محاكمة الثقافة العربية .. لماذا ؟
ثمة أسئلة أخرى علينا أن نسألها ليس من اجل محاكمة الثقافة العربية نفسها ، وكأنها ثقافة مقصّرة بحق الآخرين ، بل من اجل تطوير الرؤية الإنسانية لها ، أو إعادة الروح الإنسانية لها بعد معاناتها الطويلة من حبسها واضطهادها .. كيف غدت سلاحا بأيدي المتعصبين والمتطرفين ضد الآخرين من أبناء أوطاننا ؟ كيف استخدمت بعض أدواتها للقهر والإمعان في تحجيم الآخرين ؟ لماذا استخدمت أبشع خطاباتها في التبشير بالفاشية القومية ؟ لماذا لم تستخدم صفحاتها الناصعة في أن تكون ثقافة إنسانية ، بدل أن تغدو ثقافة متوحشة على أيدي من لا يعرفون منها إلا مثالب التراث ، وبشاعة بعض ما جرى فيه قديما أو حديثا ؟ هل تمتعت الثقافة العربية يوما على امتداد خمسين سنة مضت من ممارسة الحريات من خلالها ؟ وخصوصا الحريات الفكرية والسياسية والاجتماعية ؟ وإذا تمتعت بنيتها وخطابها بالخصب والثراء .. فما الذي دعاها اليوم أن تختزل بتوافه التعبير ، وسذاجة مقول القول .. وبلادة الممارسات ؟ من يفكر اليوم تفكيرا واعيا بالثقافة العربية كي تكون ثقافة إنسانية تتعايش مع نفسها ، قبل أن تتعايش مع الآخرين ؟ صحيح أنها لم تزل قوية ، ولكنها مفتقدة لمن يطوّر الرؤية من داخلها .. ويدعو إلى إثرائها ثراء إنسانيا .. إنها اليوم تعاني من الانغلاق والتفكير غير المستقبل عن ذاتها .. خلطوها قبل خمسين سنة بالمؤدلجات ، وجعلوها غصبا عنها ( ثقافة قومية ) ، فكان أن افتقدت إنسانيتها .. واليوم سحقوها بالتناقضات ، وجعلوها غصبا عنها ( ثقافة دينية ) ، فكان إن افتقدت عذريتها واستقلاليتها .. وأنكرها الآخرون عندما وجدوها لا تعبر عن ذاتهم وكل خصوصياتهم تعبيرا حرا ، كما كانت على امتداد العصور !
ما الذي يجعلها اليوم تلازمها الإخفاقات وضيق الأفق ؟ ما الذي يجعلها لا تجارى الثقافات الأخرى في العالم من خلال الإخصاب اللغوي ؟ ومن خلال اتساع حجم المعلومات ؟ ومن خلال الثروة الفلسفية التي كان ينبغي أن تكون عليها ؟ لماذا بقيت محتكرة على امتداد سنوات طوال كونها مزجا غبيا ، أو متغابيا بين ما أسموه بـ ( التراث والمعاصرة ) ؟ لقد فشلوا في إثراء هذه الموازنة التي لا يمكنها أن تمشي أبدا على رجليها .. فلا هم بنقاد مهرة للتراث العربي وركاماته بالرغم من كونهم سدنته إعلاميا لا علميا .. ولا هم بمسيطرين على المعاصرة بكل ما حظيت به من اتساعات وتعقيدات . ولا يعتقد المرء أن حجم مبيعات كتب التراث كبير جدا في مجتمعاتنا ، فالتراث الذي يسوقونه هو ما يخص الأئمة والمفسرين وكّتاب أمثال : القرطبي ، وابن تيمية ، وابن سيرين واضرابهم عموما وليس على المستوى الخاص ، إذ قلما نجد سوقا لأفكار الكندي ، وابن خلدون ، والفارابي ، والجاحظ ، والمعّري .. وغيرهم على المستوى العام لا الخاص .

