الرئيسية » مقالات » حرب وسجن ورحيل – 19

حرب وسجن ورحيل – 19

حبس الناس أنفاسهم في ذلك العام بعد أن اتخذت الحرب لها مسارا دمويا رهيبا عقب استعمال الأسلحة الكيمياوية المحرمة دوليا وعلى نطاق واسع. وقد كانت العوائل تنتظر عودة أبناءها بفارغ الصبر بعد أن سرت شائعات بأن النظام سيعطل الدراسه في الجامعات والمعاهد العراقيه ألى أن تنتهي الحرب و بعد أن أصر النظام الأيراني على خوضها حتى النهايه ألى أن يعلن انتصاره من خلال الشعار المرفوع ( حرب حرب حتى النصر ) وقد اعتاد الشعب العراقي على القرارات الفردية لرئيسه صدام خاصة أنه قدأعلن بعظمة لسانه ( باستطاعته تغيير قوانين البلد بالتلفون أذا لم يجد فيها منفعة للشعب ) حسب ادعاءه . وكان من حق الناس أن يعتقدوا ربما أنه سيرفع التلفون هذه المره ويطلب من سمير عبد الوهاب (وزير التعليم العالي ) تأجيل الدراسة في الجامعات ألى شعار آخر وكان سمير عبد الوهاب وغيره من جلاوزة النظام لايعرفون غير الطاعة والتنفيذ الفوري خوفا من بطشه منهم ولأنهم كانوا القطط السمان التي تعيش على دماء الشعب ومآسيه . خاصة وأنهم وجدوا بأم أعينهم كيف قتل رئيس النظام وزير الصحة (رياض أبراهيم حسين )عندما قال له الأخير (ياسيادة الرئيس أذا كانت نهاية الحرب مرهونة بتخليكم عن السلطه فافعلوا ذلك حقنا للدماء) وكان هذا جوابا لسؤال وجهه صدام حسين ألى أعضاء قيادته وحزبه للوصول ألى أقصر السبل لأيقاف الحرب فما كان من صدام ألا أن سحب مسدسه وقتل ذلك الوزير فورا بطلقة واحدة في رأسه وكان ذلك الحدث الأرهابي لصدام أ نذارا للآخرين بأن مصيرهم سيكون كمصير وزير الصحة خاصة وأن مجزرة الرفاق ( محمد محجوب وعدنان حسين الحمداني ومحمد عايش ومحي عبد الحسين وعبد الخالق السامرائي وغانم عبد الجليل) وغيرهم من القياديين البعثيين الذين فتك بهم صدام في ليلة ظلماء بتهمة تآمرهم عليه أبان استلامه السلطه عام 1979 كانت ماثلة للعيان أمامهم فكانوا يعيشون في رعب دائم .
كانت عوائل الطلاب تعيش في قلق كبير نتيجة ذلك الوضع المشوش واشتداد الحرب وتنتظر بفارغ الصبر حصول أبناءها على أجازة من معسكراتهم التدريبية وكنت وزوجتي كباقي الناس ننتظر عودة ابنينا بفارغ الصبر بعد مرور أربعين يوما على تدريبهم وفعلا حصل الطلاب على أجازاتهم بعد مرور تلك الفتره وعاد جميع الطلبة ألى بيوتهم بعد انقضائها وقد عاد أبننا الكبير (عقيل ) ولم يعد أخوه (نبيل ) ومرت علينا ساعات عصيبة ننتظر عودته دون جدوى وتحولت الساعات ألى أيام ولم يعد وذهبت ألى مراكز الشرطة لأخبرهم أن ابني مفقود وقد ذهب ألى المعسكر الطلابي ولم يعد من معسكره الكائن في المثلث الحدودي العراق التركي السوري. وذهبت مع أبني عقيل الذي كان في معسكر آخر ألى طلاب معهد التدريب النفطي الذين جمعهم معسكر واحد وسألناهم عنه فأخبرونا بأن أبني داوم في المعسكر لمدة يوم واحد ثم اختفى وسجل في عداد الغائبين ولا بد أنه فصل من المعهد حسب التعليمات التي تلقوها فأسقط في يدنا ولم نعرف ماذا نفعل وو قعنا في حيرة شديدة.
مرت علينا أيام ثقيلة كثقل الجبال وأخذنا نضرب أخماسا بأسداس وراودتنا تساؤلات كثيره ترى ماذا حل به ؟ هل قتل ؟ هل سجن ؟ هل هرب من المعسكر واختفى في المنطقة الشمالية من العراق ؟ أسئلة كثيرة لاأول لها ولا آخر ماتت على شفاهنا ولم يساعدنا أحد في الأجابة عنها . خاصة وأنه كان يظهر كرهه الشديد لحزب البعث وتهرب لمرات كثيرة من التنظيم الحزبي الذي كان أجباريا على طلاب الثانويات والكليات.
