الرئيسية » مقالات » حرب وسجن ورحيل- 20

حرب وسجن ورحيل- 20

 في السجن
عندما دفعني الشرطي ألى داخل الغرفه أحسست وكأنني أرمى داخل مكان سحيق واصطدمت في بادئ الأمر بتل من الأحذية المتجمعة عند الباب الحديدي فسمعت عدة أصوات قد انطلقت في وقت واحد من الداخل ( أنزع حذاءك ) فنفذت الأمر وشعرت بأنني أصطدم مرة أخرى بأجساد بشرية فانطلقت عدة أصوات أخرى وبلهجة فيها استنكار ( على كيفك على كيفك ها ي اشبيك انته جاي تمشي بالشارع) وسمعت آخر يقول ( متكلي أنته منين الله جابك علينه مودست على راسي هذا فوك ضيم الله ) فتسمرت وقلت ( السلام عليكم ) ثم سقطت على بعض الأجسام البشرية مرة أخرى فعلق أحدهم قائلا ( شنهي القضيه أنته بيك مرض زر ويد جاي تتمرج علينه ) ولم أجب. فتحت عيني جيدا لأتفحص المكان فوجدته عبارة عن قاووش طويل يتجاوز العشرة أمتار طولا والأربعة أمتار عرضاوقد تكدست فيه الأجساد البشرية بشكل لايصدقه عقل حيث حشر في ذلك المكان حوالي المائة أنسان ولا توجد فيه عدة سنتمترات للوقوف وكانت رائحة الدخان المنبعث من السكائر مختلطة مع روائح كريهة أخرى تبعث على الغثيان وكانت الأرض مفروشة ب( جودليات قذره ) ترفضها حتى الحيوانات ولاحظت شخصين جالسين القرفصاء في الشباك الحديدي الصغير لغرفة السجن وهما يرددان (بيتنه ونلعب بيه بيتنه وما ننطيه ) ولمرات عديده.
لقد كنت في منتصف الثلاثينات ولم أشهد أقذر من ذلك المكان طيلة حياتي وشعرت بأن معدتي تكاد تخرج من جوفي وكان الأرهاق يكاد يقضي على . لقد اختلطت حرارة الجو برائحة العرق الآدمي والملابس الرثه ورائحة البول والغائط وكأنني في حظيرة للحيوانات أو موقع للنفايات . وقفت حائرا مذهولا لاأدري ماذا أصنع وماذا أقول بعد أن حشرت وتسمرت واقفا في أحدى الزوايا وكانت المساحة التي وقفت فيها على قدر مساحة قدمي فقط.
اعتراني شعور بالحقد على أولئك المجرمين الذين كانوا يحشرون الناس حشرا في تلك الأماكن العفنة القذرة التي لاتتناسب وأدنى مستويات الكرامة الأنسانية في البلد الذي تحسده الكثير من الدول الفقيرة وغير الفقيرة في العالم وكان رئيسه يصرف مليارات الدولارات على الحروب ويهب لمن يشاء ويقيم المؤتمرات والأعراس وحفلات عيد الميلاد وكأنه أحد أباطرة الصين أو أحد القياصرة الروس وكان يقول لجلاوزته الذين يجتمع بهم يوميا ويطل من على شاشة التلفزيون قائلا ( أن الأنسان هو قيمة عليا وفق مبادئ حزبنا العظيم) وقلت في نفسي ربما لم أكن وحدي مظلوما هنا وتذكرت القول ( ياما في السجن مظالم ) وفكرت بزوجتي المعتقلة في مكان آخر من السجن وبناتي ووالدتي وأبني الذي في المعسكر ترى ماذا حدث لهم .؟ هل اعتقلوافي مكان آخر ؟ ومن الذي سيصرف عليهم ؟أفكار كثيرة راودتني في تلك اللحظات التي بقيت فيها واقفا لايمكنني أن أتحرك بمسافة سم واحد وقد وجدت نفسي وحيدا لايوجد أحد أشكو أليه حالتي. خاصة أنني علمت فيما بعد أنهم منعوا أي شخص من مقابلتي . وراودتني رغبة في الكلام لأقول أنني على وشك أن يغمى على وأحسست بأن كل واحد من هؤلاء له همومه الخاصة به وبعد مرور عدة ساعات وكأنها أعوام وأنا في تلك الحاله وقف المفوض ( أبو يوسف ) الذي كنت أدرس أبنه عند باب السجن وكان يعمل في السجن وخاطب السجناء قائلا ( ياجماعه ياعرب ناموس هذا الرجال أخوكم معلم وقسمته جابته لهذا المكان أريد منكم اتسووله (مجين) أي مكان حتى يكدر يكعد حتى تحصلون على الأجر والثواب وينكم النشامه أهل الغيره والنوماس) فأجابه أحدهم ( أبشر أبو يوسف والله ماطول خوش آدمي لازم انخليه على روسنه الليله مانخليه واكف لازم انسويله جاره ) فأجابه أبو يوسف ( ولك محمد آني أدري بيك أنته أبو الدكات الطيبه راح اروح لأن واجبي خلص وأجي باجر أشوف ) وذهب .