الخروج من مأزق الاجترار !
إن ثقافتنا مستلبة وجامدة لا تتحرك من أوعيتها التي اشتغل عليها المثقفون النهضويون الأوائل في بدايات القرن العشرين .. إذ يبدو أن الحرب ستبقى مشتعلة ضدهم ، كونهم اشتغلوا مليا على إعادة رونق الثقافة العربية كتابة وخطابا .. حكاية وتعبيرا .. تحقيقا وتجديدا . فهل ثمة حركة متجددة اليوم عند بدايات القرن الواحد والعشرين من اجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه في بنية الثقافة العربية بكل آلياتها ومبتكراتها . ثمة مفكرين ومنظرين اليوم في الثقافة العربية ، وهم يجترون أما فكرا قوميا فاشيا ، أو فكرا يساريا جامدا ، أو فكرا دينيا أصوليا ، أو فكرا سياسيا متوحشا .. واغلب ما يكتبونه ينحاز لهذا الطرف أو ذاك من دون أن تجد من يعترف بما هو سائد من تناقضات ، ومحاولة إيجاد أية حلول ومعالجات ، ولكن من باب علمي وإنساني معا . وكما قلت ودعوت قبل سنوات مضت : أن الثقافة هي ” التحرر الفكري والإنساني من كل الموبقات والتقاليد البالية .. إنها ليست موطنا للعجز ، والخنوع ، والطقوس ، والبلادة ، والتواتر ، وتكرار التعابير ، واستنساخ الأفكار ، والتمثيل الغبي للحياة الحديثة .. إنها حالة متطورة من الأساليب التي تعرف أين نحن في قلب هذا العالم .. لا يمكنني أبدا أن اتصوّر أن ثمة جماعات تكفيرية ، أو مجتمعات أصولية تستخدم آخر ما وصله العصر من وسائل متقدمة لبث نصوص متوحشة ، بل وتستخدم هذه الوسائل في قتل مجتمعاتنا وقبر أفكارنا .. خصوصا وان وسائل الإعلام الحديثة تسيطر عليها جماعات لا علاقة لها بأي فهم من مفاهيم هذا العصر .. بل أنها تمقت هذا العصر، وتتهمه بشتى التهم ! وعليه ، فهي تعيش حالة تلفيق وازدواج شخصية وشيزوفرينيا تاريخية ومحنة وجودية .. وهي غير متوازنة لا مع نفسها ولا مع ماضيها ولا مع مستقبلها .. إن حاضرنا غارق في بهيميته وهو لا يدرك معاني كل التقدم الذي وصل اليه الإنسان من خلال عقله لا من خلال توحشه ! ”

واخيرا : من المكاشفات الى المفاضحات
إن ثقافتنا العربية ستمر بمخاض صعب جدا تلوح عليها جملة تغيرات هائلة لا يمكن تخيلها .. نحن في بدايات عصر المكاشفات والاندهاشات .. عصر فضحت تكنولوجياته ومعلوماته ثقافتنا ، أو بالأحرى ثقافاتنا في المنطقة مع خصوصياتها ولم تزل تلك الثقافات بكل أساليبها وطقوسها وعاداتها مخفية ومستترة لا يمكن أن يدركها أبناء المنطقة الا في عصر المفضاحات الذي سيتلو زمن المكاشفات .. المشكلة أن هذه التغيرات لا يحس بوطأتها المجتمع كونه لا يبالي بمن كان سببا في هذه الثورة المنظمة والهوجاء في آن واحد والتي دخلت كل الزوايا وكل البيوت وبدأت تخاطب كل العقول .. المشكلة إن عالمنا العربي يعج بالعشرات من المؤسسات والمراكز والمنظمات الثقافية ، ولكنها أمست خاوية من أية إبداعات أو أية نتاجات رائعة مقارنة بدور المقاهي الثقافية وأدوارها الرائعة قبل خمسين سنة ! المشكلة ، ان الثقافة العربية لم تصل مرتبة العالمية وتؤثر في ثقافات عالمية أخرى حتى اليوم ! المشكلة أيضا أن التغيرات تحدث من دون أية عمليات نقدية ، أو بحثية ، أو تفسيرية للموجات الحديثة التي تجتاح ثقافتنا بكل استلاباتها .. ومن الغريب أن التيارات السياسية والدينية لم تزل منقسمة على نفسها تجاه ثقافتنا العربية بين من يبكي على حالها وبين من يريد القضاء عليها .. وبين من يعيش على تناقضاتها .. الثقافة العربية اليوم بلا مبدعين حقيقيين ، وان وجد بعضهم ، فهم نتاج تألقات القرن الماضي .. وان حجم المبدعين المثقفين العرب هو قليل جدا مقارنة بالحجم الديمغرافي السكاني في المنطقة .


ينشر على موقع الدكتور سيار الجميل بتاريخ 23 مارس/ آذار 2009
www.sayyaraljamil.com

للمقال صلة قادمة عن رؤية مستقبلية للثقافة العربية