مر أسبوع والحال على ماهو عليه وبعد يومين جاءني أحد الأشخاص وأخبرني بأنه (مسؤول أمن المنطقه) ووجه لي ولزوجتي عدد من الأسئله فقلت له هل لديكم معلومات تخبروننا بها عن أبننا لأننا محرومون من النوم منذ اختفاءه ولحد هذه اللحظه ؟ فأجابني بكلمتين مقتضبتين جافتين (ماكو شي ) فقلت له ( شلون ماكو شي أذا عندك معلومات عن أبني أخبرني بها ) فأجابني بكلمات مقتضبة أيضا ( هذا مو شغلك أفتهمت) ولم يعر أي اهتمام لتوسلات أمه التي كانت تذرف الدموع الحاره وهي تريد أن تحصل على بصيص من الأمل لمن يدلي بمعلومة ولو صغيرة عن ابنها المفقود .
خرج ذلك الشخص من البيت وقد أحرق قلوبنا أكثر بتحقيقه وتجهمه وجفاف كلماته المقتضبه وأحسسنا بأن وراء الأكمة ماوراءها.
مرت عدة أيام أخرى وحضرت في يوم من أيام آب القائضه عام 1986 سيارة فيها عدد من المسلحين واقتحموا الدار واقتادوني مع زوجتي ألى السيارة ونحن في ثيابنا البيتيه وناولت أحدى بناتي غطاء الرأس لأمها على عجل ووسط تلك الحيرة وذلك الذهول سألتهم ماذا تريدون؟ ومن أنتم ؟ أجاب أحدهم ( أسكت ولك أنتو مطلوبين للجهات الأمنيه ) وحشرونا في السيارة وسط صراخ وتوسلات أمي وأبنتي الأثنتين اللتين كانتا في الثانوية وأقلتنا السيارة ألى أحد المصورين وطلبوا منه أن يلتقط ستة صور لكل واحد منا وطلبوا مني أن أدفع قيمة الصور للمصور وعندما قلت لهم أنني لم أحمل معي نقودا فقال نفس الشخص سنرجعك ألى البيت لتأتي بالنقود ألى المصور وفعلا أرجعوني ألى البيت وهم شاهرون مسدساتهم وأحدهم كان يحمل رشاشا وطلبت من أحدى بناتي أن تناولني مبلغا فناولتني ذلك المبلغ وهي وأختها ووالدتي في غاية الرعب وكانوا يبكون ويتوسلون بالذين كنا تحت حراستهم ولم يرد أحد منهم على توسلات والدتي وأبنتي الأثنتين أبدا وكأن الأمر طبيعي بالنسبة لهم وكان البعض يضحك على تلك التوسلات . ورجعنا ألى المصور وسلمنا المبلغ ثم جاءت بنا السيارة ألى مديرية الأمن التي كانت تقع في منطقة الهوره على بعد مئات الأمتار من بيتنا.
و ضعنا في غرفة صغيرة بعد أن أغلقت من الخارج وكان فيها شباك صغير تتسرب منه خيوط من الشمس وكنا نستطيع أن نرى ساحة البناية من خلال الشباك الصغير وكانت بين الفينة والفينه تأتي سيارات وفيها رجال ونساء محاطين من قبل مسلحين ويدخلونهم ألى داخل البنايه دون أن نعرف من هم وما هي تهمتهم وماذا سيحل بهم. وقد بقينا في تلك الغرفة أنا وزوجتي أربع ساعات دون أن يكلمنا أحد أو نعرف شيئ عن مصيرنا وقد استبد بنا العطش في ذلك اليوم الشديد الحرارة وجفت أفواهنا من الأسلوب الهمجي الذي عوملنا به دون أن نعرف ماذا يحدث ولماذا ؟ وبعد انقضاء أربع ساعات جاء شخص مسلح وفتح باب الغرفه وقادنا ألى دهليز في الطابق الأسفل وطلب منا أن نقف عند الباب ونقر هو باب الغرفة مستئذنا فدخلها ثم خرج وطلب منا الدخول ألى الغرفة وذهب.
عند دخولنا الغرفه وجدنا شخصا يجلس في الغرفه وأمامه طاولة كبيرة وعليها رزمة من الأوراق وقد وضعت في ( فايل ) وفوق رأسه صورة ملونة مزججة كبيرة لرئيس النظام صدام وكان مشغولا في قراءة بعض تلك الأوراق وعندما سلمت عليه رد السلام بحركة من شفتيه وطلب منا الجلوس. وبعد أن جلسنا سألني هل أنت فلان بن فلان ؟ قلت له نعم وكذلك وجه نفس السؤال ألى زوجتي . ثم بدأ يوجه الأسئله عن وضعنا العائلي وعن الوظيفة التي كنا نشغلها وكنا أنا وزوجتي نعمل كمعلمين في المدارس الأبتدائيه . وبدأ يوجه لنا أسئلة كثيره وقلت له أثناء الأستجواب نحن نعاني من العطش الشديد أولا ولا نعرف ماذا يجري لنا ثانيا . فأجابني ستشربون الماء وستعرفون لماذا أنتم هنا. ودق الجرس وأمر أحد المنتسبين بجلب الماء .