فطلب محمد الذي ناداه المفوض من جماعته أن يتزحزحوا قليلا وصاح بهم قائلا (يمعودين شويه تحركوا خلو هالرجال يكعد وآني أنطيت كلام لأبو يوسف لاتخجلوني وياه) فحدث هرج ومرج وتذمر البعض من وضعهم الذي يعيشونه وقال أحدهم ( والله لو دجاج ينحشر بها المكان هم مايقبل ) فأجابه الآخر ( ولك تقبل لو ماتقبل أنته بيش كيلو منو يسمعك). وفعلا أعطوني حوالي ربع متر مربع وأحدى الجودليات القذره المتروكه واستطعت أن أجلس القرفصاء بينهم وهم ينظرون ألى وجهي وفي عيونهم تساؤلات كثيرة .
وجه أحدهم كلامه لي قائلا ( عمي هسه انته كعدت وارتاحيت انريدك تحجيلنه المقتل مالك ليش جابوك هنا تره هاي عادتنه ياهو اليجي هنا مانخليه ينام أذا مايحجيلنه قصته من الباب للمحراب ) فأجبته (اتدلل هسه نص الليل وآني تعبان كلش باجر ان شاء الله احجيلكم قصتي بالتمام والكمال) فاقتنع بذلك .
بقيت ممددا وسط تلك الكتل البشرية المتلاصقة على بعضها وعيني مفتحتين وكان شخير البعض منهم كالصواريخ وقد وضعت منديلا كنت احمله على فمي وأنفي كي أحاشى بلا جدوى تلك الروائح الكريهة المنبعثة من المكان خاصة كنت غير مدخن ولن يتسنى لي تحريك رجلي ولم يغمض لي جفن حتى الصباح وكان الشرطي الخفر يتجول في الممر جيئة وذهابا بسلاحه وهو ينظر داخل السجن بين فترة وأخرى وكانت الأضواء مسلطة علينا حيث اشعلت جميع النيونات خوفا من الحوادث داخل السجن وقد سمعت أن أحد السجناء حاول الأنتحار بموس الحلاقة قبل أن آتي ألى هنا بعدة أيام وقد نقل ألى المستشفى وتوفي هناك .
ومع بزوغ أول خيط للفجر سمعت حركة خارج السجن فقال أحدهم ( ولكم كوموا أجه شحاده كل واحد يحضر كوبه) وكان شحاده هذا شابا مصريا يحضر الطعام للسجناء وفق عقد مع الحكومه ولما وصل ألى الباب قام أحدهم واستلم منه كمية من الصمون وكمية من البيض المسلوق وكتلي بحجم كبير مملوء بالشاي وبدأ أحد الأشخاص بأعطاء بيضتين وصمونه لكل شخص ورغم حالة الجوع الشديد التي كنت أعاني منها ألا أن رغبتي لتناول الطعام كانت شبه معدومه ولكنني اضطررت لتناول بيضة مسلوقة دفعتها ألى جوفي دفعا شربت بعدها قليلا من الشاي وكان معظم السجناء يتناولون الطعام بنهم شديد وآخرون أقل من ذلك وكان البعض منهم مرضى يعانون من أمراض معديه ويأتي كل أسبوع معاون طبي ليناولهم بعض الحبوب المسكنة من الباب وآخرون كانوا بغطون في نوم عميق وقد بانوا وكأنهم أموات رغم الجلبة التي كان يعج بها المكان وعندما سألت أحدهم عن حالتهم قال لي ( عمي ذوله قصتهم طويله بعدين تعرفهه ذوله كل 3 أيام يصحون ساعه ساعتين وبعدين يموتون ) وقد تبين فيما بعد أنهم يتناولون كميات كبيره من الحبوب المنومة يجلبها الشرطة لهم لقاء بعض المال .
ورغم الحالة النفسية المريرة التي كنت أعيشها كانت تراودني رغبة شديدة بالتعرف ألى هذه الشخصيات لأكتب عنها . كانوا جماعات من الشباب والكهول والشيوخ . لقد كانت لكل واحد من أولئك الرجال قصة يتسم قسم منها بالغرابة سأتحدث عنها فيما بعد.
جعفر المهاجر – السويد