ثم دخل شخص آخر فقال لي مباشرة ( أنت فلان ) قلت له نعم ثم تفوه ببعض الكلمات القاسية والنابية لاأحب ذكرها ولم أرد عليه فقال له الشخص الذي كان يجري التحقيق معنا ( على كيفك وياه جمال) وتبين لي فيما بعد أن الشخص الذي تفوه على بالكلمات النابية هو ( جمال يحيى السعدون ) وكان ضابطا في مديرية أمن واسط برتبة نقيب وكان أبوه يشغل مايسمى( عضو قيادة فرع واسط لحزب البعث) وكان الأشخاص من عشيرة السعدون من الأشخاص المتنفذين في ذلك الوقت وكان جمال مشرفا على تعذيب السجناء في مديرية أمن واسط ويستجوب أولياء أمور الهاربين من العراق . وكان من الأشخاص المستهترين والمتهورين ويتلفظ الكلمات البذيئة ومختلف التهديدات ولن يتورع عن القيام بالتعذيب بالضرب بالصونده السوداء على الظهر مع الاشخاص الذين كان يحقق معهم .
واستمر التحقيق معي ومع زوجتي لمدة ساعة ونصف وللحقيقة أقول لم يضربني أحد البته ولكن التعذيب النفسي كان شديد الوطأة بالنسبة لي ولزوجتي . ثم أبلغنا من قبل ذلك الشخص الذي عرفته فيما بعد بأنه كان معونا لمدير أمن الكوت ونسيت أسمه بأننا محجوزان من تلك اللحظه من قبل السلطات الأمنية العليا لهروب أبننا ألى دولة معادية وهي ( سوريا ) !!! وعقب قائلا هل لديك شيئا تقوله ؟ قلت له أن أبني عمره 19 عاما وأذا كان هاربا للقطر السوري فقد هرب بأرادته فما ذنبنا نحن الأبوين لكي نحجز ؟ وأذا كنت أنا الأب مذنبا في نظركم فما ذنب زوجتي ؟ فأجابني لاتجادلني في هذا الموضوع أنه أمر السلطات العلياوما علينا سوى التنفيذ هل فهمت أم لا وممنوع تتكلم بعد. ورغم كل هذا فقد كان كلامه أخف وطأة بكثير من جمال السعدون. ثم دق الجرس فجاء شخص وأمره أن يأخذنا ألى المكان الذي قرروا وضعنا فيه وكان كل شيئ واضحا بالنسبة لهم أما نحن الأثنين فكنا نعيش وضعا غامضا لاندري ماهي بدايته وما هي نهايته حيث انكشف خيط واحد من الموضوع فقط وهو أن أبننا قد تسلل في الليل ألى الحدود ورمى نفسه في نهر الخابور وعبره سباحة وسلم نفسه للأمن السوري الذي كان على الجانب الآخر من النهر وكانت العلاقات بين البلدين مقطوعة تماما وأن رئيس النظام صدام أصدر أمرا سريا ألى وزارة الداخلية بحجز الأب والأم لكل شخص هارب من العسكرية أو تأكد أنه هرب ألى دولة مجاورة ولم يخرج الأبوان من السجن الا أن يأتي الأبن ويسلم نفسه هذا ماأخبرني به أحد منتسبي الأمن فيما بعد وطلب مني التكتم على الموضوع لأنه يعتبر أفشاء معلومات والقانون يعاقب عليه وكان متعاطفا معنا . حشرنا في داخل السيارة ونقلتنا ألى سجن التسفيرات في مدينة الكوت تحت الحراسة المشددة وكأننا من كبار المجرمين. كان السجن يحتوي على غرف لسجن النساء وغرف لسجن الرجال وتم تسليمنا ألى مدير السجن المقدم ( جواد الحركاني ) فأخذت زوجتي ألى سجن النساء ومسكني شرطي مسلح وقادني ألى غرفة نصف مضاءه بعد أن فتح قفلها الكبير بمفتاح كان بيده ودفعني ألى داخله ثم أقفل الغرفه وقد كنت في حالة نفسية سيئة ومتعب جدا ولأنها المرة الأولى التي أدخل فيها السجن. وفي القسم الآخر سيأتي دور السجن وما كان يحدث فيه من أحداث غريبة والحالة التي كان يعيشها السجناء.
جعفر المهاجر – السويد